المسار :
مقدمة
■ تُعد وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إحدى أبرز مؤسسات الأمم المتحدة التي تجسد إلتزام المجتمع الدولي حيال ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من ديارهم في فلسطين إثر حرب 1948، وما تلاها من أحداث نزوح جماعي قسري. ومنذ إنشائها بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 302 – 1949، إعتمدت الوكالة على التمويل الطوعي من الدول والمنظمات، الذي يشكل نحو 94,9% من إجمالي مواردها، بينما لا تتجاوز المساهمات من الميزانية العادية للأمم المتحدة 3,8%، تخصص أساساً لتغطية تكاليف الموظفين الدوليين، فيما يأتي الباقي من الشراكات الخاصة والمنظمات الأخرى.
ويعكس هذا الهيكل المالي إعتماداً كاملا على الإرادة الطوعية للدول المانحة، ما يجعل الأونروا عُرضة لتقلبات الموقف السياسي بانعكاسه على القرار المالي، ويحول دون ضمان إستقرار الخدمات الأساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية والإغاثة الغذائية، التي يعتمد عليها ملايين اللاجئين الفلسطينيين. ومع كل أزمة تمويل، يواجه اللاجئون مخاطر إنقطاع الخدمات، أو تقليصها.
■ لا يقتصر دور الأونروا على الجوانب الإغاثية فحسب، بل يمتد إلى الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية وصون الذاكرة الجماعية للاجئين، من خلال برامج التعليم والتوعية التي تتيح للأجيال الجديدة فهم تاريخ قضيتهم وحقوقهم الوطنية، بما في ذلك حق العودة والتعويض المنصوص عليهما في القرار 194.
هذا البعد السياسي والحقوقي يجعل الوكالة مستهدفة من تل أبيب وواشنطن في سعيها الدائب لتقويض مهمتها، وتحويل التمويل الطوعي إلى أداة ضغط لتوجيه سياسة وكالة الغوث، بما يتوافق مع أجندة تصفية قضية اللاجئين، ويضعهم في دائرة الخطر المباشر على ظروفهم المعيشية وحقوقهم الإنسانية الأساسية، كما يهدد دور الأونروا كمرجعية دولية معنية بحماية هذه الحقوق. ومن هنا، تصبح الحاجة إلى تمويل مستدام وثابت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ضمن مقاربة متكاملة، قانونية ودبلوماسية وسياسية■
(1)
الأساس القانوني لوظيفة الأونروا كإلتزام دولي مستمر
■ أُنشئت الأونروا كهيئة تابعة للأمم المتحدة، ما يمنحها شرعية دولية مستمدة مباشرة من إرادة الدول الأعضاء. وقد أكدت الجمعية العامة في قراراتها المتكررة أن استمرار عمل الوكالة يظل مرتبطاً بعدم التوصل إلى الحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، كما ورد في قرار الجمعية العامة الرقم 194.
ويُكسِب هذا الإرتباط الأونروا صفة الإستمرارية كأداة دولية قائمة، ويمنح خدماتها ودورها ووجودها طابعاً مستمراً، ما يستدعي توفير تمويل مستقر يتناسب مع طبيعة مهامها وضرورات حماية اللاجئين. فالأونروا لا تُعد مؤسسة خدماتية فحسب، بل تمثل ركيزة سياسية وإنسانية تسهم في إبراز قضية اللاجئين وحقهم في العودة، وصون الهوية الفلسطينية، والحفاظ على الذاكرة والرواية الوطنية المرتبطة بالنكبة والتهجير، الخ..
■ وفي ظل غياب حل سياسي عادل، تصبح الأونروا الأداة الدولية الرئيسية لضمان الحد الأدنى من هذه الحقوق للاجئين الفلسطينيين، ما يضفي على عملها طابعاً إلزامياً من حيث المسؤولية الدولية؛ كما أن استمرار عمل الأونروا يعكس مبدأ عدم سقوط الحقوق بالتقادم، حيث أن بقاء الوكالة وتقديمها الخدمات يشكلان تأكيداً مستمراً على أن قضية اللاجئين لا زالت بلا حل، وأن المجتمع الدولي لا يزال معنياً بتحمل مسؤولياته تجاهها.
وفي هذا السياق، فإن أي محاولة لتقويض دور الوكالة، أو إضعافها مالياً، أو سياسياً تمثل، في جوهرها، مساساً بهذه الإلتزامات، ومحاولة للإلتفاف على الحقوق التي أقرتها الشرعية الدولية. ومن هذا المنطلق، تنظر إسرائيل بتوجس إلى دور وكالة الغوث، لما تمثله من شاهد دولي حي على قضية اللاجئين وحقوقهم غير القابلة للتصرف، وإسهامها في حفظ الذاكرة الوطنية الفلسطينية■
مبدأ إستمرارية المرافق الدولية
■ تقدم الأونروا خدمات أساسية في مجالات التعليم والصحة والإغاثة، وهي خدمات ترتقي إلى مستوى المرافق العامة الدولية، التي يعتبر ضمان إستمرارها في عملها، مسؤولية ملزمة للمجتمع الدولي بموجب القانون الدولي والإتفاقيات الإنسانية؛ وبالتالي فإن أي توقف جزئي أو كلي لتقديمات وكالة الغوث، له أثر مباشر على الأوضاع المعيشية لملايين اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم وكرامتهم، بما يتعارض مع الإلتزامات الدولية المنصوص عليها في المواثيق الدولية والإعلانات الإنسانية.
غير أن الإعتماد الكلي للأونروا على التمويل الطوعي بتقلباته، يجعلها عرضة لتغييرات مفاجئة في الموارد، ما يضع الخدمات الأساسية في خطر دائم. ومن هنا، يفرض القانون الدولي على المجتمع الدولي توفير تمويل مستدام ومضمون يضمن إستمرار الخدمات، ويؤكد إلتزام الدول بمسؤولياتها تجاه حماية الحقوق الأساسية للفئات المستفيدة، ويعزز إستقلالية الوكالة عن أي ضغوط سياسية أو مالية تهدد عملها وفاعليتها.
وبالتالي، يشكل تمويل الأونروا المستدام واجباً قانونياً على الدول الأعضاء، كما يُعتبر ركيزة أساسية لضمان تنفيذ الإلتزامات الإنسانية الدولية، وحماية اللاجئين من أي تهديد محتمل نتيجة للضغوط السياسية أو المالية على الوكالة؛ كما يعكس إستقرار التمويل إلتزام المجتمع الدولي بمبدأ العدالة الدولية، ويؤكد أن حماية حقوق اللاجئين ليست خياراً سياسياً، بل واجباً قانونياً وأخلاقياً■
الإلتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان
■ ترتبط خدمات الأونروا إرتباطاً وثيقاً بالحقوق الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، ولا سيما الحق في التعليم، والصحة، والعيش الكريم. فقد نصت المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادتان 13 و14 من العهد الدولي، على الحق في التعليم؛ فيما كرست المادة 11 الحق في مستوى معيشي لائق يشمل الغذاء والكساء والمسكن. وبالتالي، تشكّل الأونروا الجهة الأساسية المكلفة دولياً بضمان الحد الأدنى من هذه الحقوق للاجئين الفلسطينيين، في ظل غياب حل سياسي عادل ودائم لقضيتهم، ما يجعل تمويلها جزءاً لا يتجزأ من منظومة الإلتزامات الدولية، ويفرض على المجتمع الدولي مسؤولية توفير الموارد اللازمة بشكل مستدام.
