محكمة تدين بريطانيا بالتواطؤ بانتهاك القانون الدولي في غزة

المسار : اتهمت محكمة غير رسمية بشأن غزة الحكومة البريطانية بالتواطؤ في الجرائم التي ارتكبتها دولة الاحتلال الإسرائيلي في القطاع، معتبرة أن لندن انتهكت القانون الدولي وفشلت في الوفاء بالتزاماتها القانونية لمنع الإبادة الجماعية.

جاء ذلك في تقرير صادر عن هيئة تحقيق مستقلة يرأسها زعيم حزب العمال البريطاني السابق جيريمي كوربين، إلى جانب اثنين من خبراء القانون الدولي، بعد جلسات استماع تناولت دور المملكة المتحدة في الحرب على غزة.

ومن المتوقع نشر نتائج التقرير رسمياً يوم الاثنين، في توقيت حساس سياسياً داخل بريطانيا، حيث قد تُستخدم نتائجه في الانتخابات المحلية المقررة في مايو/أيار، في ظل منافسة قوية يواجهها حزب العمال من أحزاب أخرى بينها حزب الخضر وحزب “يور بارتي”.

شهادات ميدانية

استمعت المحكمة خلال تحقيقاتها إلى شهادات قدمها محامون وأطباء ومسؤولون سابقون في وزارة الخارجية البريطانية إضافة إلى شهود فلسطينيين، وركزت بشكل أساسي على ما إذا كانت المملكة المتحدة قد بذلت ما يكفي لإنهاء تعاونها مع دولة الاحتلال لتجنب اتهامها بالتقصير في منع الإبادة الجماعية.

وخلص التقرير إلى أن الحكومة البريطانية كان ينبغي أن تتخذ خطوات أكثر صرامة، من بينها وقف جميع صادرات الأسلحة إلى تل أبيب، وتعليق تبادل المعلومات الاستخباراتية معها، إضافة إلى مراجعة العلاقات التجارية مع الدولة العبرية.

وأشار التقرير إلى أن هذه الإجراءات كانت ضرورية خصوصاً بعد الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024، والذي اعتبر أن تل أبيب تحتل الأراضي الفلسطينية بشكل غير قانوني.

وجاء في التقرير أن “فشل بريطانيا في الوفاء بالتزاماتها القانونية ساهم في القتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين والتدمير الواسع للأعيان المدنية، وانتهاك القانون الدولي، إضافة إلى تقويض مكانة بريطانيا كدولة تدّعي الالتزام بسيادة القانون على الساحة الدولية”.

وأضاف التقرير أن المملكة المتحدة لم تكتف بعدم الوفاء بواجبها في السعي لمنع الإبادة الجماعية، بل شاركت في بعض الحالات بشكل مباشر أو غير مباشر في أعمال ساهمت في استمرار هذه الانتهاكات.

عقوبات حكومية

في المقابل، زعمت وزارة الخارجية البريطانية أنها اتخذت عدة خطوات لمعالجة الوضع، من بينها فرض ثلاث حزم من العقوبات على مستوطنين متورطين في أعمال عنف في الضفة الغربية، مؤكدة معارضتها لجميع أشكال التهجير القسري للفلسطينيين.

وقال وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني هاميش فالكونر أمام البرلمان في وقت سابق من هذا الشهر إن الحكومة تعمل على إطلاع البرلمان على القضايا القانونية الأوسع المرتبطة بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.

وأضاف فالكونر: “يجب أن تتحقق المساءلة والعدالة في جميع الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية والإسرائيلية”.

ولم تعقد محكمة العدل الدولية حتى الآن جلسة استماع كاملة للفصل في ما إذا كانت إبادة جماعية قد ارتكبت في غزة، لكنها حذرت في يناير/كانون الثاني 2024 من وجود خطر حقيقي ووشيك بحدوث ضرر لا يمكن إصلاحه لحقوق الفلسطينيين في الحماية من الإبادة الجماعية.

وترأس هيئة المحكمة إلى جانب كوربين كل من الدكتور شهد حموري، المحاضر في القانون الدولي بجامعة كينت، والبروفيسور نيف جوردون أستاذ قانون حقوق الإنسان في جامعة كوين ماري في لندن.

