المسار : إفراغ ممنهج للشرعية الدولية
حذّر الكاتب والمحلل السياسي ومدير مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية “شمس” الدكتور عمر رحال من خطورة ما يُسمى بـ”مجلس السلام”، معتبراً أنه ليس مبادرة جديدة، بل امتداد لمحاولات أمريكية – إسرائيلية قديمة لتفريغ قرارات الشرعية الدولية من مضمونها والالتفاف عليها.
وقال رحال، خلال برنامج شد حيلك يا وطن عبر شبكة وطن الإعلامية، إن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال عملتا تاريخياً على تعطيل المرجعيات الدولية للصراع العربي الإسرائيلي، بدءاً من اتفاق أوسلو، مروراً باستخدام الفيتو في مجلس الأمن، وصولاً إلى الضغط على المحكمة الجنائية الدولية واستهداف المؤسسات الأممية الداعمة للحقوق الفلسطينية.
قرارات دولية يتم الالتفاف عليها لا إلغاؤها
وأوضح رحال أن المشروع لا يستهدف فقط الالتفاف على الشرعية الدولية، بل يسعى عملياً إلى إنهائها كمرجعية، عبر خلق أطر موازية تُدار وفق الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، بعيداً عن التعددية التي قامت عليها الأمم المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وأكد أن هذه المحاولات، مهما بلغت، لن تنهي الصراع، قائلاً:
“لن تجد فلسطينياً واحداً يمكن أن يوقّع على إنهاء الصراع، لأنه صراع مفتوح مرتبط بالحق التاريخي والقانوني والوجودي للشعب الفلسطيني على أرضه.”
رفض أوروبي… موقف ظرفي لا تحوّل استراتيجي
وحول الرفض الأوروبي للمشروع من قبل دول مثل فرنسا وبريطانيا والسويد وإيطاليا، رأى رحال أن هذا الموقف لا يعكس تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأوروبية، بل هو موقف ظرفي مرتبط بصيغة المشروع الحالية وليس بمبدأ الدفاع عن تعددية النظام الدولي.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي، رغم ثقله الاقتصادي، لم يمارس دوراً سياسياً مستقلاً ووازناً على الساحة الدولية، وظلت سياسته الخارجية في الغالب ملحقة بالسياسة الأمريكية، بسبب الانقسامات الداخلية وغياب سياسة خارجية موحدة.
وأضاف أن الدول الأوروبية المؤثرة، لا سيما ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، ستبقى أقرب في سياساتها الخارجية إلى الولايات المتحدة، رغم ما يظهر أحياناً من تمايزات أو مناكفات سياسية.
هل يشكّل المجلس بديلاً عن الأمم المتحدة؟
وأكد رحال أن أي “مجلس سلام” لا يمكن أن يشكّل بديلاً عن الأمم المتحدة، مشدداً على أن المنظمة الدولية نشأت ضمن توازنات دولية واسعة تضم 193 دولة، ولا يمكن تجاوزها أو استبدالها بهيئة موازية.
وقال:
“ما تريده الولايات المتحدة ليس إلغاء الأمم المتحدة، بل استخدامها بالطريقة التي تراها مناسبة، بما يخدم سياساتها، خصوصاً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.”
استهداف الأونروا والمؤسسات الأممية
وفيما يخص وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، شدد رحال على أنها مؤسسة أُنشئت بقرار دولي ولا يمكن لأي دولة، بما فيها الولايات المتحدة، شطبها أو إنهاء دورها بشكل قانوني.
غير أنه حذر من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في القرارات القانونية، بل في الميدان وعلى الأرض، حيث تمنع دولة الاحتلال عمل المؤسسات الدولية والأممية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتقيّد دخول موظفي الأمم المتحدة، وتمنع لجان التحقيق وتقصي الحقائق من أداء مهامها.
انعكاسات خطيرة على غزة واللاجئين
وأشار رحال إلى أن هذه السياسات تنعكس بشكل مباشر على واقع اللاجئين الفلسطينيين، خصوصاً في قطاع غزة، من خلال تقويض الخدمات الإنسانية الأساسية في مجالات الإغاثة والتعليم والصحة، ما يفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد من معاناة السكان.
وأضاف أن منع عمل المؤسسات الدولية يمثل تهديداً مباشراً للقانون الدولي الإنساني، ويضع النظام الدولي أمام اختبار حقيقي في قدرته على حماية مبادئه الأساسية.
واختتم رحال حديثه بالتأكيد على أن ما يُروّج له كمشروع سلام ليس سوى محاولة لإعادة صياغة الشرعية الدولية بما يخدم مصالح سياسية ضيقة، محذراً من أن هذه السياسات ستقود إلى مزيد من عدم الاستقرار، وتحمّل الولايات المتحدة ودولة الاحتلال مسؤولية ما ستؤول إليه الأوضاع في المنطقة.
وقال: “القضية ليست في تغيير شكل المؤسسات، بل في احترام قراراتها وتنفيذها، وهو ما ترفضه إسرائيل وتغطيه الولايات المتحدة منذ عقود”.