■ من جهة أخرى، لا يقتصر دور الأونروا على تقديم خدمات إنسانية، بل يتجاوز ذلك ليشكّل آلية تنفيذية للإلتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان، حيث تترجم برامجها التعليمية والصحية والإغاثية هذه الحقوق إلى واقع ملموس. وفي هذا السياق، فإن أي تقليص أو تعطيل لتمويل الوكالة لا يُعد مجرد خلل مالي، بل يمثل إنتهاكاً فعلياً للحقوق الأساسية لملايين اللاجئين الفلسطينيين، وإخلالاً بالتزامات المجتمع الدولي المنبثقة عن هذه المواثيق الدولية؛ كما أن مبدأ عدم التمييز المنصوص عليه في المادة 2 من العهد الدولي، يفرض ضمان تمتع اللاجئين الفلسطينيين بحقوقهم دون إخضاعها للإعتبارات السياسية أو المالية. وعليه، فإن ربط تمويل الأونروا بشروط سياسية، أو إستخدامه كأداة ضغط، يتعارض مع جوهر هذه الإلتزامات. ومن هنا، فإن إستدامة تمويل الأونروا لا تمثل خياراً طوعياً، بل تشكّل واجباً قانونياً وأخلاقياً يقع على عاتق المجتمع الدولي■
(2)
التمويل الطوعي كأداة إبتزاز سياسي ومالي
■ أظهرت التجربة والسياسات المتبعة من الدول المانحة خلال السنوات الأخيرة خصوصاً، وبشكل متكرر، أن إعتماد الأونروا على التمويل الطوعي من بعض الدول، لم يعد مسألة تقنية أو إدارية، بل تحوّل إلى أداة ضغط سياسي ومالي تُستخدم للتأثير على سياسات الوكالة وولايتها. وقد تجلّى ذلك بوضوح من خلال سلسلة من الأزمات المالية الحادة، أبرزها:
• أزمة عام 2015 (أزمة تأجيل العام الدراسي): نجمت عن عجز مالي حاد بلغ نحو 100 مليون دولار في ميزانية البرامج الأساسية، ما دفع المفوض العام إلى الإعلان لأول مرة عن إحتمال تأجيل العام الدراسي لما يقارب نصف مليون طالب فلسطيني، في سابقة خطيرة تعكس هشاشة نموذج التمويل.
• أزمة عام 2018 (الأزمة الأكبر تاريخياً): شكلت هذه الأزمة نقطة تحول مفصلية، حيث قررت إدارة الرئيس ترامب قطع التمويل بالكامل عن الأونروا، رغم أن واشنطن كانت أكبر مانح لها، إذ كانت تقدم نحو 360 مليون دولار سنوياً، أي ما يقارب 40% من ميزانيتها. وقد أدى ذلك إلى أزمة مالية غير مسبوقة هددت إستمرار الخدمات الأساسية، ولم تتمكن الوكالة من تجاوزها إلا بصعوبة من خلال حملة «الكرامة لا تُقدّر بثمن» وتدخلات طارئة من بعض الدول، لا سيما دول الخليج والإتحاد الأوروبي.
• أزمة كانون الثاني/يناير 2024 (أزمة تعليق التمويل الجماعي): تُعد من أخطر الأزمات من حيث سرعتها وتأثيرها، إذ أدت إتهامات ومزاعم إسرائيلية لعدد من موظفي الأونروا إلى قيام 16 دولة مانحة رئيسية، من بينها الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا، بتعليق تمويلها بشكل فوري. وقد ترتب على ذلك فقدان الوكالة ما يقارب 450 مليون دولار من ميزانيتها المتوقعة لعامي 2024 و2025.
ورغم استئناف معظم الدول تمويلها لاحقًا، وإن كان بمستويات أقل من السابق، فإن استمرار تعليق التمويل الأمريكي حتى عام 2025 كشف بوضوح مدى هشاشة الإعتماد على التمويل الطوعي، وقابليته للتسييس والتأثر بالتقلبات السياسية. وتؤكد هذه الأزمات مجتمعة أن التمويل الطوعي لم يعد مجرد آلية دعم، بل تحوّل إلى وسيلة إبتزاز سياسي ومالي تؤثر بشكل مباشر على إستمرار خدمات الأونروا، وتُخضع عملها لاعتبارات سياسية متغيرة، تتعارض مع مبدأ إستقلالية المنظمات الدولية■
(3)
الإستهداف الإسرائيلي– الأمريكي للأونروا
■ على الرغم من صعوبة النيل من وكالة الغوث بإلغاء قرار تأسيسها، أي القرار الأممي الرقم 302، نظرًا لثقة المجتمع الدولي بها وخصوصاً الجمعية العامة للأمم المتحدة، لجأت إسرائيل، بدعم مباشر من الولايات المتحدة، إلى إستراتيجية ممنهجة لإفراغ الأونروا من داخلها. بدأت هذه الإستراتيجية قبل عهد الرئيس ترامب الأول- 2017/2021 من خلال إستهداف المفوض العام السابق، بيير كرينبول، ثم توسعت لتشمل المنشآت المدرسية والمراكز التعليمية، وخصوصاً المناهج التي تهدف إلى تكوين جيل واعٍ بواقع الصراع وحقوقه الوطنية، في إطار الإبتزاز السياسي والمالي المستمر الذي تمارسه الولايات المتحدة وإسرائيل لتقويض الأونروا وإضعاف دورها في حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين.
وفي موازاة ذلك، مارست إسرائيل ضغوطاً وحرباً مستمرة ضد الوكالة، شملت الإستهداف المباشر للمرافق والمؤسسات، بما في ذلك تدمير غالبية منشآتها في قطاع غزة، واستهداف موظفيها، إضافة إلى إغلاق عدد من مراكزها في القدس وفرض قيود على أنشطتها في الضفة الغربية. كما سَنَّ الكنيست الإسرائيلي في السنوات الأخيرة مجموعة من الإجراءات والتشريعات العنصرية التي تهدف إلى تقييد عمل الأونروا في الضفة الغربية وقطاع غزة وشرقي القدس المحتلة، من خلال وقف تزويد مراكزها بالمياه والكهرباء، في خطوة تمهيدية لمصادرة ممتلكات الوكالة وإنهاء وجودها.
■ وفي هذا السياق، صعّد الإحتلال الإسرائيلي من إجراءاته الميدانية، وكان أبرزها إقتحام مقر الأونروا في حي الشيخ جراح بالقدس، ومصادرة ممتلكاته، وإنزال علم الأمم المتحدة ورفع علم الإحتلال فوقه، في إنتهاك صارخ للحصانة الدولية التي تتمتع بها مقار الأمم المتحدة، إلى جانب الهجمة الممنهجة على موظفي الوكالة ومؤسساتها في قطاع غزة واتهامها بمساندة الإرهاب.
وفي الوقت نفسه، تصاعدت الحملات الإعلامية والسياسية الممنهجة ضد الأونروا، والتي سعت إلى التشكيك في مصداقيتها وشيطنتها واتهامها بالإرتباط بالإرهاب. ويأتي في هذا السياق نشاط منظمة UN Watch، ومقرها جنيڤ، والمعروفة بانحيازها السياسي لإسرائيل وتشغيلها من قبل اللوبي الصهيوني، والتي أصدرت في كانون الأول/ديسمبر 2024 تقريراً بعنوان «تحالف الأونروا والإرهابيين»، إحتوى على سلسلة من المزاعم والأكاذيب تجاه الأونروا وموظفيها. وقامت إسرائيل بتعميم هذا التقرير على عدد واسع من الدول، في محاولة لتقويض صورة الوكالة والضغط على الدول المانحة لقطع التمويل عن الوكالة.
