مع قاعدة جماهيرية تضم الالاف، ونحو ربع مليون متابع على الشبكات الاجتماعية، واعتراف دولي تُوّج باختياره ضمن قائمة TIME للمؤثرين، بات ألون-لي غرين، بعد عقد على تأسيس حركة “نقف معًا”، يشعر بأنه في موقع يتيح له التفكير في كيفية إعادة تعريف اليسار لنفسه من جديد.
يانا باڤزنر
في أيار الماضي، وخلال احتجاج على حدود غزة، اعتقلت الشرطة الإسرائيلية ألون-لي غرين مع ثمانية ناشطين وناشطات من حركة “نقف معًا”. قُيّدت أيديهم وأرجلهم، ونُقلوا إلى التحقيق في مركز شرطة أشكلون. يقول غرين: “لم تكن هذه المرة الأولى التي أُعتقل فيها. عادةً تنتهي الأمور بعد التحقيق بالإفراج. لكن هذه المرة كانت مختلفة”. بعد التحقيق، لم يُطلق سراحهم، بل نُقلوا إلى مركز اعتقال وتوقيف، ومنه مباشرة إلى المحكمة. القاضي، وفق روايته، كان من التيار الديني-الصهيوني، واعتبر أن “ظاهرة” الاحتجاجات، ولا سيما إغلاق الشوارع، يجب أن تتوقف، وقارن ما جرى على حدود غزة باحتجاجات مفرق كابلان في تل ابيب ضد الإنقلاب القضائي. “قال ذلك رغم أننا لم نغلق أي طريق. اعتُقلنا قرب الحدود، في مكان لا يوجد فيه شارع أصلًا”، يضيف غرين. قرار القاضي كان تمديد الاعتقال أسبوعًا. عندها، يقول غرين، بدأ الإحساس بأن الأمور تخرج عن السيطرة. هذا الشعور تعزّز عندما لم يُعادوا إلى مركز التوقيف، بل نُقلوا إلى سجن شيكما. “كان بيننا امرأتان. وُضعتا في الحبس الانفرادي، في ظروف قاسية للغاية. نحن الرجال فُصلنا عن بعضنا البعض”. داخل السجن، اصطدم غرين بواقع آخر، أكثر فجاجة. “رأيت الفارق في الطعام بين السجناء الإسرائيليين والسجناء الفلسطينيين في الجهة الأخرى من السجن. الفلسطينيون كانوا من سكان الضفة الغربية: شعر أشعث، ملابس ممزقة، اعتُقلوا أثناء محاولتهم العبور إلى داخل إسرائيل”. المفارقة، كما يروي، أن بعضهم تعرّف إليه. “عرفوني من القمصان البنفسجية، سلّموا عليّ. هذا كان المشهد الأكثر عبثية”. بعد ذلك، أُدخل غرين إلى زنزانة مع ثلاثة مجرمين من عائلة إجرامية. تجربة، كما يصفها، لم تكن مجرد اعتقال، بل درسًا مكثفًا في كيفية عمل منظومة القمع، ومن يقع دائمًا في أسفل سلّمها.
كيف تم استقبالك؟
“في البداية ظنّوا أنني أُعتقِلت بسبب مشاركتي في حفلة طبيعة. كنت قد قلبت القميص البنفسجي الذي كُتب عليه: “فقط السلام يجلب الأمن”. لكن سرعان ما انتزعوا من يدي محضر المحكمة، وبدأوا بقراءته، وفهموا أن اعتقالي كان على خلفية مظاهرة. شرحت لهم أن المظاهرة طالبت باتفاق لوقف الحرب، وبإطلاق سراح الأسرى والمختطفين. أحدهم قال: كل الاحترام، ويجب الوقوف إلى جانب عائلات المختطفين. آخر رأى العكس تمامًا، وادّعى أننا نُربك “عبقرية” نتنياهو، وأن هذه الاحتجاجات لا تفعل سوى انها تقوي حماس”.
هل شعرت بالخوف؟
“كانت تجربة قاسية. لم أكن أعرف إن كنتُ قادرًا على النوم. قضيت هناك ليلتين. ومع ذلك، لم يخلو الموقف من لحظات إنسانية. في السجن يُصادرون أربطة الأحذية، على ما يبدو خشية الانتحار، وهذا يجعل المشي مزعجًا؛ الأحذية تنزلق عن القدمين باستمرار. أحدهم صنع لي أربطة بديلة من كيس نايلون خاص بالخبز، ثم علّموني كيف أُعدّ فتيلًا من ورق المرحاض ليصمد طوال الليل”.
لِمَ يُستَخدم ذلك؟
“عندما يطلب السجين نارا من السجان قد يستغرق الأمر نصف ساعة حتى يأتي. لذلك نأخذ لفة ورق تواليت ونصنع منها فتيلة طويلة جدا، نعلقها ونشعل طرفها، وهكذا يكون لديك نار لإشعال السجائر طوال الليل.”

تجذب حركة “نقف معًا” هذا القدر من انتباه أجهزة إنفاذ القانون وأذرع السلطة، وكذلك من قبل أنصارها غير الرسميين، لأنها تطرح بديلا يهز الرواية المركزية التي يقوم عليها حكم اليمين: الادعاء بأن اليهود والعرب لا يمكنهم العيش معا في هذه البلاد، وبالتأكيد لا يمكنهم التعاون لبناء مستقبل جديد لا يقوم على الدم لكلا الشعبين.
