المسار – غزة: يشهد قطاع غزة انهيارًا متسارعًا في منظومة المياه والصرف الصحي نتيجة الاستهداف الواسع للبنية التحتية الحيوية، على مدار عامين من حرب الإبادة، الأمر الذي دفع آلاف المواطنين إلى اللجوء لحلول اضطرارية وخطرة، أبرزها حفر الآبار والحُفر الامتصاصية البدائية.
ولفظ العديد من المواطنين، بينهم أطفال، أنفاسهم الأخيرة في أعماق الأرض بعد سقوطهم في حفر عميقة تم حفرها لاستخراج المياه في القطاع، حتى باتت هذه الحفر كابوسًا للأهالي، رغم أنها حلّ اضطراري في ظل انهيار البنية التحتية للقطاع.
في حي الشيخ رضوان شمال غرب مدينة غزة، بالقرب من مضخة المياه المتوقفة نتيجة الحرب على القطاع، شهدت المنطقة حادثًا مأساويًا أثناء أعمال حفر بئر في محاولة لتوفير المياه العذبة للمواطنين.
إقرأ أيضاً
خلل فني يفاقم أزمة المياه في مدينة غزة
خلال أعمال الحفر، سقط الشاب حمزة عاشور (25 عامًا) داخل الحفرة العميقة، ورُدمت الحفرة فوقه، وكأن الأرض ابتلعته.
مرّت الدقائق بطيئة على قلوب الجميع هناك، بمن فيهم والد “حمزة” الذي كان يترقب خروج ابنه مع كل كومة تراب تُرفع من فوقه.
لكن، وخلال محاولات إنقاذه بأدوات وآليات بدائية، خرج رأس “حمزة” مع أنابيب إحدى الجرافات، ثم بقية جسده، وسط حضور والده وجموع من المواطنين، في مشهد قاس من مشاهد الإبادة بكل بشاعتها.
عقب ذلك، أعلنت طواقم الدفاع المدني انتشال الجثمان من داخل الحفرة بالقرب من مدرسة حمامة في الشيخ رضوان، في حادث يسلط الضوء على المخاطر الكبيرة المرتبطة بالحلول الاضطرارية لتوفير المياه في القطاع.
وفي ظل تدمير محطات المعالجة وتعطل شبكات تمتد لمئات الكيلومترات، تتصاعد المخاوف من تداعيات إنسانية وصحية قد تهدد حياة السكان وتفاقم الأزمة البيئية في واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، ما يستدعي تحركًا عاجلًا لإنقاذ ما تبقى من الخدمات الأساسية.
تسجيل ضحايا
مدير العلاقات العامة والإعلام في جهاز الدفاع المدني، محمد الميدنة، يقول إن الشهرين الأخيرين شهدا وقوع عدد من الوفيات والإصابات في صفوف شبان أثناء محاولتهم حفر آبار مياه أو حفر امتصاصية للصرف الصحي بوسائل بدائية ودون توفر شروط السلامة المهنية، الأمر الذي أدى إلى حوادث مأساوية أودت بحياة عدد منهم.
ويوضح أن طواقم الدفاع المدني تعاملت مع عدة بلاغات خلال الفترة الماضية تتعلق بانهيارات ترابية واختناقات داخل الحفر الضيقة، مبينًا أن غياب التهوية الكافية وعمق الحفر وعدم تدعيم الجوانب بشكل هندسي سليم كانت من أبرز أسباب وقوع الضحايا.
ويشير إلى أن بعض الحوادث نتجت عن تراكم الغازات السامة داخل الحفر الامتصاصية، ما أدى إلى فقدان الوعي السريع لمن نزلوا إلى داخلها، مؤكدًا أن عمليات الإنقاذ في مثل هذه الظروف تكون معقدة وخطرة وتحتاج إلى تجهيزات متخصصة قد لا تكون متوفرة في الموقع لحظة وقوع الحادث.
ويدعو المواطنين إلى عدم المجازفة بحفر الآبار أو الحفر الامتصاصية بشكل فردي، وضرورة الاستعانة بجهات مختصة ومقاولين مرخصين يلتزمون بإجراءات السلامة العامة، حفاظًا على الأرواح ومنع تكرار هذه الحوادث المؤلمة.
ويشدد على أهمية توعية المجتمع بمخاطر النزول إلى الأماكن المغلقة أو العميقة دون توفر معدات الوقاية الشخصية وأجهزة قياس الغازات، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الضحايا سقطوا أثناء محاولتهم إنقاذ آخرين بشكل عفوي، ما ضاعف عدد الإصابات.
