بقلم: إسماعيل الريماوي/بينما ينشغل الإقليم بالحرب: الضفة تُخنق وغزة تُترك لمصيرها

المسار :بينما تتجه أنظار العالم إلى المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران، تتحول الجغرافيا الفلسطينية مجدداً إلى ساحة اختبار جانبية يدفع الفلسطينيون فيها ثمن حرب لم يكونوا طرفاً مباشراً فيها لكنها تُخاض على حسابهم وباسم أمن الاحتلال. وبالتزامن مع بدء الهجوم الواسع على إيران، سارعت حكومة الاحتلال إلى فرض إغلاق شامل على الضفة الغربية عبر تعطيل معظم الحواجز مع الداخل المحتل، وإقامة طوق أمني خانق حول المدن والقرى، في خطوة تعكس العقيدة الإسرائيلية الراسخة القائمة على إدارة الأزمات الإقليمية من خلال تشديد السيطرة على الفلسطينيين وحرمانهم من أي هامش حركة أو استقرار.

لم يكن الإغلاق إجراءً أمنياً مؤقتاً بقدر ما كان رسالة سياسية واضحة مفادها أن أي تصعيد خارجي هو فرصة لإعادة فرض القبضة الحديدية داخلياً، إذ لم تكتفِ بعزل الضفة جغرافياً بل ذهبت أبعد من ذلك حين أغلقت المسجد الأقصى في القدس وأخلت المصلين منه، في سابقة تعكس حجم التوظيف السياسي للحرب واستثمارها لضرب الرموز الدينية أيضاً، كما أغلقت المسجد الإبراهيمي في الخليل في سياق يؤكد أن المسألة لا تتعلق بإجراءات أمنية عابرة بل بمحاولة فرض وقائع جديدة تحت غطاء الطوارئ.

استيقظ الفلسطينيون كما غيرهم على وقع حرب إقليمية مرشحة للتوسع، لكنهم كانوا أول من تلقى نتائجها المباشرة، حيث تحولت الضفة الغربية إلى مساحة معطلة اقتصادياً ومجتمعياً، وتوقفت حياة مئات آلاف العمال والطلبة والمرضى في ظل حصار داخلي يعيد إنتاج منطق العقاب الجماعي، ويكشف أن الاحتلال يتعامل مع الفلسطيني بوصفه الحلقة الأضعف التي يمكن الضغط عليها كلما اهتز الإقليم.

في المقابل تبدو الصورة أكثر قتامة في غزة التي لم تحصل حتى على ترف انشغال العالم بالحرب على إيران، إذ يتواصل القصف اليومي للقطاع ويسقط المزيد من الضحايا، في وقت تُغلق فيه المعابر بشكل كامل بما فيها معبر رفح، ليُعاد إدخال غزة عمداً إلى مراحل متقدمة من التجويع والتعطيش وانهيار المنظومة الصحية، بينما تغرق خيام النازحين بمياه الأمطار في مشهد يعكس أقصى درجات الانكشاف الإنساني والتخلي الدولي.

غزة اليوم ليست مجرد جبهة منسية بل مختبر دائم لسياسات الإخضاع، حيث يُستثمر انشغال العالم بالحرب لتصفية الحسابات الصغيرة من خلال القتل البطيء والتجويع المتدرج وإدامة الكارثة الإنسانية دون أي ضغط دولي جدي، وكأن الدم الفلسطيني بات هامشياً في ميزان الصراعات الكبرى.

تكشف هذه التطورات أن الاحتلال لا يرى في الحرب على إيران تهديداً بقدر ما يراها فرصة لإعادة ترتيب أدوات السيطرة على الفلسطينيين في الضفة وغزة معاً، حيث تُدار الجبهات المختلفة بمنطق واحد قوامه الحصار والتجويع وتقييد الحركة وضرب الرموز الدينية والوطنية، في محاولة لإعادة إنتاج الردع داخل المجتمع الفلسطيني وكسر أي احتمالات لتغيير المعادلة.

في المحصلة، يتضح أن الفلسطينيين يُزج بهم مرة أخرى في قلب عاصفة إقليمية لا يملكون أدوات التأثير فيها، لكنهم يدفعون أثمانها كاملة من أمنهم ولقمة عيشهم وحقهم في العبادة والحياة، وأن ما يجري ليس أثراً جانبياً للحرب بل جزءاً أصيلاً من الاستراتيجية التي ترى في كل حرب إقليمية نافذة لتكريس الاحتلال وتعميق الفصل وتحويل المعاناة الفلسطينية إلى تفصيل ثانوي في ضجيج الصراعات الكبرى.

في خضم هذا المشهد الإقليمي المضطرب، يتأكد مرة أخرى أن القضية الفلسطينية ليست خارج معادلة الصراع بل في قلبها، وأن ما تتعرض له الضفة الغربية وقطاع غزة ليس مجرد انعكاس جانبي لحرب كبرى، بل جزء من استراتيجية ثابتة تقوم على استثمار الأزمات الإقليمية لتكريس الوقائع على الأرض وتعميق نظام السيطرة والحصار. وفي ظل الانشغال الدولي وغياب أي مساءلة حقيقية، تتحول المعاناة الفلسطينية إلى ثمن مفتوح تدفعه يومياً شعوب محاصرة من حقها في الحركة والعبادة والحياة، فيما يبقى الرهان الحقيقي معقوداً على وعي فلسطيني جامع يدرك أن تفتيت الجبهات لا يلغي وحدة المصير، وأن كسر هذه المعادلة يبدأ بإعادة وضع فلسطين في مركز الاهتمام السياسي والأخلاقي بعيداً عن منطق التهميش الذي يحاول الاحتلال فرضه تحت غطاء الحروب الإقليمية.

Share This Article