في إحدى المحادثات التي أجريتها الشهر الماضي مع ألون-لي غرين، البالغ من العمر 38 عاما، وهو مدير وشريك قطري وأحد مؤسسي الحركة، قدم لي مثالا يوضح طبيعة نشاط “نقف معًا”. كان ذلك قبل ساعات من اعتقاله، وبعد شهرين من انهيار وقف إطلاق النار بين الجيش الإسرائيلي وحماس، وفي ذروة عملية “مركبات جدعون” التي أسفرت عن مقتل آلاف المدنيين في غزة وعشرات الجنود، من دون أن تؤدي إلى الإفراج عن الأسرى. تجمع غرين ونشطاء الحركة في محطة قطار سديروت وهم يرتدون القمصان البنفسجية، اللون الذي يميز الحركة، وعليها شعارات بالعربية والعبرية: “نقف معًا” و”السلام وحده يجلب الأمن”. كانت الخطة هي التوجه نحو حدود غزة في مسيرة احتجاجية ضد الحرب، والمطالبة بعودة الأسرى.
سرعان ما بدأ يتجمع حولهم حشد غاضب انهال عليهم بالشتائم. وسط هذا الجو العدائي، لاحظ غرين امرأة في الأربعينيات من عمرها. يقول: “توجهت إليها وسألتها عن اسمها، وقدمت نفسي، واقترحت أن نبتعد قليلا لنتحدث بهدوء. وافقت. عندما يكون هناك حشد غاضب، ينجرف الناس معه، ولا تكون هناك أي فرصة للوصول إليهم. أردت أن أفكك هذا الغضب الجماعي، وأن أواجهها بإنسانيتي، لا كجزء من تيار سياسي تكرهه”.
“نعم. بدأت أطرح عليها أسئلة. أخبرتني أنها أم، ولديها أولاد صغار. سألتها إن كانت لا تخاف من أن يُرسلوا يوما إلى ميادين القتال. قالت طبعا إنها تخاف. سألتها إلى متى تعتقد أننا نستطيع الاستمرار هكذا، وهل هي مستعدة لأن تخسر أبناءها من أجل ذلك. أجابت بأنها بالطبع غير مستعدة. في النهاية، هذه المرأة — وأنا شبه متأكد أنها تصوت لبن غفير أو لتيار مشابه — وافقت على أن السلام أفضل من الحرب، وأنه لا بد من السعي إليه”.
هذا يُعد نجاح باهر.
“في أحيان كثيرة، يكون الحوار المباشر أكثر فاعلية من أي خطاب أخلاقي أو حديث عام عن “الآخر” ومعاناته. حين تُخاطِب الإنسان من موقع حياته وتجربته الشخصية، تجعله يرى بوضوح ما الذي يخسره. من الصعب أن تجد أبًا أو أمًا في إسرائيل مستعدين لأن يعيش أبناؤهم المصير نفسه الذي فُرض على شبّان في الثامنة عشرة خلال العامين الماضيين. هذا الإدراك وحده يكشف أن لدى المجتمع الإسرائيلي مصلحة حقيقية في كسر هذا الواقع وتغييره”.
يروي ألون-لي غرين أن عناصر الشرطة وقفوا في مواجهة الجمهور وراحوا يتفحّصون اللافتات المرفوعة في القاعة، قبل أن يطالبوا بإزالة لافتة كُتب عليها “لنخرج من غزة”، بحجة أنها غير قانونية. وعندما سُئلوا عن الأساس القانوني لذلك، لم يقدّموا أي توضيح، واكتفوا بالقول إنهم ينفّذون أوامر.
بحسب غرين، شكّل هذا التدخّل مساسًا مباشرًا بالحق في التنظيم وحرية التعبير، ورسالة ترهيب واضحة. “اليوم بات واضحًا بالنسبة لنا أن الشرطة ليست إلى جانبنا، ولا تعمل لحمايتنا”، يقول. :هذا هو الواقع، ويجب الاعتراف به، حتى لو كان مقلقًا”. ومع ذلك، يشدّد غرين على أن المؤتمر نفسه كان لحظة مؤثرة ومليئة بالأمل: “أن يجتمع هذا العدد من العرب واليهود بعد العامين الماضيين ليس أمرًا بديهيًا، بل حدث استثنائي”.
من جهتها، قالت الشرطة الإسرائيلية في ردّها إن وجودها في المكان كان لأسباب أمنية وللحفاظ على النظام العام، في إطار مسؤوليتها القانونية عن سلامة الحدث والجمهور. ونفت مصادرة أي لافتات، مؤكدة أنها ستواصل السماح بعقد مؤتمرات وفعاليات عامة وفق القانون ومع احترام حرية التعبير، وأضافت أن مسألة اللافتات “سيجري توضيحها للعناصر”.

يعيش ألون-لي غرين منذ عشرين عامًا حياة صاخبة من النضال المتواصل، ومع ذلك ما زال متمسكًا بالتفاؤل. يقول: “في الأيام الأولى للحرب، خرجنا — يهودًا وعربًا من الحركة — لتنظيف الملاجئ، وعلّقنا فيها لافتات بالعربية والعبرية، للتأكيد على أن الصاروخ إن سقط فلن يميّز بيننا، وأننا في هذه الحالة معًا. بعد ذلك تطوّعنا لمساندة المزارعين في الجنوب. عائلات من منطقة المثلث — الطيبة، كفر قاسم، قلنسوة — عرضت استضافة عائلات من الجنوب، ودعتهم للمبيت في بيوتها. كان مهمًا بالنسبة لنا أن نُظهر إمكانية العيش المشترك، في وقت بدا فيه ذلك مستحيلًا. كانت رسالة مفادها أننا لم نفقد الأمل”.