ومع ذلك، لم تتمكن إسرائيل أو المنظمة من تقديم أي دليل يثبت صحة هذه المزاعم، ونفت لجنة التحقيق المستقلة، التي قادتها وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة كاترين كولونا بتكليف من الأمم المتحدة، صحة هذه الاتهامات، مؤكدة أن إسرائيل لم تقدم أي أدلة تدعم مزاعمها ضد الوكالة وموظفيها■
مجلس الأمن يحذر من أي محاولات لتفكيك
أو تقليص عمليات الأونروا وتقويضها
■ أكد أعضاء مجلس الأمن الدولي في بيان صدر في 30/10/2024، على الدور الحيوي الذي تلعبه الأونروا في تقديم المساعدات الإنسانية للاجئي فلسطين من خلال برامج التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الإجتماعية الأساسية والمساعدات الطارئة في الأرض الفلسطينية المحتلة ومناطق الشتات.
وشدد أعضاء مجلس الأمن على أن الأونروا تظل العمود الفقري لجميع الإستجابات الإنسانية في غزة، وأنه لا يمكن لأي منظمة أن تحل محل أو تستبدل قدرة الأونروا وتفويضها لخدمة لاجئي فلسطين والمدنيين الذين هم في حاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية منقذة للحياة.
وحذر أعضاء مجلس الأمن بشدة من أي محاولات لتفكيك أو تقليص عمليات الأونروا وتقويضها، مدركين أن أي إنقطاع أو تعليق لعملها من شأنه أن يخلف عواقب إنسانية وخيمة على ملايين لاجئي فلسطين الذين يعتمدون على خدمات الوكالة، فضلا عن الآثار المترتبة على المنطقة.
وأعربوا عن قلقهم البالغ إزاء التشريع الذي تبناه الكنيست الإسرائيلي. وفي هذا الصدد، حثوا الحكومة الإسرائيلية على الإمتثال لالتزاماتها الدولية واحترام إمتيازات وحصانات الأونروا والوفاء بمسؤولياتها في السماح بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية بجميع أشكالها إلى قطاع غزة، وفي جميع أنحائه، بصورة كاملة وسريعة وآمنة بدون عوائق، بما في ذلك توفير الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها السكان المدنيون بشدة.
وطالبوا جميع الأطراف بتمكين الأونروا من تنفيذ ولايتها، كما إعتمدتها الجمعية العامة، في جميع مناطق عملياتها، مع الإحترام الكامل للمباديء الإنسانية المتمثلة في الإنسانية والحياد والنزاهة والإستقلال، واحترام القانون الدولي الإنساني وحماية مرافق الأمم المتحدة والمرافق الإنسانية. وأكدوا على أهمية ضمان إستمرار الخدمات الحيوية التي تقدمها الأونروا، وأقروا بجهود الدول الأعضاء لتعزيز دعمها للأونروا■
الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية
■ أصدرت محكمة العدل الدولية – 22/10/2025 رأياً إستشارياً بناءً على طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك في ظل تصاعد الحملات السياسية والإعلامية التي إستهدفت وكالة الأونروا وشككت في حيادها ووظيفتها. وقد جاء هذا الطلب بهدف حسم الجدل القانوني القائم، وتحديد المسؤوليات الواقعة على إسرائيل بصفتها قوة إحتلال، فضلاً عن تزويد الجمعية العامة والدول الأعضاء بأساس قانوني واضح يساعدها في اتخاذ قرارات تتعلق بتمويل الأونروا، وتعزيز إستمرار عملها، ومواجهة الضغوط السياسية التي تؤثر على ولايتها. وقد شكّل مضمون الرأي الإستشاري الصادر عن المحكمة محطة قانونية وإنسانية بارزة لصالح قضية اللاجئين الفلسطينيين، ورداً حاسماً على محاولات الإحتلال الإسرائيلي تقويض دور الأونروا والتشكيك في شرعيتها، حيث أكدت المحكمة في رأيها على جملة من المباديء الأساسية، أبرزها:
• التأكيد على الشرعية الدولية الكاملة لوكالة الأونروا ودورها الإنساني في خدمة اللاجئين الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم + عدم وجود أي أدلة تثبت إنتهاك الوكالة لمبدأ الحياد، أو ممارستها أي شكل من أشكال التمييز في توزيع المساعدات + الإقرار بعدم تقديم إسرائيل أي أدلة تثبت مزاعمها بشأن إنتماء عدد من موظفي الأونروا إلى جهات سياسية أو عسكرية.
• التأكيد على عدم إمكانية إستبدال الأونروا في الظروف الراهنة بأي منظمة دولية أخرى للقيام بمهامها + تحميل إسرائيل، بصفتها قوة إحتلال، المسؤولية القانونية عن ضمان تلبية الإحتياجات الأساسية للسكان المدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك الإمدادات الحيوية اللازمة لبقائهم + التأكيد على أن إستخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب محظور بموجب القانون الدولي، بما يرتب مسؤولية قانونية مباشرة على الإحتلال عن الكارثة الإنسانية في قطاع غزة.
ويكتسب هذا الرأي، الصادر عن أعلى هيئة قضائية دولية، أهمية قانونية وأخلاقية كبيرة، إذ يعيد التأكيد على مسؤولية إسرائيل كقوة إحتلال عن الأوضاع الإنسانية المتدهورة في قطاع غزة، ويدحض بشكل قاطع الرواية التي سعت إلى تجريم الأونروا ونزع شرعيتها، مؤكدًا في المقابل ضرورة إستمرار عملها كركيزة إنسانية أساسية لما يزيد عن ستة ملايين لاجيء فلسطيني■
تساوق مع الضغوط والمزاعم الإسرائيلية
■ رغم هذا التأكيد القضائي الواضح الصادر عن محكمة العدل الدولية، والمواقف الصادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن والمفوض العام للأونروا، إستمرت بعض الدول المانحة في تبني مزاعم وتقارير سياسية وإعلامية تحريضية، من بينها ما صدر عن منظمة UN Watch، وتعاملت معها كحقائق مثبتة دون إجراء تحقيق مستقل أو التحقق من مصداقيتها. ويعكس ذلك مدى تأثر بعض السياسات التمويلية بحملات التحريض، حتى في غياب الأدلة، الأمر الذي أدى إلى استخدام هذه المزاعم كوسيلة ضغط على الأونروا، من خلال تقليص التمويل أو ربطه بشروط سياسية.
وتتقاطع هذه الممارسات مع إتجاهات لدى بعض الدول الغربية لتحويل التمويل الطوعي إلى أداة تأثير وضغط سياسي مباشر على عمل الوكالة، بما يمس ولايتها ويقوّض إستقلاليتها، في تعارض واضح مع مباديء القانون الدولي التي تحكم عمل المنظمات الدولية، ومع الإلتزامات القانونية والإنسانية والأخلاقية للمجتمع الدولي تجاه اللاجئين الفلسطينيين.
وتجلى هذا التساوق في إعلان 19 دولة في بداية العام 2024 تعليق تمويل الأونروا، إستناداً إلى مزاعم أمنية دون انتظار نتائج التحقيقات، وإقدام بعضها على نقل الدعم المالي لمنظمات دولية أخرى، في محاولة لتكريس منظمات بديلة عن الأونروا بما يتماشى مع المخططات الإسرائيلية لتفكيك الوكالة واستبدالها بمنظمات تقدم الخدمات إلى اللاجئين الفلسطينيين بدلاً عنها.
