| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 25/3/2026
تقديرات اسرائيلية أن ترامب يتوجه نحو الاتفاق مع ايران في القريب
بقلم: رفيت هيخت
في الاسبوع الاول، اثناء الافتتاح الكبير، تخيل المتحدثون باسم الحكومة وبثقة تغيير النظام في ايران في غضون شهر، وتفكيك برنامج الصواريخ البالستية بالكامل، وبالطبع ازالة التهديد النووي الى الابد. ولكن كل ذلك تم استبداله في الايام الاخيرة بخطاب يبرز بتواضع المزايا النسبية للاتفاق. هذا نتيجة افتراض واسع النطاق في الحكومة بان الرئيس الامريكي دونالد ترامب يتوجه بالفعل نحو ذلك.
لقد نسينا تغيير النظام منذ فترة، واصبحت الصواريخ البالستية فجأة “شيء اثبتنا القدرة على التكيف معه”، حسب قول اعضاء الحكومة. لم يبق الا اليورانيوم المخصب كوصمة عار، يجب تفسير وجودها المستمر. وزير في الحكومة قال: “اذا انتهى هذا الاتفاق بدون اليورانيوم فاننا نستطيع الذهاب للبحث عن الاصدقاء. انا لا اعتقد ان ذلك سيحدث، لن نوافق على ذلك، لكن للاسف، يبدو ان ترامب مصمم على عقد الاتفاق، ولانه اربك الجميع فلم يعد احد يعرف ما الذي ينوي فعله”.
كان من المفروض ان تكون الحرب ورقة نتنياهو الرابعة قبل الانتخابات القادمة. وحتى قبل اندلاعها كان نتنياهو ومن يؤيدونه يهدفون الى سحق المحور الشيعي، والسعي الى ازدهار اقليمي نتيجة لاتفاقات سلام مع السعودية وحلفائها. في غضون ذلك لم تخل هذه الحرب بتوازن الكتل فقط، بل الحقت بنتنياهو ايضا رائحة الفشل. على الاقل يجب على انصاره الذين ما زالوا ينفون الوضع التصدي لرائحة التخبط الصعبة والبحث عن المسؤولين عنها. قريبا، بعد برنياع، سيتهمون رابين واوسلو.
لقد نجح نتنياهو في توريط ترامب في الحملة العسكرية. وربما هذا هو انجازه الاكبر. ولكن الرئيس يظهر مؤشرات متزايدة على الاقتراب من استنفاد هذا الزخم. فقد اكتشف الايرانيون انهم لا يحتاجون الى السلاح النووي على الاطلاق، بل لديهم ورقة استراتيجية قوية تتمثل في السيطرة على اسعار النفط. ويتوقع ان تنتهي الحرب بهذه الطريقة بعد حل مشكلة لم تكن موجودة قبل ذلك، وهي حرية الملاحة في مضيق هرمز. سيسوق ترامب ونتنياهو الاتفاق مع ايران على انه انتصار. وهذا الاتفاق، اذا تحقق، سيكون ضمن النطاق الذي توصل اليه الطرفين منذ اندلاع الحرب، في اعقاب الاتفاق النووي المثير للجدول من العام 2015. من المحتمل ان تدعم ايران مساعي الطرفين لتسويق هذا الانتصار، وأن توافق على تقديم تنازلات معينة حول قضية اليورانيوم، أو على الاقل اخضاعه للرقابة.
مع ذلك، لا يمكن لأي عاقل الا التقرير بان وضع اسرائيل الاستراتيجي، ووضع الولايات المتحدة ايضا، قد تدهور بشكل ملحوظ نتيجة الحرب. المجازفة الكبيرة التي قام بها نتنياهو لم تؤت ثمارها. لم تقوض الحرب تحذيرات القوة العظمى في العالم وفي الشرق الاوسط فقط، بل كشفت ايضا للاسرائيليين انهم تعرضوا للتضليل الصريح حول النجاحات المزعومة في السابق.
ايضا هذا فيما يتعلق بنتيجة حرب الـ 12 يوم مع ايران في شهر حزيران، وبالاساس فيما يتعلق بوضع حزب الله الذي الذي يحكم قبضته من جديد على شمال البلاد. يقول الوزير: “الوضع في الشمال معقد اكثر بكثير من الوضع مع ايران. وبالنظر الى السابق تبين ان التقارير التي اشارت الى ضعف حزب الله كانت مبالغ فيها”. بعد حرب لبنان الثانية التي انتهت بنتائج صعبة، اجبر رئيس الحكومة في حينه، اهود اولمرت، على العودة الى بلاده وهو مهان. وبالنظر الى الماضي يتبين ان حرب 2006 جلبت فترة هدوء اطول بكثير مما شاهدناه في السنتين والنصف الاخيرين.
على الجبهة الشمالية، مثلما هي الحال مع ملف ايران، يتجلى مرة اخرى عدم كفاءة نتنياهو السياسية. فالحكومة اللبنانية التي تقف امام ايران الان بدون أي دعم لديها تحفظاتها ونقاط ضعفها التي تمنعها من السير قدما نحو الاتفاق مع اسرائيل. مع ذلك، لا يسعى نتنياهو ايضا الى عقد اتفاق، ويرفض في نفس الوقت التعامل مع الحكومة اللبنانية كشريك، بل كمقاول في افضل الحالات، وكأداة في اسوأ الحالات. وبدون انعطافة في الساحة السياسية فان مصير الشمال، الذي يتعرض لجولات حرب متكررة تشل في كل مرة ما تبقى لديه من قوة في الجولة السابقة، يبقى غير واضح.
مع ذلك، رغم هذه الاخفاقات، فانه من السابق لاوانه تابين نتنياهو. فكما ان انتصار ساحق في هذه الحرب لم يكن ليجلب له ناخبين من المعسكر الديمقراطي، ايضا لا يتوقع ان يؤدي فشله الحالي الى انتقال عدد كبير من مؤيديه الى صفوف المعارضة. لقد اثبت جمهور نتنياهو بالفعل بعد 7 اكتوبر انه لا ينوي الحكم عليه بموضوعية.
——————————————
معاريف 25/3/2026
حرية الملاحة في مضيق هرمز قضية محورية
بقلم: البروفيسور أماتسيا برعم
قال يوليوس قيصر في العاشر من كانون الثاني من العام 49 قبل الميلاد: “لقد حُسم الأمر، وسقط الروبيكون”، عندما عبر نهر الروبيكون بجيشه، مخالفًا بذلك تعليمات مجلس الشيوخ الروماني، مُشعلًا بذلك فتيل الحرب الأهلية. هذا يعني أن القرار قد اتُخذ، ولا رجعة فيه. كان الرهان على الحرب في 28 شباط مُبررًا تمامًا من وجهة نظر الولايات المتحدة وإسرائيل، أو ربما كان هناك سبيل آخر أبطأ، كالحصار الاقتصادي الشامل، لكن الأمر لم يعد مهمًا الآن. لقد سقط الروبيكون، ولا رجعة فيه.
أثار الهجوم رغبة جامحة في الانتقام لدى النخبة الحاكمة الإيرانية، والتي أُضيفت إلى التزامها الأيديولوجي الذي دام 47 عامًا بالقضاء علينا. كما قضت إسرائيل على أبرز القادة المتطرفين البراغماتيين، وملأ الفراغ الذي خلّفه قادة الحرس الثوري المتطرفون غير البراغماتيين. بالنسبة لإسرائيل، يكمن الخط الفاصل بين النجاح والفشل، قبل كل شيء، في مصير 460 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة. اليوم، لم يعد النظام الإيراني يتردد، وهو مصمم على الاسراع في صنع القنبلة باعتبارها الضمانة الوحيدة لبقائه. بالنسبة للولايات المتحدة، وبشكل غير مباشر لإسرائيل أيضًا، تُعدّ حرية الملاحة في مضيق هرمز قضية محورية. من شأن الإطاحة بالنظام الإيراني أن تُساعد، بالطبع، لكنها ليست ضرورية.