بعد عامين، يبدو أن الوضع يزداد سوءًا. أنتم في الحركة تختبرون ذلك يوميًا وبشكل مباشر. هل ما زلت متمسّكًا بالتفاؤل؟
“شعار حركة “نقف معًا” هو: حيثما يوجد نضال، يوجد أمل، وأنا أؤمن بذلك”، يقول غرين. “يكفي أن ننظر إلى تاريخ الحركات السياسية: مجموعات واصلت النضال حتى في اللحظات التي بدا فيها كل شيء ميؤوسًا منه. خذي مثلًا النساء في مطلع القرن العشرين، اللواتي ناضلن سنوات طويلة من أجل حق التصويت والترشّح. الشرطة زجّت بهن في السجون، أزواجهن طردوهن من البيوت، وحُرمن من رؤية أطفالهن. لم يكن بإمكانهن أن يعرفن أنهن سينتصرن في النهاية، ومع ذلك واصلن الطريق في أحلك اللحظات. لهذا أقول: حيثما يوجد نضال، يوجد أمل”.
تأسيس حركة “نقف معًا” جاء بمبادرة نشطاء من ميرتس والجبهة، ممن شاركوا في نضالات الاحتجاج الاجتماعي عام 2011. استغرق الأمر سنوات، ولم يتبلور المشروع إلا بعد “الجرف الصامد” وانتفاضة السكاكين، وفي ظل صمت المعارضة وغياب أي بديل سياسي واضح. في الحركة قرروا أن تكون أولى خطواتهم في القدس، المدينة التي كانت آنذاك رمزًا للعنف والخوف. أرادوا أن يقولوا إن هناك طريقًا آخر: الوقوف معًا في وجه اليأس، وبناء شراكة تقوم على السلام. إلى التظاهرة الأولى حضر نحو ثلاثة آلاف شخص، يهودًا وفلسطينيين، إلى جانب نحو خمسة عشر ناشطًا من اليمين، تظاهروا ضدهم.
“وصلنا لرهط، حيفا وتل أبيب”، يقول غرين، “وخلال شهر تنقلنا بين مدن مختلفة ونظمنا احتجاجات. عندها قررنا تحويل المبادرة إلى حركة منظّمة: شراكة يهودية–عربية، ضد العنصرية، ضد الاحتلال، ومن أجل السلام والعدالة الاجتماعية”. خلال عشر سنوات من نشاطها، افتتحت الحركة 12 فرعًا و14 خلية طلابية في أنحاء البلاد. العضوية رمزية وتبدأ من خمسة شواكل شهريًا، وتعتمد الحركة على تبرعات من صناديق عائلية ومن “الصندوق الجديد لإسرائيل”. ومنذ تأسيسها، شاركت “نقف معًا” في عدد كبير من النضالات الاجتماعية والسياسية، وفي بعضها كانت المبادرَة والقائدة، مثل حملة “الحد الأدنى 40″ لرفع الحد الأدنى للأجور، و”نضال 5000” لرفع مخصصات الشيخوخة، والمعركة ضد “قانون القومية”، وغيرها.
خلال العامين الأخيرين، تمحور نشاط الحركة أساسًا حول الحرب. إحدى أبرز محطّاته كانت حماية شاحنات المساعدات الغذائية التي حاولت دخول قطاع غزة. “كان ذلك مخيفًا من كل ناحية”، يقول غرين، “حين تقف أمامك فتاة تحمل سكينًا وتهدّدك، وتجد نفسك تتساءل: أين أجهزة الرفاه؟ أين الشرطة؟”. ومع ذلك، يضيف، “في النهاية انتصرنا، ودخلت الشاحنات”. بعد هذه الخطوة، قررت الحركة إطلاق حملة لجمع الغذاء والملابس لسكان غزة. شارك في الحملة عشرات الآلاف، غالبيتهم من المجتمع العربي. وفي المحصلة، دخل إلى القطاع أكثر من 250 شاحنة محمّلة بالمساعدات. “جاءت هذه المبادرة بعد أكثر من عام من محاولات إسكات المجتمع الفلسطيني في الداخل”، يقول غرين. “من تجرأ على كتابة منشور عن غزة كان يُفصل من عمله، أو يُعتقل، أو يُصوَّر مقيّدًا ومعصوب العينين. الناس كانوا خائفين. حملة التبرعات منحتهم فرصة لفعل شيء من دون خوف”.
إلى جانب نحو ألفي شخص انضموا إلى الحركة خلال هذه الفترة، غادرها أيضًا عشرات. حدث ذلك في الأيام الأولى للحرب، بعد أن نشرت “نقف معًا” بيانًا عبّر عن صدمة عميقة وربط بين الاحتلال المستمر وغياب الأمن. بعد ثلاثة أيام، دعت الحركة إلى صفقة فورية لإطلاق سراح الأسرى، وأبدت، ولو بشكل غير مباشر، معارضتها للحرب. “كنّا أول جهة إسرائيلية تستخدم كلمة صفقة”، يقول غرين. “هذا جرّ علينا هجومًا واسعًا من كل الاتجاهات تقريبًا. حتى يائير غولان تحدث حينها عن قطع الكهرباء ومنع إدخال الغذاء إلى غزة”.
هل تعتبرون الحرب مرفوضة من أساسها وبشكل قاطع؟
من وجهة نظرنا، مسألة كيفية التعامل مع حماس هي مسألة بالغة الأهمية، لكن كان واضحًا منذ البداية أنه لا يمكن استعادة الأسرى عبر الضغط العسكري، وأن الانجرار وراء دعوات الانتقام بحدّ ذاته أمر خطير. نتنياهو وآخرون سارعوا للحديث عن إعادة غزة إلى العصر الحجري، وسموتريتش قال صراحة إن الأسرى ليسوا أولوية. كان واضحًا أن الحرب التي ستُشنّ لن تكون حربًا من أجل الأمن ولا من أجل إعادة الأسرى، بل حرب انتقام”.
