كتب جدعون ليفي: جرّاء الحرب، ملايين الإسرائيليين يعانون من اضطرابات نفسية

واحد من كل خمسة إسرائيليين يُظهر أعراض اضطراب ما بعد الصدمة. 7% من السكان يعانون من اضطراب الوسواس القهري، أي أربعة أضعاف المعدل العالمي. كما سُجِّلت زيادة حادة في الاكتئاب والقلق والإدمان

المسار: قبيل يوم الاستقلال، تنشر دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية أرقام السكان في أجواء احتفالية. غير أن هناك معطًى آخر، أقل حضورًا بكثير، لا يُبحث بما يكفي ولا يُنشر، وهو عدد الذين يعانون من ضائقة نفسية حادة. ويبدو أن هذا العدد يُقدَّر اليوم أيضًا بملايين — أشخاص لا يدخلون في الإحصاءات، بكل معنى الكلمة.

منذ هجوم 7 أكتوبر، تعيش إسرائيل حالة اضطراب نفسي واسعة. وقد رصدت دراسات عديدة تأثيرات قاسية على فئات مختلفة، من بينها ارتفاع معدلات الاكتئاب بعد الولادة، وزيادة الاكتئاب والقلق لدى ناجين من المحرقة، وتفاقم أعراض القلق لدى أطفال على طيف التوحد، بل وحتى اشتداد الألم لدى مرضى الفيبروميالغيا. إلا أن ما يتكشف في ظل الحرب المستمرة هو أن المجتمع بأكمله بات في دائرة الخطر. وعند جمع هذه المؤشرات، تتكوّن صورة مقلقة: شريحة واسعة من السكان تعاني من اضطرابات نفسية قابلة للتشخيص سريريًا.

يقول عالم النفس البروفيسور إيال كلانتروف من الجامعة العبرية في القدس: “وصلنا إلى وضع أصبحت فيه غالبية السكان ضمن فئة المتضررين، لا ضمن الفئة الأكثر صمودًا نفسيًا. هذا ثمن يجب التصريح به بوضوح، ويجب أن يكون حاضرًا في الوعي العام. على الجمهور أن يعرف كلفة الحرب على المدى الطويل.”

يتخصص البروفيسور إيال كلانتروف في اضطراب الوسواس القهري (OCD). وبعد ستة أشهر من هجوم 7 أكتوبر، سعى إلى فحص تأثير الحدث على سكان غلاف غزة. وكانت النتيجة لافتة: نحو ثلثهم أظهروا مؤشرات قوية على الإصابة بالوسواس القهري. يقول الباحث: “كان أبرز الأعراض سلوك التحقق المتكرر والمفرط من الأبواب والنوافذ. حتى من كانوا يقيمون في فنادق على البحر الميت كانوا يعيدون التأكد منها مرارًا. لا نتحدث عن تفقد عابر، بل عن سلوك يستغرق أكثر من ساعة يوميًا، وفي كثير من الحالات يصل إلى ثلاث أو أربع ساعات.” ومن الأعراض الأخرى غسل اليدين بشكل مفرط، والتنظيف والترتيب، وجميعها قد تستغرق ساعات يوميًا.

شمل البحث أيضًا مجموعة مقارنة لأشخاص لم يتعرضوا مباشرة للصدمة، وبلغت نسبة الإصابة بالوسواس القهري بينهم 7%، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالمعدل العالمي الذي يقل عادة عن 2% في معظم الدول. ويقول كلانتروف: “7% رقم كبير جدًا”. وقد واصل فريق البحث متابعة عينة ممثلة من السكان كل نحو ستة أشهر عبر خمس نقاط زمنية، وبقيت هذه النسبة مستقرة.

نسبة 7% من السكان يعني مئات آلاف الإسرائيليين — ما يعادل نحو ثمانية مقاعد ونصف في الكنيست. فما الذي ينتظرهم عندما تنتهي الحرب؟

يقول البروفيسور إيال كلانتروف: “هذه حالة مزمنة وخطيرة. يمكن علاجها، لكن لا شك أن كثيرين سيواصلون المعاناة لسنوات. حتى لو تحولت البلاد غدًا إلى سويسرا، فلن تختفي هذه الحالة.”