إغلاق تاريخي
مضيق هرمز هو الممر المائي الضيق الذي يربط المحيط الهندي وبحر العرب وخليج عُمان بالخليج العربي. يبلغ طوله 167 كيلومترًا، ويتراوح عرضه بين 34 و97 كيلومترًا. يضم المضيق عدة جزر، منها جزيرة هرمز، التي يُعتقد أنها سُميت تيمنًا بالإله الزرادشتي أهورا مزدا. كما يضم عدة جزر استراتيجية، منها جزيرة طنب الكبرى، وجزيرة طنب الصغرى، وجزيرة أبو موسى، التي استولت عليها إيران من إمارة الشارقة عام 1971، وهي اليوم قواعد عسكرية للحرس الثوري. يبلغ أقصى عمق للمضيق حوالي 200 متر. وهو ممر مائي يمكن أن تبحر فيه ناقلات النفط العملاقة، إلا أنه يسهل السيطرة عليه عسكريًا من السواحل الإيرانية والجزر الصغيرة التي تسيطر عليها إيران. حتى بداية الحرب الحالية، كان نحو 20% من الغاز الطبيعي المسال في العالم، بالإضافة إلى 25% من إجمالي النفط المنقول بحراً، يمر عبر مضيق هرمز.
يتمتع هذا المضيق بتاريخ عريق. ففي القرنين الثالث عشر والخامس عشر، كانت مملكة هرمز من أهم المراكز التجارية في آسيا، حيث ركزت تجارة التوابل والمنسوجات واللؤلؤ والمعادن النفيسة بين الهند والصين وشرق أفريقيا والخليج العربي، ومنها إلى العالم الإسلامي، ولا سيما إيران والدولة العثمانية، وحتى شمال أفريقيا. وفي العام 1507، غزا البرتغاليون، الذين كانوا قوة بحرية عظمى، مملكة هرمز وسيطروا على المضيق، وحققوا إيرادات ضخمة من الضرائب المفروضة على التجارة المارة عبرها. واليوم، تعلن إيران أنها ستبدأ أيضاً بتحصيل ضريبة عبور قدرها مليونا دولار لكل سفينة. وقد بنى البرتغاليون العديد من الحصون على جزيرة هرمز وعلى سواحلها.
في الفترة ما بين عامي 1622 و1625، تحالف عسكري بين السلالة الصفوية الفارسية (التي حوّلت إيران إلى دولة شيعية) بقيادة عباس شاه الأول وشركة الهند الشرقية البريطانية، بمساعدة هولندية، لطرد البرتغاليين من معظم المنطقة. ومنذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى العام 1971، كانت بريطانيا القوة المهيمنة في المنطقة، وكان لها، إلى جانب الولايات المتحدة، تأثير حاسم على إيران.
بدأت أهمية المضائق تكتسب طابعًا عالميًا تدريجيًا ابتداءً من العام 1908، عندما اكتُشف حقل مسجد سليمان النفطي الضخم في إيران، مما أدى إلى إنشاء شركة البترول الأنجلو-فارسية الخاضعة للسيطرة البريطانية. ويتم تصدير النفط عبر مضيق هرمز. وفي آذار 1938، اكتُشف حقل نفطي هائل في الدمام في المملكة العربية السعودية. أدى هذا الاكتشاف، الذي أعقبه اكتشافات لحقول نفط وغاز غنية في البحرين والكويت وقطر وعُمان والإمارات العربية المتحدة، إلى جعل مضيق هرمز عنق الزجاجة الذي تتدفق عبره كمية هائلة من الطاقة إلى بقية العالم.
حتى الحرب الحالية، لم تُفرض قيود على المضيق إلا مرة واحدة، في العام 1951، عندما أرادت بريطانيا منع نظام رئيس الوزراء الإيراني مصدق من تسويق النفط بسبب تأميمه لشركة النفط الأنجلو-فارسية. رُفع الحصار سريعًا. وفي عامي 1977-1978، هاجمت إيران بقيادة الخميني ناقلات نفط كويتية في الخليج كانت تُساند العراق بقيادة صدام حسين في الحرب الإيرانية العراقية، لكنها لم تُحاصر المضيق.
في17 آذار من هذا العام، أعلن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف: “لن يعود الوضع في مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب. سيتغير شكل ونظام الشرق الأوسط بأكمله، ولن يكون ذلك وفقًا للمخططات الأمريكية. نحن، الدول الإسلامية في المنطقة، سنبني نظامًا أمنيًا واقتصاديًا إقليميًا جديدًا”. وكان قاليباف قد اشترط في خطاب سابق لوقف إطلاق النار أن تُخلي الولايات المتحدة جميع قواعدها في المنطقة.
في السادس عشر من آذار، أفادت وكالة رويترز بأن “عدة دول عربية مطلة على الخليج العربي تضغط على الولايات المتحدة لعدم إنهاء حملتها ضد إيران قبل الأوان، قبل أن تُضعف قدراتها العسكرية بشكل كبير”. ورغم أن هذه الدول لم تطلب من الولايات المتحدة بدء الحرب، إلا أن الوكالة ذكرت أنها “تخشى، في ظل الوضع الراهن، أن يُبقي إنهاء الحملة قبل الأوان إيران قادرة على تهديد خطوط الملاحة وإنتاج النفط والمراكز التجارية التي تُشكل عصب اقتصاداتها”.
للقوات الأمريكية مهام عديدة في إيران، لكن مضيق هرمز يُعدّ الأهم. فارتفاع أسعار النفط يُؤدي إلى تضخم عالمي. كما أن صادرات قطر من الهيليوم، اللازمة لصناعة الرقائق الإلكترونية، مُهددة. وتعتمد الأسمدة الكيميائية أيضاً على صناعة الغاز الطبيعي في الخليج. ولذلك، تتعرض الإدارة الأمريكية لضغوط كبيرة لإعلان النصر والانسحاب. ويبدو أنها لم تُقيّم بشكل صحيح مدى تطرف الحرس الثوري وصموده، ولم تُخطط لاستراتيجية للحفاظ على حرية الملاحة، وهي مهمة بالغة الصعوبة.
الضغط على ترامب
في هذه اللحظة، تُملي إيران بالفعل من سيعبر المضيق ومن سيُتعرض للهجوم: السفن المتجهة إلى الصين واليابان والهند تعبر المضيق، لكنها تدفع مليوني دولار لكل منها رسوم عبور. هذا استغلال صارخ، لكنه يحدث في مضيق هرمز لأول مرة في التاريخ. أما باقي السفن، فتُحاصر في موانئ الخليج.
تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل قيودًا في قدرتهما على مهاجمة صناعة النفط الإيرانية. أولًا، هددت طهران بتدمير إنتاج النفط والغاز في دول الخليج إذا حدث ذلك، وقد نفذت تهديداتها حتى الآن. ثانيًا، لا نرغب في تدمير إنتاج النفط الإيراني، لأنه في حال سقوط النظام، من المهم للنظام الجديد أن يمتلك قاعدة اقتصادية مستقرة.