لكن ماذا كان يُفترض بإسرائيل أن تفعل في السابع من أكتوبر؟ أن توقّع اتفاقًا مع حماس وتفرج عن أسراهم؟ كثيرون سيعتبرون هذا الخيار استسلامًا وهزيمة.
يقول غرين: إذا أردنا أن نكون صادقين، فعلينا أن ننظر إلى ما جرى من منظور تاريخي، لا من زاوية الغضب الآني. هل منحتنا الحرب أمنًا فعليًا؟ هل نجحت فعلًا سياسة “سحق حماس”؟ قتلنا جيلًا من القيادات، لكن هل يعني ذلك أن فتيانًا في السادسة عشرة لن يحملوا السلاح غدًا وينضموا إليها؟ بعد عامين انسحبت إسرائيل من نحو نصف القطاع، وحماس عادت لتسيطر على السلاح — السلاح نفسه الذي دخل أصلًا عبر إسرائيل. هذا ليس جديدًا، بل حلقة تتكرر منذ عشرين عامًا. انظري إلى أفغانستان: الولايات المتحدة مكثت هناك سنوات طويلة، أنفقت نحو تريليوني دولار، وقتلت مئات آلاف المدنيين. وما إن انسحبت حتى عادت طالبان إلى الحكم، وبدأت بتنفيذ كل ما كانت تطمح إليه طوال سنوات الحرب. هكذا تعمل الحروب، وهذا ما تتركه خلفها.
وخلال الحرب، يضيف غرين، واجهت الحركة لحظات شديدة التعقيد داخل الشراكة العربية–اليهودية. إحدى هذه اللحظات كانت عندما أُفرج عن أربعة أسرى في عملية عسكرية. “كانت فرحة عارمة”، يقول. “القيادة كلها، عربًا ويهودًا، اتفقنا في نقاش داخلي على ضرورة التعبير عن هذه الفرحة ونشرها”. لكن بعد وقت قصير، كتب كثير من الأعضاء العرب أن العملية نفسها أسفرت عن مقتل أكثر من مئة فلسطيني في غزة، بينهم عدد كبير من الأطفال. هكذا وجدنا أنفسنا حركة واحدة، قيادة واحدة، حسابًا واحدًا على إنستغرام — لكن بمشاعر متناقضة تمامًا: اليهود يعيشون الفرح، والفلسطينيون يعيشون الصدمة والرعب.
في وضع كهذا، أي موقف يمكن أن تعلنه؟ هذه المعضلة، يقول غرين، تكررت مرات كثيرة. “لدينا مبدأ واضح: لا نعرض موقفين منفصلين لشعبين. محاولة الحفاظ على هذا الجسر مهمة شديدة الصعوبة، لكنها بالضبط المعركة التي نصرّ على خوضها”.
ماذا فعلتم في النهاية؟
“في النهاية عبّرنا عن فرحتنا بتحرير الأسرى، لكننا ذكرنا أيضاً مقتل الأطفال. كثيرون لم يعجبهم أننا أشرنا إلى الضحايا الفلسطينيين؛ قالوا إن الجميع يحتفل الآن، فلماذا تفسدون الفرحة. في اليوم نفسه كان محبطاً جداً أن أقرأ مواقف معظم نواب اليسار الذين تجاهلوا الأمر تماماً. يائير غولان قال جملة واحدة فقط: إن الدولة الصالحة والطبيعية لا تجعل قتل الأطفال هواية. هوجم بسببها، ومنذ ذلك الحين التزم الصمت. برأيي هذا فشل في امتحان الإنسانية، كأن استطلاعات الرأي هي كل شيء. انظري إلى منشوري خلال اليومين الأخيرين عن الطفلين اللذين قتلهما الجيش. هناك نحو 1400 تعليق تقول: يا للخسارة أنهما طفلان فقط. المعارضة عاجزة حتى عن الوقوف في وجه هذا الخطاب، ولا أحد ينطق بكلمة، بما في ذلك النائب كريف. طفلان قُتلا، قيل إنهما كانا مع مطلوب فلسطيني، الجيش وصفهما بـ”مشتبهين” ولم يتراجع عن اتهامهم. هؤلاء النواب يرون أنفسهم معارضة وبديلاً، لكنهم غير قادرين على تقديم بديل حقيقي. اليمين يلعب في ملعب فارغ. لا يهمني حديث الحسابات الانتخابية، ففي النهاية هم مثل ضفادع في قدر يغلي”.
“لهذا حاولنا أيضاً اللقاء مع يائير غولان. أردنا أن نخلق قطباً سياسياً مقابلاً في الساحة الإسرائيلية، لأن البديل غير موجود. لكن قيل لنا إنه غير معني. أفهم أن كثيرين يرون فيه صفات إيجابية، من شخصية قوية وروح قتالية، لكنني أعتقد أنه في هذه المرحلة لا تكفي الشخصية ولا الأسلوب من دون مضمون. معاداة نتنياهو وحدها ليست جوهراً سياسياً كافياً. في خطابنا في المؤتمر قلنا إن الوضع يشبه قائمة الطعام في مطعم: عندما يدخل شخص إلى مطعم وينظر إلى القائمة، يختار من الخيارات المعروضة أمامه. إذا لم تكن الإنسانية، والسلام، والخروج من أنهار الدم خياراً مطروحاً، فلن يختاره الناس. هذا هو دورنا: أن نضع هذه الخيارات على القائمة”.
