المسار : بين ضغوط الاقتصاد العالمي وتقلبات أسواق الطاقة، تواصل موريتانيا السير على حبل دقيق بين الحفاظ على الاستقرار المالي والبحث المضني عن تمويل متطلبات التنمية.
وفي لحظة تتزايد فيها التحديات الإقليمية والمناخية، جاء قرار صندوق النقد الدولي بصرف دفعة تمويل جديدة ليحمل أكثر من مجرد أرقام؛ إذ يعكس تقييماً لمسار الإصلاحات، ورهاناً على قدرة الاقتصاد الموريتاني على الصمود والتكيّف، رغم تباطؤ النمو المرتقب وتراجع أداء القطاع الاستخراجي.
فقد صادق مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، الخميس، على استكمال المراجعة الخامسة لبرامج موريتانيا ضمن تسهيل الائتمان الممدد وتسهيل التمويل الممدد، إلى جانب المراجعة الرابعة في إطار تسهيل الصمود والاستدامة.
ويترتب على هذا القرار صرف فوري لمبلغ 65.88 مليون وحدة حقوق سحب خاصة، أي ما يعادل نحو 91 مليون دولار أمريكي.
ويشمل هذا التمويل 6.44 ملايين وحدة (حوالي 9 ملايين دولار) في إطار برنامجي الائتمان والتمويل الممددين، إضافة إلى 59.44 مليون وحدة (نحو 82 مليون دولار) مخصصة لتسهيل الصمود والاستمرارية.
وبذلك يرتفع إجمالي ما حصلت عليه موريتانيا من تمويلات الصندوق إلى 191.8 مليون وحدة حقوق سحب خاصة، أي قرابة 258 مليون دولار.
وبعد تحقيق نمو قوي بلغ 6.3% في عام 2024، يُتوقع أن يتباطأ الاقتصاد الموريتاني، وفقا لصندوق النقد الدولي خلال 2025 إلى نحو 4.2%، نتيجة انكماش مرتقب في القطاع الاستخراجي؛ ورغم ذلك، يواصل النشاط في القطاعات غير الاستخراجية تسجيل أداء إيجابي.
وفي ظل تصاعد حالة التشكك في الاقتصاد العالمي وتدهور المخاطر الأمنية إقليميًا، يرى الصندوق أن الآفاق المتوسطة الأجل لا تزال مواتية، بالنسبة لموريتانيا، مدعومة باستثمارات عمومية في البنية التحتية، وديناميكية الاستثمار الخاص، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى تنويع القاعدة الاقتصادية بعيدًا عن الصناعات الاستخراجية.
واعتبر الصندوق أن تنفيذ البرامج يسير بوجه عام على المسار الصحيح، إذ تم الالتزام بجميع المعايير الكمية المحددة لنهاية يونيو 2025، وكذا بالأهداف الإرشادية لنهاية سبتمبر من العام نفسه. ومن أصل تسعة معالم هيكلية مبرمجة حتى نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025 ضمن برنامجي الائتمان والتمويل الممددين، تم إنجاز سبعة، فيما نُفذ واحد مع تأخير.
كما أحرزت الإصلاحات المرتبطة بتسهيل الصمود تقدمًا ملحوظًا رغم وتيرتها الأبطأ نسبيًا، حيث جرى تنفيذ أربع من أصل خمسة إجراءات إصلاحية خضعت للتقييم خلال هذه المراجعة.
وأشاد الصندوق بالإدارة الحذرة للمالية العامة في موريتانيا، لا سيما اعتماد مرتكز مالي يهدف إلى تحصين الإنفاق العمومي من تقلبات أسعار السلع الأولية، وضمان استقرار الدين العمومي على المدى المتوسط.
ودعا الصندوق حكومة نواكشوط إلى مواصلة هذا النهج، مقرونًا بإصلاحات في السياسة الجبائية وإدارة الضرائب، بما يوسع الحيز المالي للاستثمارات العمومية ذات الأولوية.
وفي الجانب النقدي، نوّه الصندوق بتحديث إطار السياسة النقدية للبنك المركزي الموريتاني، وتحسين إدارة السيولة، واعتماد أدوات أكثر فاعلية، كما اعتبر تعزيز سوق الصرف والانتقال التدريجي نحو نظام صرف أكثر مرونة عاملين حاسمين لرفع القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية، إلى جانب التطبيق الصارم للقواعد الاحترازية لتعزيز متانة القطاع المصرفي.
وبخصوص الحوكمة والمناخ وتحسين بيئة الأعمال، أكد الصندوق على ضرورة تسريع إصلاحات الحوكمة، خاصة عبر التطبيق الفعلي لقوانين التصريح بالممتلكات والمصالح، وإصلاح الشركات العمومية، وتنظيم المنطقة الحرة بنواذيبو؛ كما شدد على أهمية التشغيل السريع لهيئة مكافحة الفساد باعتبارها رافعة أساسية لتعزيز الشفافية وتحسين مناخ الأعمال.
وفي الشق المناخي، دعا الصندوق إلى تسريع إصلاحات التكيف والتخفيف، ولا سيما إقرار آلية تلقائية لتسعير المحروقات، مصحوبة بإجراءات تعويضية موجهة لحماية الأسر الهشة، بما يعزز الصمود المناخي ويوفر هوامش مالية لتلبية الاحتياجات التنموية.
وخلص الصندوق إلى أن الالتزام الصارم ببرنامجي الائتمان والتمويل الممددين، إلى جانب تسريع تنفيذ الإصلاحات المناخية المدعومة بتسهيل الصمود والاستدامة، سيكون حاسمًا لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية على المديين المتوسط والطويل؛ مؤكدا «أن هذه البرامج في ترسيخ أطر السياسات الكلية، ودعم نمو مستدام وشامل، وتعزيز جهود الحد من الفقر».
وباعتماد هذه المراجعات والإفراج عن تمويلات جديدة، يجدد صندوق النقد الدولي دعمه لمسار الإصلاحات الذي تنتهجه موريتانيا، في سياق دولي يتسم بتزايد التقلبات وتخييم التشكك وعدم اليقين.
وبينما يجدد صندوق النقد الدولي ثقته في التوجهات الاقتصادية للسلطات الموريتانية، يبقى التحدي الحقيقي رهين تحويل هذا الدعم المالي إلى نمو ملموس ينعكس على حياة المواطنين، ويعزز تنويع الاقتصاد، ويحصن البلاد من الصدمات الخارجية.
فنجاح البرامج لا يقاس فقط بالالتزام بالمعايير، بل بقدرتها على إرساء تنمية دائمة، وعدالة اجتماعية، واقتصاد أكثر قدرة على الصمود في عالم شديد التقلب.
صندوق النقد الدولي يفرج عن تمويل جديد لموريتانيا ويشيد بإصلاحاتها ويتحدث عن آفاق اقتصادية إيجابية