ويؤكد أن جهاز الدفاع المدني مستمر في تنفيذ حملات توعوية وإرشادية في مختلف المناطق، بالتعاون مع البلديات والمؤسسات المحلية، لرفع مستوى الوعي بإجراءات السلامة المرتبطة بأعمال الحفر والصرف الصحي والإنشاءات المنزلية.
ويكمل: “حماية الأرواح مسؤولية جماعية تتطلب التزام المواطنين بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة”، داعيًا الجميع إلى التواصل الفوري مع طواقم الدفاع المدني عند الحاجة وتجنب أي أعمال خطرة قد تتحول في لحظات إلى فاجعة إنسانية.
خيارات اضطرارية
من جهته يقول المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، إن لجوء المواطنين إلى حفر الآبار والحفر الامتصاصية بات خيارًا اضطراريًا فرضته الظروف الكارثية التي خلّفها تدمير الاحتلال الواسع للبنية التحتية لقطاعي المياه والصرف الصحي في غزة.
ويتعرض القطاع لسلسلة ضغوط غير مسبوقة نتيجة الاستهداف المباشر لمرافق الخدمات الأساسية، وفق مهنا، مشيرًا إلى تدمير مضخات المعالجة في 8 محطات رئيسية للصرف الصحي، دُمّر 6 منها بشكل كامل، ما أدى إلى تعطّل القدرة التشغيلية للنظام الصحي والبيئي في مناطق واسعة.
ويضيف: “شبكات المياه والصرف الصحي تعرّضت كذلك لتدمير واسع امتد لمسافة تُقدَّر بنحو 212 كيلومترًا من الخطوط الرئيسية والفرعية، الأمر الذي تسبب في انهيار منظومة التصريف وازدياد خطر التلوث البيئي وانتشار المياه العادمة بين الأحياء السكنية”.
ويبيّن أن غياب البدائل الفنية العاجلة دفع المواطنين إلى حلول فردية غير آمنة، مثل حفر آبار مؤقتة أو حفر امتصاصية بدائية، ما يرفع احتمالات وقوع حوادث انهيار أو اختناق أو تلوث للمياه الجوفية، إلى جانب المخاطر الصحية الناتجة عن تسرب مياه الصرف.
ويشير إلى أن استمرار هذا الواقع قد ينجم عنه سقوط ضحايا وخسائر بشرية إضافية، فضلًا عن تفاقم الأوضاع البيئية والصحية في المدينة، محذرًا من تداعيات طويلة الأمد على سلامة السكان، خصوصًا في المناطق المكتظة التي تفتقر لأبسط مقومات البنية التحتية.
ويدعو مهنا المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية إلى التدخل العاجل لإعادة تأهيل مرافق المياه والصرف الصحي، وتوفير المعدات والمواد اللازمة لإصلاح الشبكات المتضررة، بما يضمن الحد الأدنى من الخدمات الإنسانية الأساسية لسكان قطاع غزة.
ويختم بالتأكيد على أن بلدية غزة تواصل العمل بإمكاناتها المحدودة لتخفيف آثار الكارثة، لكنها تحتاج إلى دعم فوري وشامل لوقف التدهور المتسارع في القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين اليومية بشكل مباشر.
ووفق إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن الاحتلال دمّر غالبية البنية التحتية في القطاع خلال الحرب التي استمرت 16 شهرًا، من بينها 655 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي، وأكثر من 2 مليون متر طولي من شبكات الطرق.
وفي تصريح سابق للمقرر الأممي الخاص بالحق في مياه الشرب والصرف الصحي، قال إن جيش الاحتلال الإسرائيلي دمّر نحو 90% من محطات المياه في قطاع غزة منذ بدء العدوان، محذرًا من كارثة إنسانية متصاعدة تهدد حياة السكان.
وأوضح المقرر الأممي أن التعطيش جرى استخدامه كسلاح ضد أهالي القطاع، عبر استهداف البنية التحتية للمياه ومنع دخول الوقود اللازم لتشغيل الآبار ومحطات التحلية.
وأضاف أن تلوث مياه الشرب في القطاع بات يشكّل خطرًا مباشرًا على آلاف العائلات، مع تزايد احتمالات تفشي الكوليرا وأمراض خطيرة أخرى نتيجة غياب المياه الصالحة للاستخدام
آبار غزة.. بدائل الموت الخطيرة عن البنية التحتية المدمرة