من مكتب يائير غولان جاء الرد: “لا نعرف عن طلب لقاء لم تتم الاستجابة له. بابنا مفتوح دائماً. إسرائيل تقف عند مفترق مصيري، ونحن جميعاً معاً في معركة إنقاذ الدولة. يائير غولان و”الديمقراطيون” سيواصلون قيادة هذا النضال، وسيبقون عموداً فقرياً قيمياً وأمنياً وأخلاقياً وديمقراطياً قوياً”.


يتابع غرين نحو ربع مليون شخص على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، حيث يحرص على الحضور الدائم والتواصل المباشر، متحدثا بالإنجليزية والعبرية، وموثقا لحظات الأمل كما يوثق مشاهد القسوة والانكسار. في عام 2024، اختير مع شريكته في الإدارة القطرية للحركة، رولا داود، ضمن قائمة أكثر مئة شخصية تأثيرا في العالم بحسب مجلة “تايم”. نُشرت مقابلات معه ومع داود مرارا في وسائل إعلام دولية، كما التقى بشخصيات سياسية بارزة، من بينها بيرني ساندرز. ووفق معايير هذا العصر، يمكن القول إن غرين بات مؤثرا سياسيا يحمل خطاب السلام والشراكة اليهودية العربية في فضاء يضيق بهما يوما بعد يوم.
حين يتجول غرين في شوارع إسرائيل أو نيويورك، كثيرا ما يتعرف عليه المارة. أحيانا يكون ذلك وديًا، وأحيانا يتحول إلى تجربة ثقيلة. تصبح الأمور مزعجة على وجه الخصوص عندما يكون الطرف المقابل ناشطا يمينيا مثل مردخاي دافيد. في أحد مقاطع الفيديو التي نشرها على تيك توك، التصق دافيد بغرين، كما يفعل عادة مع من يستهدفهم، وراح يصرخ متسائلا كيف لا يشعر بالخجل. وفي مقطع آخر، أكثر خطورة، نُشر في آب الماضي، دعا متابعيه إلى تزويده بعنوان منزل غرين، وكذلك بعنوان مكتبة شقيقه. “أول شيء سأفعله هو أن أحضر نشطاء، أدفع لهم المال، ونمنعه صباحا ومساء من الخروج من البيت، نغلق عليه الطريق ونحاصره في كل مكان”.
ويقول إن التهديدات بدأت منذ الأشهر الأولى للحرب، مع إعلان الحركة معارضتها لحرب انتقامية، ومطالبتها باتفاق يعيد المخطوفين، وتأكيدها وجود مدنيين أبرياء في غزة. “احتفظت بصور للرسائل. كانت هناك أيام تلقيت فيها نحو ألفي رسالة تهديد في اليوم”.
هل كانت التهديدات موجهة لك شخصيا؟
“لي وللحركة معا. في تشرين الثاني 2023 غادرنا مكاتبنا لمدة أسبوعين، بعدما نشر نشطاء يمين عنوان المكتب. توجهت إلى الشرطة 17 مرة، لكن بعد يوم أو يومين من تقديم الشكوى كنت أتلقى بلاغا بأن الملف أُغلق بحجة عدم القدرة على تحديد هوية المشتبهين، رغم أنني زودتهم بالأسماء وأرقام الهواتف. مع الوقت ساء الوضع أكثر. استعنا بشركة حراسة، وركبنا كاميرات. في الأشهر الأخيرة شُنت حملة تحريض شخصية ضدي. نشر عنوان منزلي وعنوان مكتبة شقيقي. وجدت نفسي أشرح لجيراني لماذا أحتاج إلى تركيب كاميرات. في الليالي التي كنت أعود فيها متأخرا بعد مظاهرات كبيرة، كنت أتوقف قبل المبنى وأنتظر لأتأكد إن كان هناك أحد. كنت أفكر أن من ينظمون اعتداءات على سائقي الحافلات العرب قد يفعلون الشيء نفسه معي”.
وهل حدث ذلك فعلا؟
“نعم، قبل أربعة أشهر. كنا نحو 70 ناشطا نتظاهر أمام مجمع الحكومة احتجاجا على التجويع والقتل في غزة، ومطالبين بإطلاق سراح المخطوفين. أثناء عودتنا إلى المكتب، اتصل بنا الموظفون الذين بقوا هناك وحذرونا من العودة، لأن نحو 15 ناشطا يمينيا حاولوا اقتحام المكاتب. كان هناك أيضا موظفون فلسطينيون. الجميع أمسكوا الأبواب بأيديهم وكانوا خائفين جدا. اتصلنا بالشرطة، لكنها وصلت بعد أكثر من ساعة. حدث أمر مشابه في مكتبنا في حيفا، حين اقتحم شي غليك المكان مع عدد من نشطاء اليمين وبمكبر صوت. أنا اخترت هذا المسار في حياتي، لكن أشخاصا مثل عيناف تسنغاوكر لم يختاروا ذلك، ومع ذلك لا تستطيع السير في الشارع من دون أن تتعرض لتعليقات قاسية، وأحيانا لتهديدات عنيفة”.
هكذا تبدو الأجواء اليوم.
“صحيح، وهي تبدأ من الأعلى، من أروقة الحكم التي تشجع على ذلك. أشخاص مثل مردخاي دافيد أو بعض المستوطنين يعرفون أنهم يستطيعون فعل ما يشاؤون من دون أن يُحاسَبوا. هذه صورة واضحة لكيف يكون الاحتلال خطرا ليس فقط على الفلسطينيين، بل على المجتمع الإسرائيلي نفسه. الحدود انهارت، والعنف أصبح جزءا من حياتنا، ودائما ما يأتي من الاتجاه نفسه”.