تأتي مؤشرات لافتة على الحالة النفسية للسكان من مصدر غير متوقع: مياه الصرف الصحي. إذ يرصد البروفيسور أريئيل كوشمارو من جامعة بن غوريون في النقب مستويات هرمونات التوتر، إلى جانب الكافيين والنيكوتين والأدوية المضادة للقلق. وقد بدأ بحثه، مصادفة، قبل هجوم 7 أكتوبر 2023 بقليل، ما أتاح إجراء مقارنة واضحة: مع اندلاع الحرب، سُجّلت قفزة حادة مقارنة بمستويات أيلول/سبتمبر 2023. ارتفعت مستويات الكافيين في مياه الصرف بنحو 425%، وتضاعف استهلاك السجائر.

وبالتوازي مع تحليل مياه الصرف، وُزِّعت استبيانات في المدن التي شملها البحث. ويقول كوشمارو: “تبيّن أن ما بين 20% و30% من المشاركين أظهروا أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، ما يتيح إجراء مقارنة تقريبية بين مستويات هذه الأعراض ومؤشرات التوتر في مياه الصرف”.

ويُعدّ موضوع الصدمة من أكثر المجالات التي دُرست منذ اندلاع الحرب. يقول البروفيسور يوفال نيريا من جامعة كولومبيا: “اضطراب ما بعد الصدمة حالة ديناميكية؛ نحو 50% ممن يُصابون به يتعافون خلال عام، لذلك من الضروري إجراء دراسات طولية”. وفي هذا السياق أيضًا، بدأ البحث — دون تخطيط مسبق — قبل نحو شهر من الحرب، بهدف فحص انتشار الاضطراب في أعقاب الأزمة السياسية الداخلية. وأظهرت النتائج أن نحو 16% عانوا من أعراضه. وبعد شهر من هجوم 7 أكتوبر 2023، ارتفعت النسبة إلى 29%، ثم استقرت بعد عامين عند نحو 20%.

في دراسة حديثة أُجريت في أواخر مارس على عينة ممثّلة من السكان، أفاد 95% من المشاركين بظهور عرض واحد على الأقل من أعراض ضائقة نفسية مرتبطة بالصدمة. وبالمجمل، أظهر 21% من العينة أعراضًا تتجاوز العتبة السريرية — أي أكثر من ضعف النسبة التي سُجّلت قبل هجوم 7 أكتوبر 2023.

تقول البروفيسورة يعيل لهاف، رئيسة مختبر أبحاث الصدمة النفسية في جامعة تل أبيب: “هذا مؤشر خطر مهم. من المعروف أن ما بين 50% و80% من الأشخاص الذين تظهر لديهم أعراض بمستوى سريري عقب التعرّض لصدمة قد يطوّرون لاحقًا اضطراب ما بعد الصدمة. وإذا لم تُعالج هذه الأعراض على نحو سريع، ترتفع احتمالات تطوّر الاضطراب، لا سيما في ظل طول قوائم الانتظار للعلاج، ونقص عدد المعالجين المتخصصين في هذا المجال.”

هل يمكن بالفعل رصد تداعيات التعرض الواسع للصدمة؟

“الناس اليوم يعيشون في حالة بقاء. لن يكون بالإمكان تقدير الكلفة بوضوح إلا بعد انقضاء هذه المرحلة. من يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة يواجه تراجعًا كبيرًا في قدرته على أداء وظائفه اليومية، وكذلك من تظهر لديهم أعراض ما بعد الصدمة حتى إن لم تتجاوز العتبة السريرية. هذه حالة تُلقي بثقلها على المجتمع بأكمله، ولها أيضًا كلفة اقتصادية. آمل أن تُعتمد خطة وطنية منظمة لعلاج المتضررين، لكن لا يبدو أن ذلك مطروح في الوقت الراهن.”