ورغم أن معظم الدول عادت لاحقاً لاستئناف التمويل نتيجة الإحراج بعد إنكشاف زيف المزاعم والأكاذيب والإتهامات الإسرائيلية ضد وكالة الأونروا، إلا أن ذلك يؤكد هشاشة الإعتماد على التمويل الطوعي وإحتمال تكرار مثل هذه الإجراءات في المستقبل■
(4)
الأهداف من الإبتزاز السياسي والمالي،
وآثاره على الحقوق الإنسانية
■ إن الإبتزاز السياسي والمالي الممارَس ضد وكالة الأونروا لا يقتصر على مجرد التحكم في ميزانياتها أو المساهمات المالية، بل يمتد إلى أهداف إستراتيجية أوسع تتعلق بتفكيك الوكالة وتقويض دورها، بهدف تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين ومحورها المتمثل بحق العودة إلى الديار والممتلكات الذي يكفله القرار الرقم 194؛ فاستهداف التمويل وفرض الشروط السياسية يُستخدم كوسيلة لإضعاف إستقلالية الأونروا، وتقليص تأثيرها الإنساني والسياسي، بما يمهد الطريق لإعادة تعريف مكانة اللاجيء الفلسطيني، وتقليص عدد المستفيدين من خدمات الوكالة، وتفكيك هيكلها الإداري والوظيفي.
وتأتي هذه الإستراتيجية في سياق الضغط على المجتمع الدولي، لتحجيم الدعم للأونروا، وتقويض قدرتها على حماية حقوق اللاجئين، بما في ذلك الحق في التعليم والصحة والعيش الكريم. وعليه، يُظهر هذا الإبتزاز السياسي والمالي أن التحدي الذي تواجهه الوكالة ليس مجرد أزمة تمويل عابرة، بل جزء من محاولات ممنهجة لتقويض المرجعية الدولية للأونروا، كونها أحد الركائز الرئيسية للإعتراف الدولي بحقوق اللاجئين الفلسطينيين.
■ وقد جاء القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بداية عام 2025 بتجميد المساعدات الخارجية ووقف التمويل مؤقتاً عن عدد من المنظمات الدولية والأممية، حيث أعلن الإنسحاب من 66 منظمة وكياناً (35 منظمة غير تابعة للأمم المتحدة و31 منظمة تابعة لها)، مبرراً ذلك بتعارضها مع المصالح الوطنية الأمريكية؛ كما شمل القرار تعليق المساهمات التمويلية لمدة 90 يوماً، بهدف إعادة تقييم أهداف هذه المنظمات وبرامجها ومدى توافقها مع التوجهات والسياسات الأمريكية.
وتكشف هذه الخطوة بوضوح عن ظاهرة تسييس التمويل الدولي، حيث لا تُدار الموارد المالية وفق إعتبارات تنموية أو إنسانية بحتة، بل تُوظَّف كأداة من أدوات ممارسة النفوذ السياسي وإعادة تشكيل الأولويات الدولية. وعليه، فإن الأزمات المالية التي تواجهها المنظمات الدولية لا يمكن فهمها بمعزل عن السياقات السياسية، بل تُعد في كثير من الأحيان إنعكاساً مباشراً لتحولات موازين القوى والقرارات السيادية للدول المانحة.
■ وفي هذا الإطار، طالت هذه الإجراءات الأونروا، حيث أدى وقف التمويل الأمريكي – الذي كان يشكّل ما يقارب 40% من ميزانيتها – إلى تعميق أزمتها المالية وخلق فجوة تمويلية حادة، ما يبرز بجلاء كيف يمكن للقرارات السياسية أن تُنتج أزمات مالية ذات آثار إنسانية واسعة النطاق.
وفي سياق متصل، إنما من موقع معاكس، جاءت مبادرة «الأمم المتحدة 80» – مارس/آذار 2025، بهدف تعزيز فاعلية المنظمة الدولية واستجابتها للتحديات المعاصرة، لا سيما في ظل أزمة التمويل التي تواجه عدداً من وكالاتها عقب تقليص الدعم الأمريكي للبرامج الإنسانية■
تقييم الأونروا
■ وفي هذا الإطار، كلّف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الخبير البريطاني إيان مارتن بإجراء تقييم استراتيجي شامل لعمل وكالة الأونروا، بهدف تحسين آليات تقديم خدماتها في ظل الظروف الراهنة، ومراجعة مدى فاعليتها في تنفيذ تفويضها الأممي، في ظل القيود السياسية والمالية والأمنية التي تواجهها، وصولاً إلى تقديم توصيات وخيارات عملية أمام الدول الأعضاء. وقد طرح مارتن، ضمن هذا التقييم، أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل الوكالة، لم تأتِ بصيغة حلول مباشرة، بقدر ما عكست مسارات بديلة، وهي:
• الجمود واستمرار الوضع القائم (الإنهيار المحتمل): إبقاء الأوضاع دون تدخل فعّال، بما قد يؤدي إلى إنهيار تدريجي أو فوضوي للأونروا نتيجة العجز المالي والضغوط السياسية.
• تقليص الخدمات: خفض نطاق خدمات الأونروا ونقل بعض مهامها إلى جهات أخرى، سواء وكالات أممية أو منظمات، بما يفضي إلى تفكيك تدريجي لدورها وتحويلها إلى جهة محدودة التأثير.
• تدويل المسؤولية: توزيع مهام الأونروا على أطراف متعددة من دول مانحة ووكالات دولية، ما يعني عملياً إضعاف مركزيتها وتحويلها إلى جزء من منظومة أوسع.
• الإبقاء على الدور الحقوقي مع نقل الخدمات تدريجياً: إبقاء الأونروا بوصفها وصياً على حقوق اللاجئين وإنشاء مكتب ومجلس تنفيذي لدعم المفوض العام، مع نقل تدريجي للخدمات إلى جهات أخرى، يحوّلها فعلياً إلى كيان رمزي أو تنسيقي.
■ تتقاطع هذه السيناريوهات الأربع عند نقطة جوهرية تتمثل في أنها لا تتجه نحو تعزيز دور الأونروا، بل نحو تقليصه أو إعادة تشكيله بمستويات متفاوتة. ولذلك، تنظر العديد من المرجعيات القانونية والسياسية إلى هذه المسارات بوصفها خطوات محتملة نحو إضعاف الوكالة أو تفكيكها تدريجياً، وتحويلها من مؤسسة خدمات شاملة إلى كيان تنسيقي محدود.
وفي هذا السياق، تثير هذه المقاربات تساؤلات حول مدى إستقلالية القرار الأممي، لا سيما في ظل ما يبدو أنه تساوق من قبل الأمين العام غوتيريش مع الضغوط الأمريكية. فبدلاً من الدفع نحو تحصين الوكالة وتعزيز قدرتها على مواجهة أزمتها المالية، جاءت نتائج وتوصيات التقييم الإستراتيجي في سياق يتقاطع مع توجهات تقليص التمويل، وبمخرجات تميل إلى إعادة هيكلة الأونروا، أو تقليص دورها. ويعكس ذلك نمطاً من التكيف المؤسسي مع أولويات وشروط وسياسات الدول المانحة الكبرى، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على حيادها واستقلالها، في ظل إختلال موازين التمويل وتزايد تأثير الإعتبارات السياسية على قراراتها■
الضغط لإعادة تعريف اللاجيء الفلسطيني
■ تعتمد الأونروا تعريفاً للاجئين الفلسطينيين بأنهم الأشخاص الذين كانت فلسطين هي مكان إقامتهم الطبيعي خلال الفترة الممتدة بين شهري 6/1946 و5/1948، والذين فقدوا منازلهم وسبل عيشهم نتيجة حرب 1948؛ كما يمتد هذا التعريف ليشمل أبناء لاجئي فلسطين الأصليين وذُريتهم، باعتبارهم مؤهلين أيضاً للتسجيل لدى الأونروا والإستفادة من خدماتها. ولا يستثني هذا التعريف اللاجئين الحاصلين على جنسية أخرى.