هذا النهج صحيح، لكن له ثمن باهظ: فهو يمنح الإيرانيين “رخصة” لإلحاق الضرر بصناعة النفط ومواطني إسرائيل والخليج، بينما تبقى إيران بمنأى عن ذلك. وهذا يُعزز بقاء النظام. علاوة على ذلك، فإن النظام يهتم في المقام الأول بمواليه، ولكنه يستخدم حاليًا احتياطاته المالية في الخارج ليحسن احوال الشعب، وبالتالي يمنع أي انتفاضة. ولا توجد حاليًا أي محاولة لتجميد أصول إيران في البنوك العالمية.
لكن الحرس الثوري قلق أيضًا، لأنه لا يعلم ما سيحدث أولًا: انتفاضة شعبية وسقوط النظام، أم سقوط الرئيس ترامب. ويبدو في الوقت الراهن أن ترامب، الخاضع لنظام ديمقراطي، يتعرض لضغوط أكبر.
إذا قررت إدارة ترامب مواصلة التصعيد، كما أعلنت يوم السبت الماضي، من خلال إلحاق الضرر بإنتاج الكهرباء في إيران أو احتلال الساحل أو جزيرة خارك، فهناك احتمال أن توافق طهران على تسوية محتملة. أما إذا أعلن ترامب النصر وانسحب من المنطقة، كما ألمح يوم الجمعة الماضي، فسيبقى النظام الإيراني في السلطة، وستظل قدراته الصاروخية والطائرات المسيّرة كبيرة. ولن يُفتح مضيق هرمز حينها إلا بشروط إيران. ستتمكن الولايات المتحدة، بصفتها مُصدِّرة للنفط، من مواصلة أعمالها كالمعتاد تقريبًا، لكن دول الخليج العربي والدول الأوروبية ودول شرق آسيا وإسرائيل ستواجه وضعًا جديدًا.
في هذا السيناريو، ستبقى الولايات المتحدة في البحرين مهما كلف الأمر (مع إمكانية إجلائها من قطر)، لكن إيران ستسيطر على صادرات النفط والغاز من الخليج وواردات الغذاء إلى المنطقة. ستفرض إيران رسوم عبور على كل سفينة في المضيق، وستُجبر دول الخليج أيضًا على دفع نسب كبيرة من دخلها القومي لإيران كـ”حماية” لأجل غير مسمى. علاوة على ذلك، ستُملي إيران على دول الخليج ما يُسمح لها بتصديره وكميته. وبذلك، ستتحكم في أسعار النفط والغاز في العالم. لن يكون هذا “مجرد” هزيمة قاسية على صعيد الوعي بالنسبة للولايات المتحدة، لكن لا ينبغي الاستهانة به في ظل ترقب الصين واستعدادها لغزو تايوان. بالنسبة لأي جهة تعتمد على تصدير أو استيراد الطاقة من الخليج، ستكون هذه ضربة استراتيجية فورية وقاسية. سيتعافى النظام الإيراني اقتصاديًا بسرعة، ويستأنف برامجه النووية والصاروخية، ويقدم دعمًا هائلًا للمنظمات الإرهابية. كما أن مثل هذا الانتصار الإيراني سيمنح دفعة قوية للإسلام الراديكالي في العالم.
لقد استندت مغامرة إسرائيل في 28 شباط، وبحق، إلى القدرات التكتيكية الاستثنائية لسلاح الجو والاستخبارات، وقد تحققت بالفعل إنجازات ملموسة: فقد تضررت الأصول العسكرية الإيرانية بشدة. على المدى القصير، لا يُشكل سيطرة إيران على المضيق مصدر قلق مباشر لنا، فنحن مصدرون للغاز ومستوردون للنفط من أذربيجان. مع ذلك، استراتيجيًا، وعلى المدى البعيد، فإن مثل هذه النتيجة للحرب ستضع إسرائيل في مواجهة إيران لا تقل تطرفًا (بل ربما أكثر)، وهيبة، وثقة بالنفس، وأكثر ثراءً بكثير.
لذا، إذا عاد ترامب إلى بلاده وترك المضيق تحت رحمة إيران، فعلينا إيجاد طريقة للتوضيح لايران بأن استمرار تخصيب اليورانيوم وتطوير الأسلحة النووية ليس في صالحها. أحد الخيارات المتاحة هو أن نوضح لطهران أنه لا مفر من القضاء على قطاع الطاقة الإيراني، الأمر الذي قد يؤدي إلى تجويع النظام والبلاد. تكمن المشكلة في أنه إذا فعلنا ذلك، فإن الأمل في الصداقة بين الشعوب سيتلاشى: فالإيراني الذي يعاني من الجوع سيجد صعوبة بالغة في التعاطف مع من يُجوعه.
——————————————
هآرتس 25/3/2026
قلق اسرائيلي ان يتوصل ترامب لاتفاق مع ايران، غير واضح التنازلات المتوقعة
بقلم: يونتان ليس
النخبة السياسية في اسرائيل تعتقد ان الرئيس الامريكي دونالد ترامب مصمم بالفعل على السعي الى التوصل الى اتفاق سريع لانهاء الحرب. ولكنها تواجه صعوبة في فهم حدود هذا التصميم: هل سيوافق على اظهار مرونة في القضايا الرئيسية مع طهران؟ وفي حالة انهيار المحادثات هل سيوافق على توجيه ضربات اضافية كبيرة تمنع الحاجة الى جولات قتال اخرى في المستقبل القريب اذا نجا النظام من سيناريوهات الانقلاب؟.
في الوقت الحالي يبدو ان وزير الخارجية الايراني، عباس عراقجي، سيصبح شخص محوري في المفاوضات. اسرائيل تدرك جيدا مهارة عراقجي في التفاوض، حيث ترأس الوفد الايراني في مفاوضات العودة الى الاتفاق النووي في فترة ادارة بايدن. ولمدة اربع سنوات تقريبا اجرت ايران والقوى العظمى جولات مفاوضات غير مجدية، مع التشكيك في فعالية الرقابة على المنشآت النووية. ورغم ذلك قدر مسؤولون رفيعي المستوى في اسرائيل امس، كانوا مطلعين على المفاوضات في حينه، بان الوفد الايراني لن يماطل في هذه المرة. احدهم قال لـ “هآرتس”: “ترامب لن يتسامح مع المماطلة. سيفحص بجدية امكانية التوصل الى اتفاق معقول، ولكنه سينهي المفاوضات ويعود الى القتال اذا شعر بأنه يتم استغلاله”. وحسب مسؤول رفيع آخر فان “ايران ليست ايران التي كانت. فقد منيت بهزيمة قاسية في الاسابيع الاخيرة. ومن المرجح انها تفضل تقليل الخسائر على المخاطرة بجولة اخرى وفقدان نفوذها. سيتم اجراء مفاوضات جدية. والسؤال هو هل سيرضي الحد الاقصى الذي ستوافق عليه ايران الرئيس الامريكي ترامب؟”.
رغم هذه التقديرات الا انه يصعب على اسرائيل في هذه المرحلة التنبؤ بمستوى مرونة الايرانيين. فمن المتوقع ان يصمم ممثلو النظام على خطوط حمراء، الاهم من بينها التزام الولايات المتحدة واسرائيل بعدم مهاجمة ايران من جديد في السنوات القادمة، رفع العقوبات التي تخنقها اقتصاديا والموافقة على استمرار امتلاك منظومة الصواريخ البالستية بحجم معين.
