في صباحات عيد الفطر في غزة، كان الأطفال يخرجون بملابسهم الجديدة وهم يفتحون أكفهم الصغيرة بلهفة ليتلقوا “العيدية” من الآباء والأقارب، لكن هذا المشهد تغير هذا العام؛ فالعيدية التي اعتادت أن تكون أوراقاً نقدية صغيرة، تحولت في كثير من البيوت إلى قطعة شوكولاتة أو لعبة بلاستيكية زهيدة، بعدما أصبح “الكاش” في القطاع عملة نادرة في ظل الحرب وأزمة السيولة الخانقة.
لم تعد فرحة الأطفال في غزة مرتبطة بانتظار النقود التي يجمعونها في صباح العيد، بل بما يستطيع الأهل توفيره من بدائل بسيطة؛ كيس حلوى، أو هدية صغيرة، أو حتى قطعة بسكويت، في محاولة يائسة للحفاظ على طقوس العيد وسط واقع اقتصادي يزداد قسوة يوماً بعد يوم.
العيدية أصبحت شوكولاتة
يقول بشير عياد (42 عاماً)، وهو أب لخمسة أطفال من مدينة غزة، إن العيد هذا العام سيكون مختلفاً تماماً عن كل الأعوام السابقة.
ويضيف في حديث له : في كل عيد كنت أعطي كل طفل عشرة أو عشرين شيكلاً، وكانوا يخرجون لشراء ما يريدون، لكن اليوم لا أملك نقوداً حتى أعطيهم شيكلاً واحداً”.
يحمل الرجل كيساً صغيراً من الحلوى اشتراه من أحد الباعة الجائلين، ويقول مبتسماً بحزن: “هذه ستكون العيدية هذا العام قطعة شوكولاتة لكل طفل”.
أما آلاء ياسين (50 عاما)، وهي نازحة تقيم مع عائلتها في خيمة غرب مدينة غزة، فقد قررت أن تستبدل العيديات بأكياس صغيرة من البسكويت والحلوى توزعها على أطفال العائلة صباح العيد.
تقول: “الأطفال لا يفهمون معنى أزمة السيولة أو الحرب، هم فقط ينتظرون العيد.. لذلك حاولنا أن نجمع بعض الحلوى لنصنع لهم عيدية بسيطة”، وتضيف: “المهم أن يشعروا أن العيد ما زال موجوداً”.
انتظار مختلف للعيد
الطفل يوسف دياب (9 سنوات) يقول إنه اعتاد في كل عيد جمع العيديات من جده وأعمامه وأقاربه، ثم يذهب مع أصدقائه لشراء الألعاب، لكن هذا العام يبدو الأمر مختلفاً.
يقول: “أبي قال إن النقود قليلة في غزة الآن، لكنه وعدني أن يشتري لي لعبة صغيرة بدلاً من العيدية”.
أما شقيقته ليان (6 سنوات) فتقول ببراءة: “لا أريد نقوداً.. أريد فقط شوكولاتة”.
أزمة سيولة غير مسبوقة
لم تأتِ هذه التغيرات في طقوس العيد من فراغ؛ فغزة تعيش واحدة من أسوأ أزمات السيولة النقدية في تاريخها، بعدما أدت الحرب المستمرة منذ عام 2023 إلى انهيار شبه كامل في المنظومة المصرفية وإغلاق أو تدمير العديد من فروع البنوك.
وبسبب القيود المفروضة على القطاع، لم تدخل كميات جديدة من العملة النقدية منذ سنوات، ما أدى إلى تآكل الكتلة النقدية المتداولة في الأسواق وتحول “الكاش” إلى سلعة نادرة.
كما أن كثيراً من سكان غزة يمتلكون أموالاً في حساباتهم المصرفية، لكنهم عاجزون عن الوصول إليها بسبب إغلاق البنوك أو القيود المفروضة على السحب النقدي.
ويقول خبراء اقتصاديون إن الأزمة تفاقمت مع الحرب نتيجة تدمير فروع بنكية وتعطل الصرافات الآلية ومنع إدخال النقد إلى القطاع، ما أدى إلى توقف شبه كامل للدورة المالية.
أوراق نقدية مهترئة… وسوق لإصلاحها
ومع استمرار الأزمة، أصبحت الأوراق النقدية المتداولة في غزة مهترئة وممزقة بفعل التداول المتكرر دون استبدالها بأخرى جديدة، إلى درجة أن بعض التجار باتوا يفحصون الأوراق أمام الضوء قبل قبولها.
وفي مشهد يعكس حجم الأزمة، ظهرت في الأسواق بسطات صغيرة متخصصة في ترميم العملات التالفة، حيث يلجأ المواطنون إلى إصلاح الأوراق النقدية حتى تبقى صالحة للاستخدام.
كما اضطر كثير من السكان إلى الوقوف لساعات أمام محلات الصرافة أو الوسطاء للحصول على جزء بسيط من أموالهم مقابل عمولات مرتفعة.
اقتصاد يتآكل.. وعادات تتغير
لم تعد أزمة السيولة مشكلة مالية فحسب، بل أصبحت أزمة تمس تفاصيل الحياة اليومية في غزة، من شراء الطعام إلى دفع أجرة المواصلات وحتى الاحتفال بالمناسبات الاجتماعية.
وفي عيد الفطر هذا العام، ظهرت آثار الأزمة بوضوح في العيديات التي تحولت من أوراق نقدية إلى هدايا رمزية وحلوى بسيطة.
ورغم كل ذلك، يحاول الأهالي الحفاظ على ما تبقى من طقوس العيد لأطفالهم، حتى لو كانت العيدية قطعة شوكولاتة.
ففي غزة، حيث تغيرت أشياء كثيرة بسبب الحرب، ما زالت العائلات تقاوم القسوة بطريقتها الخاصة.. وتحاول أن تصنع الفرح، ولو بقدر قليل من الحلوى.
( المصدر وكالة سند للأنباء )