ورغم وضوح هذا التعريف، وإستناده إلى وثائق وسجلات رسمية معتمدة لدى الأونروا، يرفض الإحتلال الإسرائيلي الإقرار بأرقام الأونروا، ويدعي أن غالبية مجمل لاجئي فلسطين الأحياء اليوم لا يتجاوز عددهم 200 ألف لاجيء فلسطيني، مستنداً لتعريف اللاجيء الوارد في «ميثاق اللاجئين»- 1951، الذي يحرم نسل اللاجيء من مكانته القانونية، ويجرده من حقه بتوريث وضعه القانوني وحقوقه لذريته.
إلا أن هذه المزاعم الإسرائيلية تتجاهل أن إتفاقية عام 1951 نفسها إستثنت اللاجئين الفلسطينيين من نطاق تطبيقها، بموجب الفقرة د/1 التي تنص على عدم سريانها على الأشخاص الذين يتمتعون بحماية أو مساعدة هيئات أو وكالات تابعة للأمم المتحدة غير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين – UNHCR، وهو ما ينطبق مباشرة على ولاية الأونروا.
■ وفي السياق ذاته، وضمن مساع إسرائيلية- أمريكية متطابقة لتصفية قضية اللاجئين وحقهم في العودة، برزت خلال السنوات الأخيرة محاولات سياسية متعددة لإعادة تعريف اللاجيء الفلسطيني، لا سيما خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي طرح مشروعه المسمى «صفقة القرن» وهو يقوم على نسف قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، وأخرج ترامب قضية اللاجئين من خطته للتسوية، منطلقاً من دعوته إلى إعادة تعريف اللاجيء الفلسطيني، بحيث يقتصر على مواليد فلسطين ما قبل 15/5/1948، أما الآخرون، فيدرجون في صيغة بديلة، منها، على سبيل المثال، إحالة قضيتهم إلى المفوضية العليا للاجئين في العالم – UNHCR، أي نزع هويتهم الوطنية الفلسطينية، وإسقاط حقهم في العودة، لصالح البحث عن حلول توطينية لهم.
وبناءً على مشروع ترامب لتعريف اللاجيء، يتناقص عدد اللاجئين الفلسطينيين تناقصاً كبيراً، إذ ينحدر من 6 ملايين إلى عشرات الآلاف فقط، وهذا يعني بالمقابل، أن الأمم المتحدة لم تعد بحاجة إلى الأونروا، ولم تعد هذه المنظمة بحاجة إلى موازناتها المرصودة بالملايين. ويكشف ذلك أن طرح ومسعى إعادة تعريف اللاجيء يهدف بشكل واضح إلى إضعاف الوكالة والتشكيك بضرورتها وتقويض ولايتها.
■ وبالتالي يتضح، أن استهداف الأونروا يتم عبر مسارات متعددة، منها السعي إلى حلها بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهذا مسار معقد جداً، وخيار يصطدم بمعارضة شديدة من الدول الأعضاء، وإما بالعمل مع المانحين على إعادة تعريف اللاجيء، بما يقلص دورها إلى حد نفي ضرورة وجودها، وإما من خلال تجفيف مصادر تمويلها، لتعطيل برامجها وشل أجهزتها، وتحويلها إلى جثة هامدة، تنفي نفسها بنفسها.
وعليه، فإن حق العودة يشكل جوهر القضية، غير أن مصير وكالة الغوث، يمثل المدخل العملي للمساس بهذا الحق. ومن هنا، فإن معركة الدفاع عن حق العودة، ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالدفاع عن الأونروا، بوصفها إحدى الركائز القانونية والسياسية التي يستند إليها هذا الحق، كما أكدته قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 194، إلى جانب ما تمثله من إطار مرجعي مؤسسي يحفظ صفة اللاجيء وحقوقه القانونية والتاريخية■
تفكيك الوكالة كهيئة مستقلة
■ يهدف تخفيض التمويل أو ربطه بشروط سياسية إلى تقويض الإستقلالية المالية لوكالة الغوث، مما يضعف قدرتها على العمل كجهة دولية محايدة وموثوقة. هذا المسار يمهد الطريق لنقل مسؤولياتها إلى أطراف أخرى، ويترك ملايين اللاجئين الفلسطينيين بلا جهة دولية تضمن حقوقهم الأساسية في التعليم والصحة والإغاثة. كما يفقد اللاجئون مرجعيتهم الدولية في الدفاع عن حقهم في العودة، ويقلل من قدرة الوكالة على الصمود أمام الضغوط السياسية والمالية، ما يهدد إستمرار خدماتها واستقلاليتها. بهذا المعنى، يصبح تفكيك الأونروا جزءاً من إستراتيجية أوسع لتقويض دورها السياسي والحقوقي في حماية اللاجئين الفلسطينيين وتعزيز الإعتراف الدولي بحقوقهم، وتحويل الوكالة من مؤسسة مرجعية وموثوقة إلى جهة غير فعالة أمام التحديات الإنسانية والسياسية■
تسييس العمل الإنساني وإنتهاك الحقوق الأساسية
■ إن استخدام التمويل كأداة ضغط سياسي لا يقتصر أثره على الجوانب المالية، بل يمتد إلى جوهر عمل الأونروا وبرامجها، بما في ذلك البرامج والمناهج التعليمية، حيث إشترطت العديد من الدول المانحة بناء على ضغوطات واشنطن وتل أبيب تعديل العديد من النصوص بذريعة أنها تحرض على العنف وزرع الكراهية، وخصوصا في مواد التاريخ والجغرافية واللغة العربية ومواد أخرى، فربطت إستمرار تمويلها بشرط حذف كل محتوى يتعلق بالنضال والتاريخ الوطني الفلسطيني، وبالهوية الوطنية، والنكبة وحق العودة والعديد من النصوص المرتبطة بتاريخ القضية والرواية الفلسطينية، في خطة تهدف إلى غسل دماغ الأجيال الفلسطينية الناشئة وجعلها منزوعة الحس والوعي الوطني، ومؤهلة لتقبل الواقع المفروض بقوة الإحتلال وتقبل أي حل للمسألة الفلسطينية، والتوقف عن تبني الرواية الفلسطينية للقضية الوطنية ولحقوق الشعب الفلسطيني التي كفلتها قرارات الشرعية الدولية.
■ ويشكل هذا المساس إنتهاكاً مباشرا ً لحق الطالب في معرفة هويته الوطنية وتاريخه الثقافي والإجتماعي، وحقه في التعبير عن إنتمائه الوطني بحرية، وهو حق مكفول بموجب المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ كما وتعد محاولة تغيير أو تكييف المناهج لتتوافق مع أجندات وشروط سياسية محددة إنتهاكاً أيضاً للحقوق الثقافية والتعليمية، المنصوص عليها في المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، التي تكفل الحق في التعليم بما يحفظ الهوية الثقافية والوطنية.
وبذلك، فإن ربط التمويل بشروط تتعلق بالمناهج أو بمواقف الموظفين والتلاميذ لا يشكل إنتهاكاً لمبدأ حياد العمل الإنساني واستقلالية الأونروا فحسب، بل يترتب عليه أثر مباشر على الحقوق الأساسية للأفراد، وبما في ذلك الحق في التعليم المرتبط بالهوية الوطنية، والحق في التعبير عن الإنتماء الوطني بحرية دون ضغوط سياسية، مع الإشارة إلى أن العديد من المنظمات الدولية والحقوقية أكدت بطلان المزاعم الإسرائيلية والغربية بشأن مناهج التعليم، واعتبرتها أكاذيب وافتعال مشكلات وأزمات لوضع العراقيل أمام تمويل الوكالة.