ما زالت اسرائيل قلقة بشان مسائل جوهرية، رغم الوعود التي تصدر عن واشنطن مثل ما هو مصير تقريبا الـ 450 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة والمخبأ في ارجاء ايران؟ هل سيتم تسليمه للوكالة الدولية للطاقة النووية أو لدولة ثالثة أو انه سيبقى في حوزة ايران تحت رقابة غير دقيقة؟. في نفس الوقت تتساءل اسرائيل كيف ستتمكن الولايات المتحدة بالفعل من منع ايران من استئناف تخصيب اليورانيوم والمشروع النووي. وهناك سؤال آخر وهو كيف يمكن وقف استئناف برنامج الصواريخ؟. اضافة الى ذلك تواجه اسرائيل صعوبة في تقدير ما اذا كانت خطة تقويض النظام في ايران من الداخل، التي كان من المفروض اطلاقها بعد انتهاء الحرب، سيتم تنفيذها أم ان الادارة الامريكية ستعرقلها في ظل التفاهمات مع النظام في طهران.
بالنسبة لترامب، الى جانب حل قضية اليورانيوم المخصب، يتوقع ان يكون طلبه الرئيسي هو ايجاد حل يسمح بحركة السفن بامان في مضيق هرمز لتجنب ازمة اقتصادية شديدة.
لقد كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو شريك رئيسي في الحرب. ولكن تفويض اتخاذ القرارات بشان ايران يوجد الآن في يد الولايات المتحدة. فهل سيخضع مبعوثا الرئيس ستيف ويتكوف وجارد كوشنر لايران بشان برنامج الصواريخ بطريقة تسمح لها باعادة تشكيل تهديد على اسرائيل؟ هل سيسمحان لايران بالحفاظ على علاقاتها مع وكلائها، حماس وحزب الله والحوثيين؟. لقد حاول نتنياهو اظهار السيطرة على الموقف في يوم الثلاثاء عندما صرح في اعقاب الاعلان المفاجيء عن المفاوضات وقال: “الرئيس ترامب يعتقد انه توجد فرصة للاستفادة من الانجازات الكبيرة للجيش الاسرائيلي والجيش الامريكي من اجل تحقيق اهداف الحرب في اتفاق يحمي مصالحنا الحيوية”.
الجيش الاسرائيلي مستعد لمواصلة القتال ضد حزب الله حتى بعد انتهاء الحملة في ايران. ولكن القيادة السياسية لا تستبعد امكانية محاولة ترامب ربط أي اتفاق بوقف اطلاق النار في ايران وفي لبنان. واوضح رئيس الاركان وجهات اخرى بانه لدى سلاح الجو بنك اهداف يكفي لعدة اسابيع، حتى الى ما بعد عيد الفصح. ولكن في نفس الوقت تستعد اسرائيل لاستنفاد هذه الاهداف في اسرع وقت ممكن. وهكذا، اعلن نتنياهو في الاسبوع الماضي بان هدفين من اهداف الحرب التي حددتها اسرائيل قد تحققا بالفعل عندما قال: “ايران لم تعد تمتلك القدرة على تخصيب اليورانيوم، وليست لديها القدرة على انتاج الصواريخ البالستية”. بطريقة معينة لا تقدم اسرائيل على اخطار غير ضرورية. فقد قدم وزير الدفاع مساء أمس اقتراح للحكومة من اجل المصادقة عليه لتمديد الوضع الخاص في الجبهة الداخلية لثلاثة اسابيع، وهذا دليل على انه حتى لو كانت واشنطن تتحدث عن اتفاق في غضون بضعة ايام، الا ان القدس تستعد لحملة طويلة.
——————————————
هآرتس 25/3/2026
في الخليج يتخوفون من اتفاق يمس بمصالحهم
بقلم: جاكي خوري
لم تعد المفاوضات التي تجري بين الولايات المتحدة وايران، التي اعلن عنها الرئيس الامريكي ترامب، حدث دبلوماسي عادي بالنسبة لقادة دول الخليج ومصر وتركيا. فهم يرون ان هذه لحظة حاسمة قد تحدد ميزان القوة في المنطقة في السنوات القادمة. بالنسبة لهذه الدول فان الخيار يكمن بين اتفاق قد يفتح صفحة جديدة وفشل يؤدي الى التصعيد، ويعتبر السيناريو الاخطر هو حرب طويلة تهدد كل دول المنطقة. لا يقتصر السؤال المحوري بالنسبة لهم على دعمهم للمفاوضات فقط، بل يتعداه الى تحديد طبيعة هذه المفاوضات والجهات التي ستخدمها.
تشير المحادثات التي اجرتها “هآرتس” مع شخصيات في دول الخليج الى ان المفاوضات تفحص من خلال ثلاثة محاور رئيسية: دعم وقف اطلاق النار، الخوف من اتفاق لا يحمي مصالحها والقلق من فشل المفاوضات.
حسب دبلوماسي عربي فان دول مثل سلطنة عمان وقطر تفعل قنوات رسمية وغير مباشرة للدفع بالمفاوضات قدما حتى لو نفت ايران ذلك علنا. ويعكس هذا النشاط الادراك بان الفشل قد يؤدي الى تصعيد واخطار على حركة التجارة في الخليج الفارسي، لا سيما مضيق هرمز، والحاق اضرار بالبنية التحتية للطاقة. ويرى هذا الدبلوماسي بان الحرب واسعة النطاق ستشكل تهديد مباشر على اقتصاد هذه الدول وستؤدي الى تآكله، الامر الذي ينعكس سلبا على الامن والاستقرار القومي، لا سيما في دول مثل قطر والبحرين.
في نفس الوقت يسود الحذر الكبير في السعودية والكويت. وحسب مصدر عربي تحدث مع مسؤولين رفيعين في الدولتين، فانهم لا يعارضون المفاوضات مبدئيا، لكنهم يخشون من تكرار سيناريو الاتفاق النووي من العام 2015 بين الولايات المتحدة وايران. ففي حينه شعروا بالتهميش رغم ان الاتفاق اثر على امنهم. وقال نفس المصدر: “الموقف السائد هو الموافقة على المفاوضات شريطة ان تتضمن آلية لحماية مصالحهم، أو على الاقل عدم تعزيز موقف ايران على حسابهم، وان تضمن عدم تعرضهم لهجوم في المستقبل. وبالنسبة لدول الخليج فان هذا يمثل امتحان لاخلاص ترامب وادارته لها وانهم لن يتخلوا عنها في المفاوضات كما يقولون بانهم تخلوا عنهم عندما تم اتخاذ قرار الحرب بدون مراعاة العواقب”.
بعض الدول تعتبر تصريحات ترامب بشأن الموعد النهائي للمفاوضات رسالة مزدوجة تنطوي على المخاطرة. فهي تفتح نافذة امام الدبلوماسية، ولكنها تخلق ايضا امكانية التصعيد اذا فشلت الجهود. ومن الواضح ان ترامب يفضل الحل الدبلوماسي بشروطه، ولكن اذا رفضت ايران، وهذا ما هو متوقع، فسيقول ترامب بتشجيع من اسرائيل: “لقد اعطيت فرصة اخرى للمفاوضات، لكن ايران لا تظهر أي مرونة”. عندها سيتفاقم الوضع من جديد وسيتم شن هجمات على منشآت النفط والغاز والبنى التحتية، بل ربما سيتم حشد القوات. مصدر سياسي من الخليج قال لـ “هآرتس”: “هذا سيؤدي الى تعقيد الوضع بشكل اكبر”.
الى جانب دول الخليج ظهر في الفترة الاخيرة دور مصري وتركي بارز في المحادثات التي ترمي الى تهدئة الوضع وتوجيه رسائل للاطراف المعنية. وقد اجرى وزير خارجية مصر سلسلة محادثات مع وزراء خارجية العالم العربي والمجتمع الدولي ومع جهات امريكية بهدف تنسيق المواقف والدفع قدما نحو المسار السياسي. وتؤكد القاهرة بان حل الازمة يكمن في المفاوضات، وان توسيع نطاق الحرب سيضر بكل دول المنطقة.