هل سبق أن استُدعيت لجلسة تحذير من الشاباك أو الشرطة؟
“أنا لا، لكن زملاءنا العرب نعم. كانت هناك محاولات لإلغاء فعالياتنا، والضغط على رؤساء بلديات كي لا يستضيفونا. خلال العامين الأخيرين قيل لنا ما المسموح وما الممنوع، حتى في مواقف انسانية مثل رفع صور أطفال غزة الذين قُتلوا. الشرطة أصدرت رسالة رسمية تمنعنا من رفع هذه الصور في التظاهرات. توجهنا إلى المحكمة، ولم نكتف بالفوز، بل استأجرنا لوحات إعلانية ووضعنا عليها تلك الصور”.
في هذا المناخ، من الطبيعي أن يخطر الشك بوجود مخبرين داخل الحركة. هل واجهتم شيئا من هذا القبيل؟
“نضحك دائما بأن شاي غليك (ناشط يميني متطرف) هو أول من يسجل في أي نشاط لنا. ما إن نفتح رابط تسجيل لحافلة أو فعالية، حتى يكون أول المسجلين بأسماء مستعارة مختلفة. أرقام هواتفه معروفة لدينا. كانت هناك تحقيقات في قناة 14 استندت إلى تسجيلات من مجموعات واتساب داخلية لنا، ودائما يراودك السؤال: من سرّب؟ لكن إذا بدأنا نشك في نشطائنا، نكون قد منحناهم ما يريدون. على أي حال، ليس لدينا ما نخفيه، لذلك لا يشغلنا الأمر كثيرا”. في ردها، قالت الشرطة الإسرائيلية إن ثلاث شكاوى فقط قُدمت في 2023 و2024 بشبهة تهديدات، وإنها حُققت مهنيا ولم تتوفر أدلة كافية لتحديد مشتبهين، ولذلك أُغلقت الملفات وفقا للقانون.
كيف تتعامل عائلتك مع نشاطك؟
“أمي وأخي لا يتفقان مع كل ما أفعله أو أقوله. كان الأمر كذلك قبل السابع من أكتوبر، وبالطبع بعده. لكنهما يتقبلانني كما أنا. أخي يجادلني سياسيا، وأحيانا يقول لي: أنت اخترت أن تعيش في صراع، ومن يشد ظهره أكثر من اللازم قد ينكسر في النهاية. أفكر في كلامه احيانًا”.
هل تعتقد أنك قاسٍ؟
“أظن أن في داخلي شيئا لا يعرف التنازل، ولا حتى عن هذه البلاد. أنا وطني، رغم أن اليسار أحيانا يحاول تصويرنا كغير وطنيين. نحن نرى أن وطنيتنا هي الحقيقية، لأن طريقنا هي التي يمكن أن تجلب الأمان، لا العكس. في السابع من أكتوبر، وفي الأسابيع التي تلته، شعرت بانتماء قوي جدا لهذا المكان، وبصلة عميقة مع الناس والمجتمع من حولي”.
لم تشعر بهذا الارتباط من قبل؟
“بالتأكيد شعرت به، لكن في مواجهة الانتقاد والهجوم الأول من اليسار العالمي على اليسار الإسرائيلي، وتبريرهم لمجزرة السابع من أكتوبر، شعرت أن لا مكان آخر لي أعيش فيه. أحسست بحاجة قوية إلى الدفاع عنا، عن مجتمعنا، وطبعاً النضال من أجل المختطفين. شعرت أن الأمر معركة على حياتنا جميعا، حياة الإسرائيليين والفلسطينيين معا. علاقتي بالناس وبهذه البلاد تعمقت أكثر. أدركت أن هذا المكان غارق في الدم، ليس فقط دم التاريخ، بل دمنا نحن الآن، دم أصدقائي، دم المجتمع الذي أنتمي إليه”.
لماذا تعتقد أنك أصبحت ما انت عليه؟
“نشأت في مركز تل أبيب مع أخ توأم وأم عزباء أصرت دائما على العيش قريبة من جدتي. وضعنا الاقتصادي لم يكن سهلا، وترافق ذلك مع تجارب قاسية في طفولتي. أتذكر مرة قالت لي المعلمة أمام الصف كله إنه إذا لم تدفع أمي ثمن الرحلة المدرسية حتى الغد فلن يُسمح لي بالصعود إلى الحافلة. كانت سكرتيرة المدرسة تنادينا أنا وأخي عبر مكبر الصوت، فنقف أمامها لتوبخنا لأن أمي لم تدفع. كان ذلك مهينا ومحرجا جدا. والمفارقة أن المدرسة كانت تحمل اسم أ. د. غوردون، وتُقدَّم كمدرسة لأبناء العمال وبروح اشتراكية.
“في تلك الفترة أدركت أيضا أنني مثلي الميول الجنسية، وكان ذلك سري. كل هذا زرع في داخلي شعورا عميقا بالظلم وانعدام العدالة”. هذه المشاعر، كما يقول غرين، لم تختف لاحقا. في سن السابعة عشرة اكتشف أن مكان عمله، أحد فروع سلسلة “كوفي بين”، ينتهك القانون، يستغل العمال ولا يدفع لهم حقوقهم. ما بدأ كصراع صغير تحول إلى محطة فارقة في حياته: بفضل النضال الذي قاده، وُقّع أول اتفاق جماعي للعُمال الشباب في قطاع المقاهي والمطاعم. يقول: “أحد أكثر الأمور أهمية في هذا النضال كان تركيبة لجنة العمال نفسها. كنا خمسة ممثلين عن 300 عامل. من بيننا كان نزير، مواطن فلسطيني من جلجولية. كان ذلك قبل سنوات من انتشار طالبي اللجوء في هذا القطاع، ومعظم العمال كانوا يهودا، ومع ذلك دعموا جميعا أن يكون نزير أحد قادتهم. الأمر أدهشني. هناك أدركت القوة الهائلة التي يمكن أن يولدها التنظيم المشترك من أجل هدف واحد”.