هذا الواقع يقوّض الثقة في الأطر الدولية ويحول الأونروا إلى أداة لخدمة أجندات سياسية محددة بيد الهيمنة والمصالح الأمريكية – الاسرائيلية، ويفقدها موقعها كشاهد على النكبة، ومؤسسة معنية بالمساهمة في بناء المجتمع الفلسطيني، وهو ما يشكل تهديداً لمصداقية النظام الدولي في حماية اللاجئين■
آثار الإبتزاز على الحقوق الإنسانية
■ تؤدي هذه السياسات إلى آثار ملموسة على ملايين اللاجئين الفلسطينيين، حيث تقدم الأونروا خدماتها لأكثر من 5,9 مليون لاجيء فلسطيني في الضفة الغربية، غزة، الأردن، سوريا ولبنان. وتدير نحو 700 مدرسة تستوعب أكثر من نصف مليون تلميذ، و140 مركزاً صحياً، وتعمل مع أكثر من 30 ألف موظف. وقد أدت الأزمة المالية الناتجة عن توقف أو تراجع التمويل إلى اتخاذ الوكالة مجموعة من التقليصات التي طالت البرامج الصحية والطبية، وخفض برامج التعليم أو دمج المدارس والصفوف لتقليل الكلفة، وتراجع المساعدات الإنسانية والغذائية؛ كما أقدمت الوكالة على فصل مئات الموظفين من غزة وعمان، ووقف التوظيف، وتقليص عقود العمل من ثلاث سنوات إلى سنة واحدة، وتوقف أو تأجيل المشاريع التنموية والخدمات المجتمعية، ما أثر على الإستقرار والأمان الوظيفي والإجتماعي والإقتصادي للاجئين الفلسطينيين.
■ كما شكل القرار الذي أعلنه المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني- 1/2/2026 والقاضي بـتقليص ساعات العمل الأسبوعية بنسبة 20%، مع تخفيض الرواتب للموظفين بالنسبة نفسها، ضربة قوية للأمان الإجتماعي والإقتصادي والمعيشي للاجئين والعاملين في الوكالة، وبرره بوجود أزمة مالية غير مسبوقة تعيشها الأونروا نتيجة تعليق التمويل من جهتين مانحتين رئيسيتين كانتا تشكّلان قرابة ثلث ميزانية البرامج التي تدفع منها رواتب الموظفين المحليين، إلى جانب الزيادات غير الكافية في التمويل من مصادر أخرى.. وقد أدَّت الحملة التي تقودها حكومة الإحتلال الإسرائيلي ضد الأونروا، وما رافقها من إدعاءات تتعلق بانتهاكات الحيادية – حتى بعد دحضها – إلى تخفيض المساهمات أو فرض شروط تضييقية إضافية من عدد من الجهات المانحة التقليدية، ما قاد بالنتيجة إلى نتائج سلبية ساهمت في زيادة الفقر وتفاقم الأزمات المعيشية وتراجع في برامج الخدمات والتقديمات، وشكل – في الوقت نفسه – مساساً فعلياً بالحقوق الإنسانية المكفولة، الأمر الذي يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لضمان إستقلالية الأونروا واستمرارية عملها■
(5)
إدارة الأونروا وسياسة التكيف مع الأزمة والضغوط
■ مع تصاعد حرب الإبادة الجماعية التي شنّها الإحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، وازدياد وتيرة الإستهداف الممنهج الرامي إلى تصفية وإنهاء أعمال الأونروا، كان من المفترض أن يشكّل هذا الواقع دافعاً لإدارة الوكالة لاعتماد سياسات دفاعية فعّالة، تهدف إلى حماية دورها وتوفير شبكة أمان مالية وسياسية ومؤسسية تضمن إستمرار خدماتها الحيوية، آخذين بالإعتبار أن أزمة الأونروا ليست مالية أو تقنية فحسب، بل هي أزمة سياسية بالدرجة الأولى، ناتجة عن ضغوط أمريكية – إسرائيلية لأغراض معروفة.
ورغم إتخاذ الوكالة عدد من الخطوات لإدامة خدماتها، ورفع الصوت لوقف المجازر وضمان وصول بعض المساعدات، ومجابهة حملات التشويه لنزع شرعيتها بهدف تقويض حقوق اللاجئين، إلا أن السياسات المالية المتعثّرة التي إنتهجتها إدارة الأونروا خلال السنوات الخمس الأخيرة – 2020/2025، ساهمت في مفاقمة الأزمات وتراجع نوعية الخدمات، حيث إعتمدت سياسة «إدارة العجز» والتقشف والتكيّف مع الأزمة، وهو ما إنعكس سلباً على مستوى الخدمات المقدّمة للاجئين وعلى حقوق العاملين في الوكالة■
جذور الأزمة .. مقاربة المفوض العام
■على الرغم من أن الأسباب الرئيسية للأزمة تعود إلى سياسات الدول المانحة تجاه الأونروا، إستجابة للضغوط الأمريكية والإسرائيلية التي بدأت منذ إتفاقيات أوسلو وتصاعدت حدّتها لاحقاً، فإن ثمة عوامل داخلية ساهمت أيضاً في تفاقم الأزمة، تمثلت في نهج الإدارة العليا للوكالة، بما في ذلك المفوض العام وكبار مساعديه، الذين إتجهوا نحو التكيّف مع الضغوط بدلاً من مواجهتها، واللجوء إلى خيارات صعبة، من بينها تقليص الخدمات وإلغاء بعض البرامج الأساسية لسد العجز المالي على حساب حقوق اللاجئين وإحتياجاتهم.
■ بدلاً من إعتماد نهج ضاغط وفعّال لحماية ولاية الأونروا، إنتهج المفوض العام فيليب لازاريني سياسة تقوم على التقشف وإدارة العجز. وقد تجلّى هذا التوجه في طرح خيارات إعتُبرت من «المحرّمات» بالنسبة للاجئين، أبرزها مسألة «الشراكات» مع منظمات دولية أخرى، كما ورد في تعميم داخلي- 23/4/2022، حيث أشار إلى إمكانية معالجة الأزمة من خلال قيام منظمات دولية بتقديم الخدمات نيابة عن الأونروا.
وقد أثار هذا الطرح موجة واسعة من الرفض والقلق في الأوساط الفلسطينية، نظراً لما يحمله من تداعيات قانونية وسياسية تمسّ جوهر التفويض الممنوح للوكالة بموجب القرار الأممي 302، إذ يفتح المجال أمام نقل وظائفها تدريجياً إلى جهات أخرى، بما يؤدي إلى إضعافها أو تفكيكها.
وأمام هذا الرفض الواسع، عاد المفوض العام للتأكيد على الإلتزام بنص المادة 18 من القرار ذاته، التي تنص على التعاون والتنسيق مع وكالات الأمم المتحدة، دون أن يمتد ذلك إلى تفويضها القيام بمهام الأونروا الأساسية نيابةً عنها.
■ كما أثارت تصريحات أطلقتها نائب المفوض العام للوكالة أنطونيا دي ميو، في مقال لها يعود إلى مايو/أيار 2025 جدلاً فلسطينياً، حيث أعربت فيها عن إستعداد الوكالة لنقل خدماتها إلى إدارة فلسطينية «في ظل إحتمالات حقيقية للتوصل إلى حل سياسي»، وهو ما يتناقض مع مهام الوكالة التي يتوجب أن تتواصل بموجب القانون الدولي حتى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وفق القرار 194، حسبما أكدت جهات فلسطينية. وفي مقال لها بعنوان «الأونروا شريان حياة للأمل» نشرته في مجلة Cairo Review of Global Affairs الصادرة عن الجامعة الأمريكية في القاهرة، قالت دي ميو، إن «وكالة الأونروا ليست لديها مصلحة في الإستمرار إلى الأبد، وأنها مستعدة لدعم عملية إنتقالية محددة زمنياً، تتولى خلالها إدارة فلسطينية تقديم الخدمات التي تقوم بها الوكالة حالياً».