لقد زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دول الخليج لتقديم الدعم، الى جانب ادانة الهجمات الايرانية. ولكن شدد في مصر على ضرورة استخلاص الدروس وصياغة اطار امني عربي واقليمي مشترك. وتشير التقديرات الى ان المبادرة التي تسعى مصر الى تسويقها هي اطار يشمل التعاون الامني وتبادل المعلومات الاستخبارية والتنسيق اللوجستي بين الدول العربية، بهدف مواجهة التحديات الامنية الاقليمية بشكل جماعي.
وتتمثل فكرة مصر في تقديم مفهوم عربي شامل للامن الاقليمي للمجتمع الدولي بعد انتهاء الحرب من اجل عدم حدوث فراغ استراتيجي في المنطقة، لا سيما بعد ان تبين مستوى ضعف دول الخليج أمام الهجمات الايرانية وعجزها عن التصدي لها لوحدها، في ظل التغطية الامريكية المحدودة. مثل مصري معروف يقول: “من يتغطى بغطاء امريكي يبقى عاريا”، وقد اثبتت هذه الحرب ذلك. لذلك، هي تتطلب نهج جديد على المستوى الاستراتيجي، كما صرح مسؤول رفيع سابق في وزارة الخارجية المصرية لـ “هآرتس”.
تركيا من ناحيتها تلعب دور الوسيط الرئيسي في الازمة. ويرتكز موقفها على ثلاثة محاور اساسية: رفض الهجوم الامريكي – الاسرائيلي على ايران، معارضة هجمات ايران على دول الخليج والترويج لوقف اطلاق النار والحوار مع كل الاطراف. بهذه الطريقة تسعى تركيا الى ترسيخ مكانتها كوسيط موثوق ومركزي، وتكتسب ثقل سياسي كبير في حالة نجاحها، سواء مع امريكا أو مع اوروبا، حسب مصدر تركي تحدث لـ “هآرتس”.
في نهاية المطاف يتمثل موقف دول الخليج وتركيا ومصر في الرغبة بنجاح المفاوضات، ولكنها تخشى التوصل الى اتفاق لا يحمي مصالحها في القضايا الامنية، ومنع الهجمات في المستقبل وكل ما يتعلق بسوق الطاقة. في نفس الوقت يخشى الجميع من فشل المفاوضات، لان هذا لا يعني العودة الى الحرب فقط، بل يعني خطر آخر. الامر الذي من شأنه ان يؤدي الى نزاعات طويلة. فالمنطقة حاليا بين اتفاق جزئي وحرب طويلة بدون جواب واضح حول توجه ترامب.
——————————————
عاريف 25/3/2026
المواجهة القديمة بين ايران والسعودية دينية، اقتصادية واستراتيجية
بقلم: د. موشي العاد
الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين ايران لم تبرز فقط مواجهة كانت غافية، نسبيا، بل كشفت بكامل قوتها احدى المشاكل المركزية في الشرق الأوسط: الفجوة بين القوة الكامنة وبين الاستعداد لاستخدامها. وقد وجدت هذه الفجوة تعبيرها في الصدام العنيف بين القوتين العظميين في العالم الإسلامي – ايران والسعودية – واساسا في سلوك السعودية التي وجدت صعوبة في ترجمة مقدراتها وقوتها الى جواب استراتيجي فاعل.
ايران الشيعية هاجمت السعودية السُنية كرد على هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل على أراضيها. السعودية التي تعتبر حليفا مركزيا للولايات المتحدة تلقت اكثر من الف صاروخ ومسيرة اطلقت في الأسبوع الأول من الحرب. لقد كان هذا فقط حدثا عسكريا واسع النطاق بل اعلان استراتيجي واضح: من ناحية ايران لم تعد هناك خطوط حمراء تمنع الإصابة المباشرة حتى للاعبين سُنة مركزيين. الفكر الإيراني، الذي يوجهه شيوخ شيعة ويدمج الأيديولوجيا مع القوة لم يعد يعترف بالحدود التقليدية للمواجهة غير المباشرة فقط، وحتى “أصدقاء” سُنة يمكن أن يعتبروا كعدو.
علاقات معقدة
في الماضي اتخذت ايران جانب الحذر من الهجوم المباشر على السعودية، وعملت من خلال وكلائها الحوثيين في اليمن. هكذا مثلا في 2019 أمرت ايران الحوثيين بضرب منشآت شركة أرامكو السعودية التي تشارك فيها شركات أمريكية أيضا. نموذج العمل هذا – استخدام وكلاء مع الإبقاء على مجال النفي – سمح لإيران بممارسة الضغط دون المخاطرة بمواجهة مباشرة. 2 اذار من هذا العام اجتازت ايران مستوى إضافيا، حين بادرت الى هجوم مباشر من أراضيها بالحوامات على مصافي أرامكو الكبرى وعلى ميناء ينبوع والمصافي في راس تنورة في البحر الأحمر – كل هذا في محاولة لضرب سوق الطاقة العالمية عبر منشآت النفط. بالتوازي حاولت ضرب السفارة الامريكية في الرياض، مطارات وقواعد عسكرية في السعودية. امام هذا الهجوم واسع النطاق كان الرد “الاقسى” للسعوديين تلخص باعتراض مئات المسيرات والصواريخ – رد يجسد جيدا الفجوة بين القدرة وبين الرغبة في استخدامها. بالفعل في هذه الحرب كانت الاحتكاك مباشرا، أليما، بل ومكشوفا ومهينا. بينما تتصرف ايران تجاه السعودية كنمر عدائي يحل المواجهات بالقوة والردع تتخذ السعودية صورة قوة عظمى مترددة، رغم قوتها الاقتصادية والعسكرية تمتنع عن الحسم. الوصف المجازي “وحيد قرن مفزوع” ليس مجازيا فقط بل يعكس نمط عمل: قوة بلا استخدام. المشكلة العميقة هي صعوبة متواصلة في تحديد خطوط حمراء وفي العمل لفرضها. عندما يتدهور الوضع، تطلب السعودية مساعدة الغرب – خطوة تعد في المنطقة كخيانة وكذا كدليل على تعلق متواصل.
كان يخيل في السنوات الأخيرة بانه طرأ تحسن ما في علاقات ايران والسعودية وبخاصة بعد استئناف العلاقات في 2023 بوساطة الصين. لكن نظرة نقدية تبين ان هذا لم يكن تغييرا استراتيجيا بل خطوة تكتيكية. التحسن الذي جاء بمبادرة ايران نبع من التخوف من ان السعودية توشك على الانضمام الى اتفاقات إبراهيم. اما السعودية من جانبها فقد اختارت الخطوة على امل ان تحقق استقرارا للمحيط الإقليمي، لكنها عمليا لم تحصل الا على هدوء وهمي فقط. ومرة أخرى تبنت الدولتان سياسة “مجال النفي” وبموجبها لا توجد حرب مباشرة بل مواجهات غير مباشرة فقط. خدمت هذه السياسة بالأساس ايران، التي واصلت تثبيت نفوذها عبر وكلاء في اليمن، سوريا والعراق – فيما بقيت السعودية في موقف رد الفعل.
في مركز العلاقات المعقدة هذه قبع التخوف السعودي من البرنامج النووي الإيراني. فالسعودية، التي تعتمد على سلاح غربي، واساسا امريكي، بل وبذلك جهودا للتقرب من إسرائيل شخصت التهديد لكنها لم تنجح في تطوير جواب مستقل ناجع. التخوف من تطوير صواريخ باليستية إيرانية تجسد بكامله في هذه اللحظة. بالذات في اللحظة التي فتحت امام السعودية فرصة استراتيجية للانضمام علنا الى جانب الاخيار وتعزيز مكانتها، اختارت الامتناع عن خطوة الحسم. تفسير ذلك لا يعود فقط الى الخوف بل الى خليط من إرث علاقات معقد، تعلق امني واساسا خوف عميق من أن تصبح إسرائيل القوة العظمى الإقليمية المسيطرة الوحيدة.