انتهاك اتفاقيات جنيف لمنع الإبادة

يركز جزء كبير من التقرير على الالتزامات القانونية التي تفرضها قرارات محكمة العدل الدولية على الحكومات، حيث خلص إلى أن حكم المحكمة الصادر في يناير 2024 وضع جميع الدول أمام واجب واضح بموجب اتفاقيات جنيف لمنع الإبادة الجماعية.

وأشار التقرير إلى أن الامتثال لهذا الواجب يتطلب إجراءات عملية تتجاوز مجرد التعبير عن القلق السياسي أو إصدار بيانات دبلوماسية.

كما أكد التقرير أنه لا ينبغي للحكومات أن تتذرع بالالتزامات التعاقدية مع شركات تصنيع الأسلحة الأمريكية أو بعدم صدور حكم نهائي من المحاكم الدولية لتجنب تنفيذ التزاماتها القانونية.

وفي تقريره المؤلف من 112 صفحة، اعتبر فريق التحقيق أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين يفرض على بريطانيا ودول أخرى واجباً قانونياً بالامتناع عن الدخول في معاملات تجارية مع دولة الاحتلال تتعلق بالأراضي المحتلة، خصوصاً إذا كانت هذه المعاملات تعزز وجودها غير القانوني.

وقال كوربين في مقدمة التقرير إن نتائجه “قد تساهم في ترسيخ إرث حزب العمال كمشارك نشط في واحدة من أعظم جرائم عصرنا”.

واستند التقرير أيضاً إلى أدلة قدمتها شبكة العمل القانوني العالمية في قضية نظرت فيها محكمة الأمم المتحدة المحلية، حيث خلص إلى أن الحكومة البريطانية وضعت لنفسها معايير ضيقة للغاية عند تقييم الانتهاكات المحتملة للقانون الإنساني الدولي.

تقييم تأثير ضربات فردية

ووفقاً للتقرير، طلبت الحكومة البريطانية من دولة الاحتلال تقديم تبريرات مفصلة لكل ضربة عسكرية على حدة، ما أدى إلى استنتاج بوقوع انتهاك واضح للقانون الإنساني الدولي في حالة واحدة فقط من أصل 413 حادثة تمت دراستها.

وانتقد التقرير هذه المنهجية، معتبراً أنها ركزت على تقييم تأثير ضربات فردية على منشآت مثل المستشفيات، لكنها لم تنظر إلى مدى قانونية تدمير النظام الصحي في غزة بشكل شامل.

وفي شهادته أمام البرلمان، قال الوزير فالكونر إن تقييم الحوادث الفردية يتطلب معلومات حساسة مثل الأهداف العسكرية المقصودة والميزة العسكرية المتوقعة وحجم الأضرار المدنية المحتملة، وهي معلومات قد لا تكون متاحة دائماً للحكومة البريطانية.

وأوصت المحكمة الحكومة البريطانية بنشر جميع بيانات تراخيص تصدير الأسلحة، والكشف عن الاستشارات القانونية المتعلقة بالتزاماتها بمنع الإبادة الجماعية، إضافة إلى إجراء تحقيق عام شامل في السياسات البريطانية خلال الحرب في غزة.

كما دعت إلى تزويد محكمة العدل الدولية بجميع بيانات المراقبة التي جمعتها طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني أثناء تحليقها فوق القطاع.

ومن المتوقع أن تستغل الأحزاب اليسارية نتائج التقرير لمهاجمة حزب العمال في الانتخابات المحلية المقبلة، فيما أطلقت حملة “صوّت لفلسطين 2026”، المدعومة من حملة التضامن مع فلسطين، دعوات لإدراج قضية غزة في الحملات الانتخابية.

وقد وقّع أكثر من 1200 مرشح في الانتخابات المحلية على تعهد بدعم القضية الفلسطينية، بينما يجري العمل على تشكيل تحالفات محلية بين مستقلين وأحزاب خضراء لاستهداف مقاعد حزب العمال في المجالس المحلية.

وأعلن حزب “يور بارتي”، الذي يتزعمه كوربين في البرلمان، أنه سيخوض حملة انتخابية قوية تركز على الحرب في غزة، بما في ذلك الدعوة إلى سحب الاستثمارات البريطانية من دولة الاحتلال.

Share This Article