عمال الضفة يعيشون المخاطرة بين تأمين لقمة العيش ورصاص جنود الاحتلال

المسار: في ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تتسلل خيوط الضوء إلى جبال ومدن الضفة الغربية، تبدأ رحلة شاقة ومقلقة لآلاف العمال الفلسطينيين، عنوانها البحث عن لقمة العيش. مشهد يتكرر يوميًا؛ شبان ورجال من مختلف الأعمار يتجمعون قرب فتحات في جدار الفصل العنصري أو عند بوابات عسكرية مغلقة، يراقبون تحركات الجنود، وينتظرون لحظة مواتية للعبور نحو الداخل الفلسطيني المحتل، حيث فرص العمل التي باتت شبه الوحيدة المتاحة لهم.

هذه الرحلة لم تعد مجرد تنقل، بل تحولت إلى مغامرة محفوفة بالموت. بعضهم يتسلق السياج المكهرب، وآخرون يحفرون طرقًا بدائية أسفله، فيما يندفع آخرون عبر ثغرات ضيقة في الجدار. وفي كل خطوة، يواجهون خطر إطلاق النار، أو المطاردة، أو الاعتقال. ومع ذلك، تستمر المحاولات، فالحاجة – كما يقولون – أقسى من الخوف.

يقول أحمد ظاهر (32 عامًا) من إحدى قرى شمال الضفة : “أخرج يوميًا وأنا لا أعلم إن كنت سأعود سالمًا أم لا، لكن ماذا أفعل؟ لدي أربعة أطفال، ولا يوجد عمل هنا”. يتوقف قليلًا قبل أن يضيف: “العمل في الداخل هو الخيار الوحيد الذي يوفر دخلًا، حتى لو كان ثمنه حياتي”.

واقع أحمد ليس استثناءً، بل صورة مكثفة لمعاناة آلاف العائلات الفلسطينية التي فقدت مصدر رزقها، خاصة بعد تشديد القيود على دخول العمال إلى سوق العمل داخل إسرائيل، وحرمان عشرات الآلاف من تصاريح العمل. هذا الواقع دفع كثيرين إلى سلوك طرق خطرة وغير قانونية، رغم إدراكهم لما قد يترتب عليها من تبعات قاسية.

ولا تقتصر المعاناة على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى البعد الإنساني والنفسي. العامل الذي يخرج يوميًا عبر هذه الطرق يعيش حالة من القلق الدائم، فيما تترقب عائلته عودته بقلوب مثقلة بالخوف. بعضهم يعود مصابًا، وآخرون يُعتقلون، بينما لا يعود آخرون أبدًا.

تقول السيدة ولاء حسني إن القلق لا يفارقها منذ أن بدأ زوجها العمل داخل دولة الاحتلال: “لا أنام مطمئنة، أودّعه وكأنني أودّعه للمرة الأخيرة، وأدعو الله أن يحميه”. تضيف: “عارضت ذهابه كثيرًا، لكن ما في باليد حيلة… لدينا ابنة في الجامعة، وإيجار البيت، وديون تتراكم يومًا بعد يوم”.

شهداء وملاحقون

في هذا السياق، تكشف الأرقام حجم المخاطر التي تحيط بهذه الرحلات، حيث يشير الأمين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين شاهر سعد إلى أن عام 2025 وحده شهد استشهاد 74 عاملًا جراء حوادث العمل في الضفة الغربية وأراضي عام 48، من بينهم 18 عاملًا استُشهدوا برصاص قوات الاحتلال.

وتابع سعد: إن “أكثر من 35 ألف حالة اعتقال جرت لعمال فلسطينيين منذ بدء الحرب وحتى نهاية عام 2025، إضافة إلى توثيق ما لا يقل عن 1500 إصابة خلال عامين، أغلبيتها أثناء تنقل العمال عبر الحواجز العسكرية أو محاولتهم اجتياز جدار الفصل العنصري، ما يعكس حجم المخاطر اليومية التي يواجهها العمال بين الجدار والبوابات العسكرية”.

والأخطر وفق سعد أن هذا جاء ترجمة لسياسات حكومات الاحتلال التي اعتمدت تاريخيًا على تشغيل نحو 25% من الأيدي العاملة الفلسطينية، فقد صعّدت مؤخرًا سياساتها القمعية بحق العمال، مستعرضًا تصريحات وتحريضات صادرة عن وزراء في حكومة الاحتلال، شملت الدعوة إلى قتل العمال الفلسطينيين واعتقالهم، وإنشاء معتقلات خاصة بهم، إلى جانب التهديد بعدم تحويل أموال المقاصة، بما يشكل خنقًا مباشرًا للاقتصاد الفلسطيني.

بطالة مرتفعة

وكان التقرير السنوي للاتحاد الصادر نهاية 2025 أظهر ارتفاعا غير مسبوق في معدلات البطالة في الأراضي الفلسطينية بلغت نحو 38%، جراء تعطل ما يقارب 550 ألف عامل عن العمل من أصل 1.4 مليون يشكلون القوى العاملة الفلسطينية، في حين تجاوزت نسبة البطالة في قطاع غزة 80%.

وأشار سعد إلى أن خسائر العمال الفلسطينيين خلال عامين من الحرب قُدّرت بنحو 9 مليارات دولار، موضحًا أن رواتب العمال الذين كانوا يعملون في أراضي الـ48 تُقدَّر بحوالي 1.35 مليار شيقل شهريًا، وهو رقم يفوق إجمالي رواتب موظفي الحكومة والقطاع الخاص في الضفة الغربية.

 خسائر فادحة 

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور سامر عابد أن “الانقطاع المفاجئ لنحو 220 ألف عامل فلسطيني عن العمل داخل إسرائيل شكّل صدمة اقتصادية واجتماعية حادة”. ويوضح أن هؤلاء العمال كانوا يشكلون ركيزة أساسية للاقتصاد الفلسطيني، حيث تعتمد آلاف الأسر بشكل شبه كامل على دخلهم.

ويضيف عابد: “غياب هذا الدخل أدى إلى تراجع القدرة الشرائية بشكل كبير، وارتفاع معدلات الفقر، خاصة في المناطق الريفية والمخيمات”. ويؤكد أن الاقتصاد المحلي غير قادر على استيعاب هذا العدد الكبير من العاطلين عن العمل، في ظل ضعف الاستثمار والقيود المفروضة على الحركة والتجارة.

ويحذر من تداعيات أعمق، قائلًا إن “استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى اتساع فجوة الفقر، وارتفاع معدلات الديون، وربما تفكك اجتماعي في بعض البيئات الهشة”. ويشدد على أن غياب البدائل يدفع العمال إلى المخاطرة بحياتهم، لأنهم ببساطة لا يملكون خيارًا آخر.

ورغم كل ما يحيط بهذه الرحلة من أخطار، فإنها لا تتوقف. فبين الجدار والسياج، وبين الرصاص والحواجز، يقف العامل الفلسطيني أمام معادلة قاسية: إما المجازفة بالحياة أو مواجهة الفقر والعجز. وفي ظل غياب حلول حقيقية، يبدو أن هذا المشهد سيبقى حاضرًا، شاهدًا على واقع اقتصادي مأزوم، وإنسان يطارد فرصة للعيش، ولو على حافة الموت.

المصدر: قدس برس

Share This Article