بكلمات أخرى فضلت السعودية الإبقاء على توازن اشكالي حتى بثمن الأذى المباشر لها. وكانت النتيجة اختيارا واعيا: امتصاص ضربات قاسية واضرارا اقتصادية بمئات الدولارات، والرد بشكل محدود، على الا تتدهور الى مواجهة مباشرة مع ايران. هذا مفهوم يتعلق بإدارة النزاعات بدلا من إعادة تصميم الواقع.
بالفعل، العلاقات بين ايران والسعودية هي من اكثر العلاقات تعقيدا وتأثيرا في الشرق الأوسط. توجد فيها خصومة استراتيجية، دينية، اقتصادية وجيوسياسية. في الجانب السياسي تتنافس الدولتان على القيادة الإقليمية. لكن بينما تمثل ايران محور مقاومة شيعي فاعل، يضم حزب الله، ميليشيات في العراق والحوثيين، تقود السعودية معسكرا سُنيا مواليا للغرب يتميز بالحذر واحيانا بتردد زائد.
يجدر بالذكر ان المسلمين الذين يشكلون نحو ربع سكان العالم يعيشون منذ نحو 1400 سنة صراعا سنيا شيعيا على الهوية والقيادة. لكن هنا أيضا تبرز الفجوة: ايران تستخدم الهوية الشيعية كأداة استراتيجية بينما السعودية، رغم سيطرتها في مكة وفي المدينة باسم الأغلبية السنية، يصعب عليها ترجمة تفوقها الديني الى قوة سياسية متبلورة.
تجسير فاشل
في المجال الاقتصادي الدولتان هما قوتان عظميان في الطاقة. ولئن كانت ايران تعاني من العقوبات لكنها تبدي صمودا وقدرة تكيف. اما السعودية بالمقابل فتتمتع بتفوق في الأسواق العالمية وفي الاستثمارات الأجنبية لكن هذا التفوق بالذات يجعلها مكشوفة وحذرة اكثر. في اطار اوبيك أيضا للسعودية تأثير كبير. لكنها تعمل انطلاقا من الرغبة في الاستقرار وليس في التضعضع، بينما ايران مستعدة لان تأخذ المخاطر.
في الجانب الدولي، السعودية هي شريك استراتيجي للولايات المتحدة. اما ايران فتتقرب من الصين وروسيا. لكن هنا أيضا ينكشف الضعف: بينما ايران تعمل من فهم متماسك، تحاول السعودية التوازن بين المعسكرات بل واحيانا تعتبر عديمة الاتجاه الواضح. ظاهرا، منذ 2023 حاولت دول عربية وإسلامية التوسط بين الدولتين والسير باتجاه الانتقال من المواجهة الى إدارة المنافسة. عرضت اهداف تطبيع العلاقات، فتح سفارات وتشديد المصالح المشتركة. غير ان هذه الأهداف كانت طموحة اكثر مما ينبغي بل وربما ساذجة. وجاءت الحرب لتسرق الأوراق وتعيد الواقع الى نقطة الانطلاق بل واخطر من ذلك.
صحافيون وكاريكاتيريون في العالم العربي اجادوا في التقاط الفجوة بين التصريحات والواقع. فبينما تتحدث القيادات عن “توافقات” يصفها المنتقدون بانها “ازدواجيات” – وصف حاد ولكن دقيق جدا لمنظومة العلاقات التي تتفوق فيها الرمزية على الجوهر.
من الزاوية الامريكية، الموقف الحميم للرئيس ترامب تجاه السعودية وولي العهد محمد بن سلمان وجد تعبيره أيضا في الحرب الحالية. رغم التوقع لتصميم سعودي اختارت واشنطن التفهم انطلاقا من تفضيل واضح للحفاظ على الشراكة الاقتصادية على المواجهة الاستراتيجية. وهكذا ساهمت الولايات المتحدة أيضا بقدر ما في الحفاظ على الوضع القائم. الرشقات الإيرانية تركزت على البنى التحتية للطاقة والمدن المركزية في السعودية ودول الخليج، اتحادات الامارات، قطر، البحرين، الكويت وعُمان. هذه الدول، بقيادة السعودية حاولت عرض جبهة موحدة لكنها عمليا اتخذت جانب الحذر الشديد: بعضها خافت، أخرى اكتفت بالشجب والكثير منها فضلت الامتناع عن استخدام قواعد عسكرية كي لا تصبح هدفا. وكانت النتيجة رسالة إشكالية. الامتناع عن التصعيد اعتبر ضعفا وليس كقوة لاجمة.
حتى هذه الحرب مالت الولايات المتحدة وإسرائيل لان ترى في المواجهة السعودية الإيرانية صراعا دينيا واقتصاديا في أساسه. اما الان فتتأكد صورة اكثر تعقيدا: ايران هي عدو ثابت، مصمم وعدواني. اما السعودية بالمقابل فهي شريك محتمل لكنه متردد، حذر بل واحيانا مشلول. الشرق الأوسط في عصرنا لم يعد ينقسم بين معتدلين ومتطرفين، بل بين لاعبين مستعدين لممارسة القوة وتصميم الواقع وبين أولئك الذين يفضلون إدارة النزاعات والامتناع عن الحسم. وفي هذا الاختبار ايران تعمل بينما بقيت السعودية في الخلف.
——————————————
إسرائيل اليوم 25/3/2026
حلف إسرائيل ودول الخليج، يعرض أملا حقيقيا
بقلم: موشيه دابي
لقد كشفت المواجهة المتواصلة بين إسرائيل وايران امام أجزاء واسعة من الجمهور الإسرائيلي واقعا إقليميا أوسع – واقع تعمل فيه دول مجلس التعاون الخليجي أيضا.
هذا المجلس الذي تأسس في العام 1981، يضم اتحاد الامارات، السعودية، الكويت، قطر، البحرين وعُمان.
بشكل رسمي يستهدف تعزيز التعاون الاقتصادي، السياسي والأمني بين الدول الأعضاء. اما عمليا، فمنذ تأسيسه يشكل أيضا اطارا إقليميا يستهدف التصدي للتهديد الإيراني.
لكن التصدي لإيران ليس فقط موضوع أمن أو ميزان قوى. بمفاهيم عديدة يدور الحديث عن مواجهة أعمق – مواجهة بين فكرين حول مستقبل الشرق الأوسط.
من جهة يوجد نهج يسعى للدفع قدما بتحديث إقليمي في ظل الحفاظ على التقاليد. يشدد هذا النهج على التنمية الاقتصادية المتطورة، الحداثة التكنولوجية، الاستثمار في التعليم والاندماج في الاقتصاد العالمي.
لقد أصبحت اتحاد الامارات في العقود الأخيرة احد الرموز الأبرز لهذا الفهم. فقد استثمرت الدولة مقدرات هائلة في بناء مراكز مالية، في تطوير صناعات تكنولوجية وفي خلق مناطق تجارة دولية تربط بين آسيا، أوروبا وافريقيا.
من الجهة الثانية تقف الأيديولوجيا الثورية للنظام الإيراني، نظام آيات الله. هؤلاء يعيشون وفقا لقوانين الشريعة التي تعمل على فكر ديني – سياسي راديكالي يسعى لتوسيع نفوذها من خلال وكلاء اقليميين وضعضعة استقرار الدول في الشرق الأوسط.