■ وبالخلاصة فقد إتسم أداء الإدارة في مجال حشد التمويل ببطء ملحوظ، وغياب المبادرات المبتكرة لتوسيع قاعدة المانحين، ما ساهم في تفاقم الأزمة، رغم أن فجوة التمويل السنوية بقيت ضمن حدود قابلة للمعالجة (نحو 200 مليون دولار)؛ كما عكست مقاربة الإدارة نوعاً من التسليم بالأمر الواقع، والتكيّف مع الضغوط المالية، بدلاً من مواجهتها عبر أدوات سياسية وقانونية ودبلوماسية أكثر فاعلية■
أبرز إجراءات الإدارة
تقليص الخدمات: تمثل ذلك في دمج أو إغلاق عدد من المدارس والعيادات، ووقف برامج الترميم والإعمار داخل المخيمات، وكذلك برنامج الشؤون والمساعدات لحالات العسر الشديد، وتخفيض قيمة التغطية الإستشفائية للمرضى، إلى جانب ضعف الإستجابة للأزمات الإنسانية المتفاقمة، بما إنعكس سلباً على مستوى الخدمات الأساسية المقدمة للاجئين.
المناهج التعليمية: شهدت هذه المرحلة إستجابة لضغوط سياسية هدفت إلى تعديل بعض المضامين التعليمية، إستناداً إلى توصيات تقارير دولية، وهو ما أثار إعتراضات ومخاوف واسعة من المساس بالهوية الوطنية والثقافية للاجئين.
سيف الحيادية: أدت سياسات «الحياد» بصيغتها المتشددة إلى تقييد التعبير عن الهوية الوطنية، ومنع بعض الأنشطة الطلابية والرمزية. كما جرى تطبيق نظام الموظفين الخاص بالأمم المتحدة بشكل جامد، دون مراعاة خصوصية العاملين بوصفهم جزءاً من مجتمع اللاجئين، أو الدور الذي تضطلع به الأونروا في حماية الحقوق الأساسية، باعتبارها مصدراً رئيسياً للعيش والخدمات لمئات آلاف اللاجئين.
الإستجابة البطيئة للأزمات: برزت فجوات واضحة في الإستجابة للكوارث والحروب والأزمات، خاصة في قطاع غزة ولبنان، حيث تم تقليص أو تعليق بعض الخدمات بذريعة نقص التمويل، بما في ذلك الإنسحاب المبكر من بعض مناطق شمال غزة في بداية الحرب، وهو ما أثار إنتقادات واسعة، إلى جانب ضعف الإستجابة في تنفيذ خطة طواريء إغاثية شاملة للاجئين والنازحين الفلسطينيين في لبنان خلال العدوان الإسرائيلي بين عامي 2024-2026.
التعاطي مع الضغوط الإسرائيلية: رغم المواقف الرسمية الرافضة للإجراءات والتشريعات الإسرائيلية المقيدة لعمل الأونروا، إتخذت الوكالة خطوات إعتُبرت استجابة عملية لهذه الضغوط، من بينها إغلاق مقرها الرئيسي في القدس ونقله إلى عمّان، إلى جانب تقليص عدد من الوظائف المحلية.
على صعيد الموظفين: إعتمدت الإدارة سياسات أثرت بشكل مباشر على حقوق العاملين، تمثلت في وقف التوظيف الدائم منذ تشرين الثاني/نوڤمبر 2020، والإستعاضة عنه بعقود مؤقتة، إضافة إلى تأخير صرف الرواتب أو تجزئتها في بعض الفترات، وشطب عدد كبير من الوظائف في مختلف الأقاليم. كما فُرضت إجازات قسرية غير مدفوعة أو منقوصة الأجر على مئات الموظفين، لا سيما في قطاع غزة، إلى جانب إتخاذ إجراءات تأديبية بحق عدد من العاملين على خلفية ممارستهم لحقوقهم النقابية، وفصل بعض الحالات بناء على إدعاءات ومزاعم الإحتلال، وتبرير ذلك بأنه «حرصاً على مصلحة الوكالة»؛ كما شهدت هذه المرحلة تضييقاً على الإتحادات النقابية ونشاطها، خصوصاً في الضفة الغربية ولبنان، الأمر الذي أثار مخاوف جدية بشأن تراجع ضمانات الحماية الوظيفية وحقوق العاملين داخل الوكالة■
(6)
سلطة الجمعية العامة في إصلاح تمويل الأونروا
■ يشكل ميثاق الأمم المتحدة أساساً قانونياً واضحاً يتيح للجمعية العامة التدخل في مسألة تمويل الأونروا وضمان إستدامته. فبموجب المادة 22 من الميثاق، تملك الجمعية العامة صلاحية إنشاء الأجهزة الفرعية اللازمة للقيام بوظائفها، وهو الأساس الذي إستند إليه قرار إنشاء وكالة الأونروا كهيئة دولية تعنى بشؤون اللاجئين الفلسطينيين. كما تمنح المادة 17 الجمعية العامة سلطة إقرار ميزانية الأمم المتحدة وتوزيع نفقاتها على الدول الأعضاء، بما يشمل إمكانية تنظيم آليات تمويل الهيئات التابعة لها. وبالربط بين هاتين المادتين، يتضح أن الجمعية العامة لا تملك سلطة إنشاء الأونروا فحسب، بل أيضاً الأساس القانوني لإقرار ترتيبات تمويل أكثر إستقراراً وإستدامة، بما يضمن إستقلالية الوكالة وإستمرارية عملها، ويعزز إلتزام المجتمع الدولي بمسؤولياته تجاه اللاجئين الفلسطينيين. وبموجب هذه الصلاحية، يمكن للجمعية العامة إعادة هيكلة تمويل الأونروا، بما يتيح دمج جزء من ميزانية الوكالة ضمن الميزانية العادية للأمم المتحدة، أو إعتماد آليات تمويل إلزامية جزئية، بما يحميها من الإعتماد الكلي على التمويل الطوعي الذي قد يكون مشروطاً سياسياً، أو قابلاً للوقف المفاجيء■
المباديء القانونية التي تستند إليها الجمعية العامة
■ مبدأ إستمرارية المرافق الدولية: يؤكد القانون الدولي أن المؤسسات التي تقدم خدمات أساسية وطويلة الأمد، مثل التعليم والرعاية الصحية والإغاثة الإنسانية، يجب أن تتمتع بتمويل مستدام يضمن عدم إنقطاع هذه الخدمات، كما أكدت ذلك قرارات الجمعية العامة بشأن المنظمات الإنسانية الدولية، مثل UNHCR وUNICEF، حيث تم في بعض السنوات إدماج جزء من ميزانياتها ضمن التمويل العادي لضمان إستمرارية برامجها، وساهم هذا الدعم بتغطية جزء من بعض النفقات وخصوصاً للموظفين الدوليين وتكاليف جزء من البنية التحتية القانونية والإدارية.
الإلتزامات الدولية تجاه حقوق الإنسان: تمويل الأونروا جزء من إلتزامات الدول الأعضاء لضمان حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المواد 22 و25) + العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية (المواد 12 و13). ومن هذا المنطلق، فإن تعطيل التمويل أو ربطه بشروط سياسية يشكل مسّاً مباشراً بحقوق الإنسان، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية.
مبدأ إستقلالية المنظمات الدولية: تنص قواعد القانون الدولي العام على أن الهيئات الدولية يجب أن تحافظ على حيادها واستقلالها عن الضغوط السياسية للدول الأعضاء. وتؤكد مباديء القانون الدولي وحوكمة المؤسسات الدولية أن إستقلالية التمويل من عناصر ضمان الإستقلال المؤسسي، وأن ربط التمويل بشروط سياسية يعد تقويضاً لمبدأ الحياد وإستقلال المؤسسة.