حاولت جمعية “نطال” تقدير الأثر الاقتصادي للتعرض الواسع للصدمة. وفي تقرير نشرته في يناير، قدّرت الخسارة بنحو 100 مليار شيكل سنويًا: 40 مليارًا كتكلفة مباشرة ناجمة عن تراجع القدرة على العمل لدى مئات آلاف الأشخاص وتكاليف علاجهم، و60 مليارًا كتكلفة غير مباشرة نتيجة ظواهر مرافقة لاضطراب ما بعد الصدمة، مثل ارتفاع حوادث الطرق والعنف والإدمان والأمراض الخطيرة. ومن المتوقع أن تستمر هذه الكلفة خمسة أعوام على الأقل، لتبلغ نحو نصف تريليون شيكل.

وتقول الدكتورة يفعات رؤوبيني، مديرة قسم الأبحاث في الجمعية: “اعتمدنا تقديرات محافظة جدًا. ومنذ نشر التقرير، وصلت معطيات إضافية كثيرة، كما شهدنا جولة تصعيد ثانية مع إيران، ما يعني أن الكلفة الفعلية ستكون أعلى بكثير.”

يؤكد جميع الباحثين الذين تحدّث إليهم ملحق “هآرتس” أن الصعوبات النفسية التي برزت خلال الحرب لن تختفي مع انتهائها. ومن بين الاضطرابات الأكثر استعصاءً على التعافي: الإدمان.

يتابع المركز الإسرائيلي للإدمان والصحة النفسية منذ نحو ثماني سنوات انتشار هذه الظاهرة. في بداية الدراسة، كان واحد من كل عشرة إسرائيليين يعاني من تعاطٍ إشكالي للكحول أو المخدرات أو من إدمان، مقارنة بمتوسط يقارب واحدًا من كل سبعة في الدول الصناعية. ومع جائحة كورونا، ارتفعت النسبة في إسرائيل إلى واحد من كل سبعة، ثم قفزت خلال الحرب إلى واحد من كل أربعة — وهو من أعلى المعدلات عالميًا. وتبلغ النسبة واحدًا من كل اثنين بين من ظهرت لديهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وواحدًا من كل ثلاثة بين المُهجّرين ومن هم في الفئة العمرية 18–26 عامًا.

ويقول البروفيسور شاؤولي ليف-ران، مؤسس المركز ومديره الأكاديمي: “لا بد من التذكير بالأضرار الهائلة للإدمان؛ فهو يدمّر الجسد والنفس، وفي نهاية المطاف يفتك بالمجتمع.”

كم من هؤلاء يُعدّون مدمنين فعليًا؟

“يُشخَّص الإدمان سريريًا، ويتطلب موارد كبيرة، ولا يمكن الاعتماد في تشخيصه على استبيانات بسيطة. لذلك لا تتوافر معطيات دقيقة حول التغيّر في معدلات الإدمان بحد ذاته. أمّا التعاطي الإشكالي، فهو نمط استخدام يفضي إلى مشكلات اجتماعية أو مهنية أو تعليمية، مع صعوبة في ضبط الدوافع. ومن المعروف أن ما بين 20% و25% من هؤلاء يطوّرون إدمانًا. أقدّر أن أكثر من 5% من السكان يعانون من الإدمان اليوم، مقارنة بنحو 3% قبل هجوم 7 أكتوبر.”

ما الذي يُتوقّع بعد انتهاء الحرب؟

يقول البروفيسور شاؤولي ليف-ران: “بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب، تراجعت أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، لكن التعاطي الإشكالي للمواد لم يتراجع. فعندما يعتاد الشخص استخدام مواد لتنظيم مشاعره السلبية، يستمر هذا النمط حتى بعد زوال المسبّب”.

ومع ذلك، لا يستسلم ليف-ران للتشاؤم، ويضيف: “هذه فرصة للارتقاء بمجال علاج الإدمان في إسرائيل إلى مستوى الدول المتقدمة. نحن اليوم متأخرون، لكن يمكن تقليص الفجوة. وإذا لم نتحرك بما يتناسب مع حجم المشكلة، فقد تكون العواقب طويلة الأمد”.