“نحن لسنا فريسة سهلة”
بهذا المفهوم فان المواجهة الإقليمية ليست فقط بين الدول، بل بين نموذجين مختلفين للمستقبل: نموذج الانفتاح، التطوير الاقتصادي والتعاون الإقليمي، مقابل نموذج التطرف الأيديولوجي، الانعزالية والمواجهة المتواصلة.
تعرض دولة اتحاد الامارات نموذجا مميزا في المنطقة. يدور الحديث عن دولة نجحت في غضون وقت قصير نسبيا في ان تبني مجتمعا مستقرا وآمنا، يعيش ويعمل فيه معا أناس من عشرات القوميات والأديان المختلفة. من يزور الدولة يشهد مجتمعا يشدد على التضامن، النظام العام، الاحترام المتبادل والتطلع الدائم الى التقدم.
في مجال التعليم أيضا اختارت الدولة ان تسثتمر بشكل كبير. كثيرون من أبناء الجيل الشاب في الامارات تعلموا في جامعات رائدة في العالم وعادوا مع معرفة، تجربة ونظرة عالمية. بالتوازي، يحافظ المجتمع الاماراتي على هويته العربية وعلى التقاليد المحلية – خليط ليس مفهوما من تلقاء ذاته في منطقتنا.
رئيس اتحاد الامارات، محمد بن زايد آل نهيان، عبر عن ذلك مؤخرا في تصريح نادر: “اتحاد الامارات هي دولة جذابة، اتحاد الامارات هي دولة جميلة، اتحاد الامارات هي نموذج للاقتداء. لكني أقول لاعدائنا – لا يضللكم مظهرنا، فلاتحاد الامارات يوجد جلد ولحم وطعمه مر، نحن لسنا فريسة سهلة ولدينا التزام بحماية مواطنينا ودولتنا”. يفهم من هذه الاقوال انه قد تكون دولته تعرض على العالم وجه انفتاح وازدهار، لكن من خلف هذا المظهر يوجد أيضا تصميم للدفاع عن امنها ومستقبلها.
بالنسبة لإسرائيل، فان العلاقات مع اتحاد الامارات ومع دول الخليج هي علاقات ذات مغزى استراتيجي واسع. اتفاقات إبراهيم ليس فقط إنجازا دبلوماسية. فقد فتحت امام إسرائيل إمكانيات لتعاون اقتصادي، تكنولوجي واستراتيجي مع منطقة كانت على مدى عشرات السنين خارج متناول يدها. مثال بارز على ذلك هو مبادرة الممر الاقتصادي IMEC التي تستهدف الربط بين الهند، اتحاد الامارات، السعودية، الأردن وإسرائيل وينتهي في ميناء حيفا. اذا ما تحققت هذه المبادرة بكاملها فانها كفيلة بان تخلق مسارا تجاريا جديدا بين آسيا وأوروبا وتغير الخريطة الاقتصادية للمنطقة.
يخيل أحيانا انهم في إسرائيل لم يستوعبوا بعد كم هي عميقة الشراكة الاستراتيجية الناشئة مع دول الخليج. الاماراتيون حادو العقل وهم لن ينسوا ابدا من وقف الى جانبهم ومن لم يقف. في إسرائيل ثمة حاجة لتعميق الفهم للحساسية الخاصة للعلاقات مع اتحاد الامارات. الخطوة الشجاعة التي اتخذتها الامارات في اطار اتفاقات إبراهيم لم تستقبل بسهولة في العالم العربي. بعض من الدول تنتقدها علنا، وأخرى حتى تمول حملات للتأثير على الرأي العام ضد الامارات. يدور الحديث عن منظومة علاقات حساسة ومعقدة لا يمكن فحصها عبر منشور غربي فقط، وحان الوقت لان يستوعب أصحاب القرار في إسرائيل عمق التعقيدات لهذه العلاقات.
ان الصراع على وجه الشرق الأوسط ليس صراعا عسكريا فقط. هذا صراع على الاتجاه الذي ستسير نحوه المنطقة باسرها. فهل ستختار طريق التعاون، الحداثة والاستقرار ام تواصل الانجرار الى دوائر التطرف والمواجهة.
الحلف المتشكل بين إسرائيل ودول الخليج، وعلى رأسه الامارات، يعرض أملا حقيقيا للمسار الأول.
——————————————
يديعوت احرونوت 25/3/2026
خلافات بين الموساد والاجهزة الامنية حول إسقاط النظام الايراني
بقلم: يوسي يهوشع
تُلقي التقارير التي نُشرت في الأيام الأخيرة حول شعور الإحباط لدى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في ضوء فشل تحقق التقييمات المتفائلة التي يُزعم أن الموساد قدّمها قبل الحرب، والتي أشارت إلى إمكانية الإطاحة بنظام آيات الله، الضوء على التوتر القائم منذ فترة طويلة في القيادة السياسية والأمنية بشأن خطط الموساد المتعلقة بإيران.
بعد مجزرة السابع من أكتوبر، سعى رئيس الوزراء إلى تنفيذ خطط الموساد ضد إيران، وهي خطط استُثمرت فيها مليارات الدولارات على مر السنين. لكن سرعان ما اتضح أن الخطة التي قدّمها الموساد لم تكن ناضجة. مرارًا وتكرارًا، كانت هناك حاجة إلى تحسينات وتصحيحات وتعديلات، رفضها نتنياهو بسبب عدم نضجها والمخاطر الكامنة فيها.
كان هناك من آمن بخطط الموساد ضد إيران، ومن لم يؤمن بها. لكن ثمة أمرٌ متفق عليه: إنها خطة استُثمرت فيها مليارات الدولارات على مر السنين، قبل وقت طويل من بدء حرب “السيوف الحديدية”. بدأها تمير باردو، ولم يكن يوسي كوهين متحمسًا لها، ثم أعادها دودي برنياع إلى الطاولة، بل وطالب بموارد إضافية لها، وحصل عليها. ولكن حتى في هذه المرحلة، اتضح أن الخطة لم تكن ناضجة، وأن التحسينات والتصحيحات والتعديلات كانت مطلوبة مرارًا وتكرارًا.
لم يُتخذ القرار إلا في آذار 2024، حين أسند نتنياهو إدارة الحملة بأكملها ضد إيران إلى الجيش الإسرائيلي، بقيادة رئيس الأركان آنذاك هرتسي هاليفي وقائد القوات الجوية تومر بار. قدّم رئيس قسم العمليات آنذاك لنتنياهو خطة الضربة الافتتاحية، التي أصبحت فيما بعد أساس عملية “الأسد الصاعد”، والتي تُنفّذ حاليًا بنجاح أكبر ضمن عملية “زئير الأسد”. إلا أنه فيما يتعلق بالموساد، ونظرًا للفشل، عيّن نتنياهو لجنة برئاسة يعقوب نيجل، القائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي سابقًا، لدراسة الخطة العملياتية. أوصت اللجنة بإغلاقها، وهو ما تم بالفعل بعد أن اكتشف نيجل قائمة طويلة من الثغرات، تكاد تضاهي عددًا من مجلة “سبعة أيام” بمناسبة الأعياد.