■ هذا الإطار القانوني يوضح أن الجمعية العامة تمتلك أدوات سياسية وقانونية تمكنها من تقليل الإعتماد الكلي على التمويل الطوعي، بما يحمي إستقلالية الوكالات ويحصنها من الإبتزاز السياسي والمالي. ويشكل هذا سابقة يمكن إستلهامها لتأمين تمويل مستدام للأونروا، يحفظ حقوق اللاجئين الفلسطينيين ويعزز إلتزامات المجتمع الدولي بموجب القانون الدولي وحقوق الإنسان.
من هذا المنطلق، فإن صلاحيات الجمعية العامة لا تقتصر على البعد الإداري، بل تمثل إطاراً قانونياً دولياً لضمان تمويل محايد ومستدام للأونروا، يحمي إستقلاليتها ويصونها من أي محاولات ضغط سياسي أو مالي، ويؤكد مسؤولية المجتمع الدولي عن الوفاء بالتزاماته تجاه اللاجئين الفلسطينيين. وعليه، يجب أن يقوم أي تعديل على آلية التمويل على أسس واضحة ومستندة إلى مباديء القانون الدولي، والإلتزامات الإنسانية، والإستدامة المالية، باعتبارها ركيزة لضمان إستمرار الخدمات وحماية الحقوق الأساسية للاجئين.
■ في الخلاصة: يمكن تأسيس مبدأ قانوني جديد مفاده أن الهيئات الدولية التي تقدم خدمات إنسانية أساسية وطويلة الأمد يجب أن تتمتع بتمويل مستدام محصن ضد الضغوط، إستناداً إلى: مبدأ إستمرارية المرافق العامة، مبدأ إستقلالية المنظمات الدولية، الإلتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان، مبدأ تقاسم الأعباء. هذا المبدأ يوفر أساساً قانونياً لتطوير إصلاحات مؤسسية تضمن أن التمويل لا يُستغل كأداة للإبتزاز أو لتصفية الحقوق الأساسية للاجئين■
(7)
الدور الفلسطيني والعربي المطلوب لتحقيق التمويل المستدام
■ إن مواجهة هذه المخاطر والتحديات التي تتعرض لها وكالة الغوث، وبخلفياتها السياسية المعروفة، المتمثلة بالسعي الأمريكي- الإسرائيلي إلى تفكيك الوكالة وتجويفها لتصفيتها والخلاص منها، باتت تفرض الإضطلاع بدور وإعتماد سياسة ترقى إلى مستوى التصدي لهذه المخاطر، حيث لم يعد يكفي الركون إلى القرارات الدولية لتحصين وحماية الأونروا، بما يشمل أيضاً القرار 302، والتصويت المتكرر في الجمعية العامة للأمم المتحدة لتجديد تفويض وكالة الأونروا، للوقوف أمام تصاعد وتيرة مساعي التفكيك والإستهداف التي تتعرض لها الوكالة من مختلف الإتجاهات.
■ ومن هنا، يفترض تبني إستراتيجية قانونية ودبلوماسية متكاملة داخل الأمم المتحدة لحماية الوكالة وإخراجها من دائرة الإستهداف والابتزاز السياسي والمالي، وتوظيف العلاقات الثنائية مع الدول المانحة للتأثير على مواقفها والحد من إستخدام التمويل كأداة ضغط سياسي؛ كما يجب الدفع نحو إدراج تمويل الأونروا ضمن الميزانية العادية للأمم المتحدة وبناء تحالفات سياسية وقانونية مع الدول الداعمة. ولعل التصويت المتكرر بالأغلبية الساحقة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح تجديد تفويض الوكالة يؤكد إمكانية صياغة تحالف دولي داخل الجمعية قادر على إستصدار قرار يلزم الأمم المتحدة بدعم تمويل مستدام للأونروا، ويربط التمويل المستدام بالإلتزامات الدولية تجاه حقوق الإنسان.
إن ضمان تمويل مستدام للأونروا يمثل إختباراً حقيقياً لمدى إلتزام المجتمع الدولي بمباديء العدالة الدولية وحماية الحقوق الأساسية. ويظهر جليًا أن الإعتماد على التمويل الطوعي المشروط واستخدام ذريعة الحيادية كأداة إبتزاز يجعل الوكالة عرضة للتقلبات السياسية، بما يحمله ذلك من مخاطر تهدد الإستقرار الإجتماعي والإقتصادي لملايين اللاجئين الفلسطينيين■
عن التحرك الفلسطيني
■ إن التحرك الفلسطيني الفاعل (وبقدر ما يتكامل مع التحرك العربي) يمثل مفتاح المواجهة في هذا المسار، سواء من خلال العمل السياسي، القانوني، الدبلوماسي… ولا يقتصر الهدف على الإستقرار المالي للأونروا، بل يشمل ضمان إستقلاليتها، حماية حقوق اللاجئين، تعزيز مصداقية الأمم المتحدة، وتحصين الوكالة ضد الإبتزاز السياسي والمالي. وعلى هذا الأساس، ينبغي وضع رؤية وإستراتيجية وطنية فلسطينية موحدة تنسق الجهود الدبلوماسية والسياسية والقانونية والإعلامية والشعبية، من خلال:
• تشكيل لجنة وطنية فلسطينية متخصصة للدفاع عن الوكالة تعمل كمظلة تنسيقية لتوحيد الجهود ومتابعة الملفات السياسية والقانونية والإعلامية لحماية الأونروا ومتابعة أوضاعها، تضم كافة الأطراف المعنية في دوائر ومؤسسات م.ت.ف، وخصوصاً دائرة شؤون اللاجئين، ووزارة الخارجية، والسفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج، والإتحادات واللجان الشعبية والمؤسسات الجالوية الفلسطينية في بلدان المهجر.
• تأطير وتنظيم التحرك الفلسطيني بكافة مستوياته وإتجاهاته، بما يؤدي إلى بناء ركيزة قوية تشكل قاطرة لحشد أكبر دعم وتأييد للجهد الفلسطيني المطلوب لحماية الأونروا، وتوفير شبكة أمان سياسي ومالي لها، لضمان إستمرار عملها وأداء دورها ومسؤولياتها تجاه اللاجئين الفلسطينيين وتقديم الرعاية والخدمات المطلوبة لهم.
• وضع خطة منظمة للتصدي لكل محاولات تشويه وشيطنة الوكالة ومواجهة حملات التحريض، ووضع الخطط الكفيلة بدحض المزاعم الإسرائيلية. وهذه قضية ومسؤولية وطنية تتحملها الجهات والمؤسسات والدوائر الرسمية والشعبية الفلسطينية، المطالبة بتكثيف ومضاعفة جهودها وتفعيل وتطوير دورها بما يتناسب وحجم التحدي والمخاطر التي تتعرض لها قضية اللاجئين ومشاريع تصفية حق العودة من بوابة القضاء على الأونروا.
• تفعيل الحركة الشعبية والجماهيرية المنظمة والموحدة، لتعزيز الدعم المجتمعي للوكالة، ورفع الصوت لإبراز معاناة اللاجئين وحماية الوكالة من الإستهداف السياسي والمالي الذي تتعرض له■
وعلى الصعيد العربي
■ تقع مسؤولية كبرى على الدول العربية، ولا سيما الدول المضيفة للاجئين الفلسطينيين، باعتبارها صاحبة مصلحة رئيسية في حماية الوكالة وبقائها وإستمرار عملها، كونها تتحمل مسؤولية إستضافة ملايين اللاجئين على أراضيها، وتتأثر بشكل مباشر بأية إهتز