عندما كان غرين في التاسعة عشرة من عمره، دعاه النائب السابق عن الجبهة دوف حنين للعمل معه في حملة الانتخابات لرئاسة بلدية تل أبيب. ومن هناك واصل العمل إلى جانبه في الكنيست، حيث شغل منصب مستشاره البرلماني بين عامي 2009 و2014. خلال تلك السنوات ركز نشاطه على القضايا الديمقراطية، وحقوق العمال، والوضع الإقتصادي وحقوق مجتمع الميم. قاد مظاهرات وبنى ائتلافات من منظمات مختلفة ضد مبادرات تشريعية استهدفت القضاء، وحقوق المواطنين العرب، ومنظمات حقوق الإنسان. كما بادر إلى تأسيس لجنة مساعدي النواب، التي أفضت إلى توقيع أول اتفاق جماعي حسّن شروط عملهم. وفي صيف 2011 كان أيضا من أبرز قادة الحراك الاجتماعي في إسرائيل.

“للحظة بدا وكأن الغيوم انقشعت عن إسرائيل، وكأن شعاع شمس أضاءنا كمجتمع”، يتذكر، “لكن الصيف انتهى، والخيام أُزيلت، ونحن انشغلنا أكثر مما يجب بالإعلام وبفكرة التأثير. لم نفهم آنذاك أن إخراج الناس إلى الشارع وحده لا يكفي”.
هل أخفتم السياسيين؟ نتنياهو مثلا؟
“نعم. أُرسل إلينا كثيرون: أعضاء كنيست، وأشخاص محسوبون على نتنياهو. حتى صحافيون كانوا في الواقع موفدين عنه. لاحقا عرفنا كل ذلك من شهادة نير حيفتس. كانت هناك مؤشرات كثيرة جعلتنا نشعر أننا نقف عند مفترق طرق حقيقي”.
اية مؤشرات؟
“طُلب منا أن نأتي إلى مقهى في شارع شينكين في تل ابيب عند الواحدة بعد منتصف الليل للقاء شخصية رفيعة من حزب شاس (حزب ديني شرقي). جئنا لنكتشف أنه أرييه درعي. في ذلك الوقت لم يكن قد عاد بعد إلى الحياة السياسية، وكانت شاس بقيادة إيلي يشاي. درعي اعتقد أن الحزب يجب أن ينسحب من الحكومة، وأن لديه فرصة لبناء خطاب اجتماعي، وربما تحقيق ذلك عبر الاحتجاج أو بدعمه. في ذلك اللقاء تحدث معنا عن ضرورة الضغط على إيلي يشاي للانسحاب من الحكومة، مقابل أن يساعدنا في تحقيق مطالبنا. حتى إيهود باراك، الذي كان وزير الدفاع حينها، دعانا إلى مكتبه وسألنا: ماذا يجب أن يحدث؟ كيف نرى الأمور؟ عندها فهمنا أن هذه الشخصيات تتعامل معنا كقوة سياسية حقيقية”.
يتوقف لحظة ثم يضيف: “اليوم أشعر بالندم. أشعر أننا أضعنا فرصة كبيرة للإطاحة بنتنياهو، وربما لإنقاذ المجتمع الإسرائيلي لعشر سنوات قادمة. ليس صحيحا أن الاحتجاج فشل بالكامل: تم تمرير قانون رفع الحد الأدنى للأجور، وقانون التعليم المجاني من سن الثالثة. لكننا اخترنا ألا نتحدث عن قضايا معينة، وكان ذلك خطأ”.
أي قضايا على سبيل المثال؟
“مثل أن نقول بوضوح إن إسقاط نتنياهو ضرورة، وأن نتحدث عن الاحتلال. كان الحراك اجتماعيا واقتصاديا، لكنه لم يتطرق إلى الثمن الذي تفرضه المستوطنات والاحتلال. كنا، إلى حد ما، شبيهين بما تمثله اليوم كتلة “الديمقراطيين” أو يائير لابيد (المركز الصهيوني الليبرالي). لكنني أعتقد أن الهزيمة في ذلك الصيف هي التي أنتجت الدروس والاستخلاصات التي ساعدتنا لاحقا على بناء حركة ‘نقف معا’.
بمعنى أنك تستطيع المغادرة في أي لحظة.
“سؤال الهجرة إلى الخارج يخيّم فوق كل إنسان في عمري، فوق كل زوجين شابين، وكل من يفكر بتأسيس عائلة. هذا ليس وليد السنتين الأخيرتين فقط. كل شيء هنا صعب، حتى ما يفترض أن يكون بسيطًا. حتى الهواء هنا أثقل. ومع ذلك، لا أستطيع أن أضع نفسي في موقع من يرحل. لا أقدر حتى على فتح هذا النقاش. شيء ما في داخلي يرفض الفكرة فورًا، وشيء آخر يقول: أنا هنا، وإذا سقط هذا المكان، سأسقط معه. في السابق كان العذر هو جدتي، التي عشت طوال حياتي بالقرب منها. هي لم تعد هنا، لكن ما زال هنا كثيرون لا يملكون خيار الرحيل. وهناك ظلم جوهري في أن أغادر بينما غيري لا يستطيع”.
