المسار : سلطت صحيفة الغارديان البريطانية الضوء على استمرار قيود الاحتلال الإسرائيلي على عمليات إجلاء الجرحى والمرضى من قطاع غزة لتلقي العلاج في الخارج.
وجاء في تقرير للصحيفة أن طفلة فلسطينية فقدت ذراعها خلال القصف الإسرائيلي على قطاع غزة وصلت إلى المملكة المتحدة يوم أمس الثلاثاء لتلقي العلاج المتخصص، وسط ضغوط مستمرة على الحكومة البريطانية لتكثيف الجهود لإجلاء الأطفال المصابين بأمراض خطيرة من القطاع.
وقد وصلت الطفلة الفلسطينية مريم صباح إلى مطار هيثرو برفقة والدتها فاطمة سلمان وشقيقيها، حيث استقبلهم حشد صغير يحمل الهدايا والبالونات وباقات الزهور.
وكانت العائلة تأمل في السفر إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج، إلا أنها ظلت عالقة في مصر في وضع غير مستقر منذ أن أوقفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأشيرات الزيارة لجميع الفلسطينيين في أغسطس من العام الماضي.
وقالت والدة الطفلة، فاطمة سلمان: “نحن سعداء بوجودنا هنا، لم نتخيل يوماً أننا سنكون في المملكة المتحدة”، وذلك بينما كان أطفالها يقفون بالقرب منها بابتسامات عريضة. وأضافت: “كانوا متوترين قليلاً في البداية، لكن الآن، عندما يشعرون بأن الجميع حولهم، أصبحوا سعداء ومتحمسين”.
آلاف المرضى في غزة دون علاج
تُعد مريم، البالغة من العمر عشر سنوات، واحدة من أكثر من 11 ألف مريض تم إجلاؤهم من غزة، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، رغم أن ذراعها بُترت بعد أن اخترق صاروخ منزل عائلتها في دير البلح. وتشير تقديرات المنظمة إلى أن نحو 18,500 مريض لا يزالون بحاجة إلى رعاية عاجلة غير متوفرة داخل القطاع.
ورغم إعلان الحكومة البريطانية عن برنامج للإجلاء الطبي العام الماضي، وصلت مريم إلى المملكة المتحدة لتلقي علاجًا متخصصًا ممولًا من القطاع الخاص، وذلك بمساعدة من منظمة فجر العالمية الأمريكية (غير الحكومية) ومشروع الأمل النقي (PPH).
وساعدت مؤسسة الأمل النقي الخيرية البريطانية في إجلاء المرضى وعائلاتهم إلى المملكة المتحدة منذ عام 2025، وفق نموذج شكّل الأساس للبرنامج الحكومي الذي يُنفذ حالياً بالتوازي.
وكانت ثلاث عائلات ساعدت المؤسسة في إجلائها ضمن الحشد الذي استقبل مريم، إلى جانب سعاد أبو حميدة (28 عاماً)، التي وصلت إلى المملكة المتحدة في نوفمبر الماضي كطالبة قادمة من غزة.
وقالت أبو حميدة، التي لا تزال عائلتها في القطاع وقد غلبها التأثر: “عندما سمعت أن فتاة ستصل خلال أيام قليلة وستتلقى رعاية طبية في المملكة المتحدة، شعرت بسعادة غامرة”، مضيفة: “أشعر بما تشعر به الآن لأنني كنت في وضعها”.
توقف عمليات الإجلاء
دعت منظمات الإغاثة الحكومة البريطانية إلى زيادة جهودها، بعد إعلان منظمة الصحة العالمية يوم الاثنين تعليق عمليات الإجلاء الطبي عقب مقتل عامل متعاقد مع المنظمة.
وقال مصعب ناصر، المؤسس المشارك لمنظمة فجر العالمية، إن قرار تعليق الإجلاء سيؤدي إلى فقدان المزيد من الأرواح.
وأضاف ناصر، الذي وصل مع عائلته من مصر: “بسبب الحرب على إيران وإغلاق جميع المعابر الحدودية مع غزة، توقفت عمليات الإجلاء فعلياً لفترة طويلة. لم نتمكن من إجلاء أي شخص منذ اندلاع الحرب على إيران”.
ويعتمد البرنامج الحكومي البريطاني، الذي أُنشئ انطلاقاً من مسار خاص لمشروع الأمل لتوفير الرعاية الصحية للأطفال المصابين بأمراض خطيرة أو إصابات بالغة في غزة، على منظمة الصحة العالمية لتزويده بقائمة المرضى الذين حددهم أخصائيون طبيون في القطاع كحالات ذات أولوية، ثم يقوم فريق من قيادات هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية بمراجعة هذه الحالات واتخاذ القرار بشأنها.
وتتطلب عملية الإجلاء، التي غالباً ما تكون طويلة ومعقدة، تنسيقاً بين منظمة الصحة العالمية والسلطات الإسرائيلية، وهو ما أدى إلى تنفيذ عدد محدود للغاية من عمليات الإجلاء الطبي، قبل أن يتم تعليقها حتى إشعار آخر.
وقال روهان تالبوت، مدير قسم المناصرة والحملات في منظمة المعونة الطبية للفلسطينيين، إن إعلان منظمة الصحة العالمية كشف هشاشة وعدم أمان مسارات الإجلاء المحدودة في ظل غياب وقف حقيقي لإطلاق النار.
وأضاف: “يجب على حكومة المملكة المتحدة والحكومات الأخرى أن تتجاوز تعهدات الإجلاء المحدودة، وأن تمارس ضغطاً حقيقياً على السلطات الإسرائيلية للسماح بدخول المساعدات دون قيود، وإعادة فتح جميع المعابر، وتمكين الوكالات الإنسانية من العمل على نطاق واسع”.
وتابع: “بدون اتخاذ إجراءات عاجلة لدعم القانون الدولي، سنشهد المزيد من الأمراض والوفيات التي يمكن الوقاية منها”.
ومنذ أكتوبر 2023، قدّمت مصر والإمارات العربية المتحدة وقطر أكبر قدر من المساعدات للمرضى الذين تم إجلاؤهم طبياً من غزة، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تليها دول الاتحاد الأوروبي والأردن وتركيا.
وعند إعلان الخطة الحكومية البريطانية في أغسطس من العام الماضي، صرّح مصدر رفيع لصحيفة صنداي تايمز بأنه سيتم إجلاء ما يصل إلى 300 طفل يعانون من أمراض خطيرة. وفي وقت لاحق، أعرب ناشطون لصحيفة الغارديان عن أملهم في مساعدة 100 طفل على الأقل، مؤكدين أن كثيرين قد يفقدون حياتهم أثناء الانتظار.
وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية إن عدد الأطفال الذين تم إجلاؤهم مع أسرهم المباشرة بلغ حتى الآن 50 طفلاً، دون تعليق على تأثير قرار تعليق الإجلاء على الخطة.
وقال عمر دين، أحد مؤسسي منظمة “بي بي إتش”، الذي استقبل مريم وعائلتها بباقة زهور: “نحن ممتنون لوصول بعض الأطفال بالفعل ضمن البرنامج الحكومي، لكن من المهم أن تقوم المملكة المتحدة، انطلاقاً من تقاليدها الإنسانية، بالمزيد من هذا العمل”.
وأضاف دين، وهو مسؤول تنفيذي في مجال الرعاية الصحية الأولية في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية: “لقد فعلنا ذلك مؤخراً مع أوكرانيا، ولا يوجد سبب يمنعنا من القيام بالمزيد من ذلك هنا”.

