المسار: أكد الأستاذ الدكتور سمير مصطفى أبو مدلله، المحاضر بجامعة الأزهر وعضو اتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، أن قطاع غزة لم يعد يواجه مجرد أزمة اقتصادية، بل انتقل إلى مرحلة “الاقتصاد المنكوب”.
وأوضح د. أبو مدلله أن الحرب الراهنة أحدثت شللاً تاماً في المحركات الرئيسية للنمو، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة مرعبة بلغت 87%، مما جعل السكان يعتمدون بشكل شبه كلي على المعونات الخارجية بعد فقدان كافة أدوات الإنتاج المحلي والقدرة على الصمود الذاتي.
تدمير القطاعات الإنتاجية: الزراعة والصناعة تحت مقصلة التجريف
استعرض أبو مدلله في تصريحات خاصة لموقع 180 تحقيقات ملامح الدمار الذي طال القطاعات الرئيسية، مبيناً أن قطاع الزراعة تعرض لضربة قاصمة نتيجة تجريف مساحات شاسعة من الأراضي، ما أدى لانخفاض النشاط الزراعي بنسبة 91% خلال عام 2024، وهذا الانهيار لم يفقد المزارعين مصادر دخلهم فحسب، بل أدى إلى تلاشي الأمن الغذائي المحلي، أما في القطاع الصناعي، فقد توقفت سلاسل الإنتاج تماماً بنسبة تراجع بلغت 90%، نتيجة تدمير المصانع ونقص الطاقة والمواد الخام، مما رفع معدلات البطالة بين العمال المهنيين إلى مستويات تاريخية لم يشهدها القطاع من قبل.
وعلى صعيد قطاع التجارة، أشار د. أبو مدلله إلى أن أكثر من 80% من منشآت القطاع الخاص تضررت أو دمرت بالكامل، ومع تعطل حركة الاستيراد والتصدير وتدمير الأسواق المركزية، توقفت حركة التجارة الداخلية، وتحول النشاط الاقتصادي من منظومة منتجة إلى مجرد محاولات فردية للبقاء.
وأوضح أن هذه الخسائر المباشرة وغير المباشرة قدرها البنك الدولي بحوالي 19 مليار دولار، حيث استحوذ قطاع الإسكان على النصيب الأكبر من الأضرار بنسبة 53%، يليه قطاعا التجارة والصناعة، مما يعني فقدان غزة لبنيتها التحتية والإنتاجية لعقود قادمة.
الانفجار الاجتماعي: بطالة فلكية وفقر ينهش جسد المجتمع الفلسطيني
تطرق الدكتور سمير أبو مدلله في حديثه لـ “180 تحقيقات” إلى التبعات الاجتماعية الكارثية لهذه الحرب، مؤكداً أن معدلات البطالة في غزة قفزت إلى نحو 80% خلال عام 2024، بينما ارتفعت في عموم فلسطين لتصل إلى 51%، هذا الانهيار الوظيفي ترافق مع انكماش الناتج المحلي في غزة بأكثر من 82%، مما أدى إلى اتساع رقعة الفقر بشكل غير مسبوق؛ حيث قفزت معدلات الفقر في فلسطين من 29% إلى 40%، بينما تعيش الغالبية العظمى من الأسر في غزة حالياً تحت خط الفقر المدقع، معتمدة كلياً على المساعدات الإغاثية الشحيحة التي تدخل القطاع.
وأوضح د. أبو مدلله أن تدمير البنية التحتية كان له الأثر الأكبر في تعميق هذه الأزمة، حيث تضررت أكثر من 62% من شبكة الطرق، مما أعاق نقل البضائع وتوزيع المساعدات، وأدى نقص المياه والكهرباء وارتفاع تكاليف الإنتاج إلى إغلاق آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة التي كانت تمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، هذا الانهيار الممنهج للقطاع الخاص أدى إلى فقدان مصادر الدخل الثابتة لمئات الآلاف من العمال وأصحاب المشاريع، مما جعل عملية إعادة الإعمار، التي تقدر الأمم المتحدة تكلفتها بأكثر من 70 مليار دولار، مهمة في غاية التعقيد في ظل غياب أي أفق سياسي أو اقتصادي واضح.
الحصار والأمن الغذائي: كماشة تقتل فرص التعافي الاقتصادي
شدد الدكتور سمير أبو مدلله على أن الحصار المستمر المفروض على غزة، بالتزامن مع الحرب، شكل “كماشة” أدت إلى شلل النشاط الاقتصادي، فمنع دخول المواد الخام وتقييد حركة التجارة أضعف القدرة على الإنتاج ورفع الأسعار بشكل جنوني، مما فاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي الحاد التي يعاني منها حالياً أكثر من نصف سكان القطاع، وأشار إلى أن تدمير الأراضي الزراعية ونقص الغذاء حول غزة من منطقة كانت تحاول تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل إلى منطقة تعتمد على “طرد المساعدات” الذي لا يسمن ولا يغني من جوع في ظل التضخم الهائل في الأسعار.
واختتم د. سمير أبو مدلله لـ “180 تحقيقات” أن اقتصاد غزة قد تحول رسمياً إلى “اقتصاد منكوب”، فالخسائر بالمليارات، والبنية التحتية مدمرة، والقطاع الخاص مشلول، والفقر والبطالة في ذروتهما، إن إعادة إحياء هذا الاقتصاد تتطلب ما هو أكثر من مجرد تمويل؛ إنها تتطلب رفعاً كاملاً للحصار، وإعادة بناء شاملة لكافة القطاعات الإنتاجية، وضمانات دولية لعدم تكرار هذا الدمار، لضمان استعادة الحد الأدنى من الكرامة المعيشية للشعب الفلسطيني الذي يواجه اليوم أخطر تهديد لوجوده الاقتصادي والاجتماعي في التاريخ الحديث.