وماذا تقترح بدل الهجرة؟
“شيئًا مختلفًا كليًا. بداية من الصفر. بداية جديدة. إسرائيل أخرى، لا تشبه ما كانت، ولا تتجاهل البشر الآخرين الذين يعيشون هنا. خلال الحقبة العثمانية عاش اليهود والعرب هنا معًا بسلام. الحروب لم تبدأ إلا في المئة عام الأخيرة تقريبًا. إمكانية الجيرة موجودة، ونحن نراها يوميًا في العمارات التي يسكنها يهود وعرب معًا”.
ماذا عن التديّن المتطرف وتصاعده داخل الدولة؟
“الجواب هو تقديم بديل. الحريديم يشعرون بالاغتراب عن اليسار، وفي المركز السياسي يسارعون إلى التخلي عنهم، تمامًا كما يفعلون مع الجمهور العربي — يُعاملون كأعداء لا كشركاء محتملين للتغيير. لا يمكنك أن تتوقع من جماعات مهمّشة أن تنخرط في رؤية مختلفة إذا لم تخاطبها بلغة مفهومة وذات صلة بحياتها. سياسات التجنيد والهجوم المستمر على الحريديم لا تخلق إلا عداءً إضافيًا. بدل التركيز على نقص الجنود، علينا أن نتخيل واقعًا فيه حروب أقل”.
لكن واقعنا الآن هو الحروب، والناس يُقتلون فيها.
“علينا بناء إطار مساهمة شامل للجميع، يُنتج أغلبية اجتماعية يهودية–عربية–حريدية تستفيد من تكافؤ الفرص. الحريديم أنفسهم يعيشون في الفقر، في تعليم متدنٍ، وفي غياب فرص عمل لائقة، وهم قادرون على جني ثمار تغيير اجتماعي عميق”. قبل أيام قليلة من المؤتمر في حيفا، عاد غرين من جولة عمل في الولايات المتحدة. إلى جانب سالي عبد، إحدى قيادات الحركة، ظهر على مدى عشرة أيام أمام نحو ثلاثة آلاف شخص — يهود، فلسطينيين، إسرائيليين، وكل من أراد الاستماع. في كُنس يهودية، وكنائس مسيحية، وأحرم جامعية، تحدثا عن الحركة، وعن إمكانية العيش المشترك، وعن التطلع إلى السلام من أجل حياة أفضل للجميع. تحدثا عن الصعوبات، والتعقيدات، والكراهية، والخوف الذي يغلي ويبقبق في هذا المكان النازف بالدم.


“في الجولتين السابقتين بعد السابع من أكتوبر، واجهنا تظاهرات ضدنا في الجامعات الأمريكية”، يروي غرين. “في إحدى المرات تظاهر ضدنا مؤيدون للفلسطينيين ومؤيدون لإسرائيل في آن واحد، وكلتا المجموعتين طالبت بمقاطعتنا. تخيّلي المشهد: سالي عبد، التي تعرّف نفسها كفلسطينية مواطنة في إسرائيل، ونشأت على روايات النكبة التي سمعتها من جدتها، تقف في مواجهة جين أو جنيفر أو مارك — أمريكيين بيض يلتفون بالكوفية — يصرخون في وجهها ويتهمونها بتطبيع إسرائيل. أما أنا، فيصرخون عليّ أن أعود إلى بولندا، رغم أن أصول عائلتي من تركيا وبلغاريا”.
من الذي يدعوكم إلى هذه اللقاءات؟
“هناك نحو 25 مدينة في أوروبا والولايات المتحدة توجد فيها مجموعات تُدعى Friends of Standing Together — يهود، فلسطينيون، إسرائيليون سابقون، يدعموننا. كثيرون انضموا خلال الحرب لأنهم كانوا يبحثون عن مساحة أمل، ووجدوا فينا خيارًا عقلانيًا. كذلك تنظم ‘الصندوق الجديد’ لقاءات لنا. التقينا مع 12 عضوًا في مجلس الشيوخ والكونغرس، وحصلنا منهم على نبض أولي حول نظرتهم إلينا وإلى المجتمع الذي نمثله”.
لا بد أن الانطباع لم يكن مشجعًا.
“كان هناك قدر كبير من سوء الفهم. سألونا كثيرًا عن استطلاعات الرأي، وخصوصًا الاستطلاع الذي ادعى أن 80% من الإسرائيليين يؤيدون تجويع الفلسطينيين أو تهجيرهم. سألونا إن كانت هناك أي بارقة أمل، وإن كان من الممكن أصلًا العمل مع مجتمع ينتج معطيات كهذه. هذا الاستطلاع ألحق ضررًا هائلًا، الجميع اقتبسه، وشعرنا أننا مضطرون للدفاع عن المجتمع الإسرائيلي برمّته”.
وكيف فعلتم ذلك؟
“بشتى الطرق. شرحنا أن المجتمع الإسرائيلي، في فترات طويلة، خضع لسياسيين حاولوا تجريده من إنسانيته. وأن الإعلام والمعارضة أيضًا دفعا به نحو موقع بلا رحمة. من الخارج، يبدو المجتمع الإسرائيلي كتلة واحدة، موقف واحد، كراهية واحدة. يسمعون يائير غولان يعارض الدولة الفلسطينية، ويائير لابيد يؤيد الضم، فيسألون: هل توجد مساحات أخرى؟ وقلنا لهم: نعم، نحن هنا. عدنا بشعور أن المعركة القادمة صعبة، لكننا مستعدون لها. هناك إصغاء، وهناك رغبة لدى قطاعات واسعة في رؤية شيء مختلف. فكري بسالي — فلسطينية تقول هناك للجميع إنه رغم كل الإحباط الذي تشعر به تجاه المجتمع الإسرائيلي، لا يجوز اليأس منه، بل يجب الإصرار على تحويله إلى شريك في النضال”.
المصدر: هآرتس العربي