أما على الجبهة اللبنانية، فقد اعتُبر إطلاق “عملية أجهزة النداء- البيجر” في لبنان ناجحًا، لكن الحقيقة هي أن العملية – التي بدأها شخص أصبح فيما بعد رئيسًا لأحد أقسام الموساد – كان من المفترض أن تكون أكثر تأثيرًا وتُلحق ضررًا أكبر بحزب الله، لولا كشفها من قِبل المنظمة الإرهابية التي اشتبهت في أجهزة النداء التي اشترتها. وقد حال هذا الكشف دون إلحاق ضرر أكبر بالمنظمة الإرهابية. أعرب وزير الدفاع السابق غالانت عن استيائه بعد إقالته بسبب طريقة وتوقيت تنفيذ الخطة، مدعياً أن فرصة القضاء على آلاف من إرهابيي حزب الله قد ضاعت. وفيما يتعلق بلبنان، يُشكر الموساد على مساعدته في اغتيال نصر الله. لم تكن هذه عملية بقيادة الموساد، لكن مساعدته كانت حاسمة في تحقيق النتيجة.
اما فيما يتعلق بإسقاط النظام في إيران، فالصورة معقدة: يدّعي رئيس الموساد، دودي برنياع، أنه لم يتعهد قط بإسقاط النظام الإيراني، لا في بداية الحملة ولا خلالها. وقد أشار في تقييمه إلى ان هذا قد لا يتحقق إلا بعد انتهاء الهجمات. غير أنه بات من الواضح الآن أن معظم خطته الأصلية لم تتحقق بعد: فقد تمت الموافقة على أجزاء منها، بينما لا تزال أجزاء أخرى بانتظار الموافقة، ومن السابق لأوانه تحديد مدى نجاحها. وللإنصاف، ينبغي أيضاً الأخذ بعين الاعتبار رواية المصادر التي استمعت إليه وإلى نائبه، والتي تدّعي خلاف ذلك. فبحسب هذه المصادر، ورغم أنه لم يقطع وعداً، إلا أنه أوحى خلال الهجوم بأن هذا الهدف قابل للتحقيق.
إن العلاقات بين رئيس الأركان الحالي، زامير، وبرنياع أفضل بكثير من العلاقة التي سادت بين رئيس الأركان السابق، هرتسي هاليفي، وبرنياع، والتي اتسمت بالتوتر في كل قضية عملياتية تقريباً. خلقت العلاقة المتوترة بين هاليفي ونتنياهو شعورًا بـ”شهر عسل” بين بارنياع ونتنياهو، لكن في الواقع، ومن منظور مهني، ونظرًا لخيبة الأمل من أداء الجهاز خلال عملية “السيوف الحديدية”، كانت الصورة أكثر تعقيدًا. لدرجة أن المرشح المفضل لدى نتنياهو لهذا المنصب هو سكرتيره العسكري، اللواء رومان جوفمان، وليس مرشحًا من داخل الجهاز: وهو ما يُعدّ نوعًا من عدم الثقة برئيس الموساد الذي أراد نائبه لهذا المنصب، وليس مرشحا من خارجه.
وبالنظر إلى المستقبل، لا يزال الاختبار الحقيقي أمامنا: فإذا انهار النظام الإيراني في غضون عام، فسيعرف الشعب الإسرائيلي بأكمله كيف يُحيّي رئيس الموساد. وإذا لم ينهار، فسيكون عليه تقديم تفسيرات، وخاصة الإجابة على سؤال ما إذا كان لدى الموساد الإسرائيلي بالفعل خطة عمليات مُحكمة التنظيم. ولعلّ هناك درسًا أوسع نطاقًا هنا: من الأفضل للنظام الأمني أن يعمل كوحدة متكاملة، بدلًا من محاولة إثبات قدرة كل فرد على وضع خطة أفضل بمفرده.
ولا يسعنا إلا أن نذكر المستوى السياسي، أي نتنياهو بأنه هو المسؤول عن تحديد المهام، وتوزيع الموارد، ومراقبة الجاهزية، وهذا لم يحدث دائمًا فيما يتعلق بالخطط ضد إيران. فقد غادر كثيرون المداولات الدائرة على مرّ السنين دون أن يفهمٍوا بوضوح: هل يريد رئيس الوزراء ذلك أم لا؟ هل ينوي ذلك أم لا؟
كما حدث مساء السابع من أكتوبر، حين تلقّى رئيس الوزراء تحذيرًا – بشأن حربٍ من لبنان، لا من غزة – لم يعمل النظام كما ينبغي، ولم يشرف عليه كما هو مطلوب. ولم يتصرّف الجيش الإسرائيلي وفقًا لذلك، ولن يُعزّز حتى الحدود الشمالية بسرية. لكن دور رئيس الوزراء، وكذلك دور وزير الدفاع، هو طرح الأسئلة، والمطالبة بالإجابات، وضمان الجاهزية. إذا كان هناك تحذير، فلماذا لم يكونوا مستعدين؟ وبالمثل، كان على نتنياهو، حتى قبل الحرب، أن يتأكد من الموساد أيضا بأن الخطة التي استثمرت فيها موارد هائلة كانت جاهزة وقابلة للتنفيذ بالفعل.
——————————————
هآرتس 25/3/2026
ترامب ونتنياهو.. غير مؤهلين لقيادة الحرب
بقلم: ديمتري شومسكي
لنفترض أن نحميا شترسلر (“هآرتس”، 13/3) محق في القول بأن نظام آيات الله يساوي ألمانيا النازية من حيث التهديد الوجودي الذي يشكله على إسرائيل والغرب.
ولنفترض أن الأصولية الشيعية الإيرانية، كما يقول، لديها طموح لا هوادة فيه لتدمير إسرائيل، والسيطرة على كل الشرق الأوسط، وإخضاع الولايات المتحدة وأوروبا في نهاية المطاف، وفرض الشريعة الإسلامية على كل العالم، على اعتبار أن “المسيحيين ليسوا أقل سوءاً من اليهود”، لنفترض ذلك. هذا الادعاء يحتاج إلى دليل (ماذا عن روسيا يا شترسلر؟، هل إيران تسعى إلى السيطرة عليها أيضاً؟ أو أن البيربوسلافيين هم “مسيحيون أخيار” من وجهة نظر الشيعة؟) – من الواضح أنه لا ينبغي الاستخفاف بذلك. ولكن من يعتقدون أن العالم يواجه نازية جديدة تتمثل في إيران، هم بالذات الذين يجب أن يتساءلوا إذا كان دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو هما القائدان المناسبان القادران على مواجهة خطر دموي من هذا النوع، إقليمي ودولي.
يبدو أنه من أجل التغلب على العدو شبه النازي على نطاق عالمي فمن الضروري تشكيل وإقامة تحالف واسع وقوي من القوى، يجمع إذا أمكن بين المصالح الجيوسياسية ومبادئ الحرية والإنسانية التي تعارض التعصب الديني المسيحاني لآيات الله، لأن سياسة ترامب الخارجية العلنية تهدف إلى تخريب التعاون الدولي بين الولايات المتحدة وأوروبا بشكل منهجي، وبذلك قضت بالفعل على أي فرصة حقيقية لظهور مثل هذا التحالف.
لقد نبذ ترامب وحاشيته التحالف السياسي بعيد المدى مع غرب ووسط أوروبا، ليس فقط لأسباب “تجارية” (بسبب إسهام الولايات المتحدة الكبير، حسب ترامب، في حلف الناتو)، بل لأن الولايات المتحدة في عهد ترامب وأوروبا لم تعد تتشارك مجموعة مشتركة من القيم. فغرب أوروبا ما يزال يدافع عن الديمقراطية الليبرالية، في حين تسوق الإدارة الأميركية الحالية أجندة استبدادية فاشية لها طابع أصولي مسيحاني.
إضافة إلى ذلك، انسحاب الولايات المتحدة المتغطرس والمتحدي من القارة يعكس أيضاً تصوراً متهاوناً وغير ممارس بأن العالم لا يواجه في الوقت الحالي أي أخطار خارجية.
—————-انتهت النشرة—————–