أحد الآليات الطبيعية التي تساعد الجسد والنفس على مواجهة الصدمة هو النوم، إلا أن هذا الجانب تضرر لدى كثيرين. ويتابع البروفيسور أليكس جيللس-هليل، من كلية الطب في الجامعة العبرية في القدس، أنماط النوم لدى الإسرائيليين منذ هجوم 7 أكتوبر، من خلال دراسات نصف سنوية على عينة تمثيلية تقارب ألف شخص. قبل ذلك التاريخ، كان نحو 5% من السكان يعانون من أرق سريري (1% شديد و4% متوسط). وبحلول نهاية عام 2025، ارتفعت النسبة إلى 28%: 7% أرق شديد و21% متوسط.

ويُعرَّف الأرق كاضطراب مزمن يستمر لأكثر من ثلاثة أشهر، مع مشكلات في النوم لأكثر من ثلاث ليالٍ أسبوعيًا، تؤدي إلى تراجع في الأداء اليومي. وترتبط هذه الحالة بالاكتئاب والقلق، وزيادة خطر الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب وبعض أنواع السرطان، إضافة إلى ارتفاع احتمال حوادث الطرق.

ما الذي سيحدث عندما تنتهي الحرب؟ هل سنعود إلى النوم؟

“من الصعب تحديد عدد الذين سيستمرون في المعاناة من الأرق إذا — ومتى — انتهى كل شيء، إذ لا توجد حالة مشابهة يمكن الاستناد إليها عالميًا”. وربما يصحّ القول، بنبرة لا تخلو من أسى، إن إسرائيل — إلى جانب تقنيات مثل الريّ بالتنقيط والقبة الحديدية — تقدّم للعالم أيضًا نفسية سكانها بوصفها ميدانًا بحثيًا فريدًا. ويقول البروفيسور أليكس جيللس-هليل: “هذه هي المرة الأولى التي تتحول فيها دولة كاملة إلى ما يشبه مختبرًا للنوم، مع أدوات تتيح قياس أنماط نوم السكان”.

من جهته، يشير البروفيسور إيال كلانتروف إلى أن الباحثين تساءلوا لسنوات عمّا إذا كانت الصدمة تزيد من احتمال الإصابة باضطراب الوسواس القهري. ويضيف: “كانت هذه مسألة مفتوحة، لأنه لا يمكن إجراء دراسة على مجموعتين والتسبب لإحداهما بصدمة. أحداث 7 أكتوبر وفّرت، بشكل غير مسبوق، واقعًا يتيح فحص هذا السؤال”.

في أماكن مثل قطاع غزة أو دارفور، تعاني مجتمعات كاملة من الصدمة، لكن يصعب هناك فصلها عن ظروف الحياة القاسية. ويقول كلانتروف: “أحداث 7 أكتوبر أتاحت فرصة نادرة لدراسة مجتمع يمرّ بصدمة شديدة، لكن من دون عوامل إضافية مثل نقص الوصول إلى الخدمات الصحية أو الجوع”.

وقد تابع الحقل العلمي عن كثب التدهور في الحالة النفسية داخل إسرائيل. جمعت الدكتورة ميخال كوهين، من المركز الإسرائيلي للإدمان والصحة النفسية والجامعة العبرية في القدس، الدراسات المنشورة في مجلات علمية دولية خلال العامين حتى أكتوبر 2025، فوجدت ما لا يقل عن 2000 دراسة — بمعدل يقارب ثلاث دراسات يوميًا. وتضيف: “من المتوقع أن نشهد في 2026–2027 موجة أكبر، مع استكمال تحليل البيانات التي جُمعت”.

ثمة من يرى أن التركيز على الأضرار النفسية خطاب انهزامي يضعف المجتمع، لكن كلانتروف يرفض ذلك بشدة: “العكس هو الصحيح، وهذا موقف مهني لا أيديولوجي. كل من يعمل في هذا المجال يعرف أن قول ‘أنتم أقوياء’ لمن يعاني لا يساعده، بل قد يزيد من شعوره بالعجز. الاعتراف بالصعوبة وفهمها والتعامل معها بجدية — هذا ما يعزّز الفرد والمجتمع”.

وتقول الدكتورة يفعات رؤوفيني: “كلفة الحرب واضحة للجميع، لكن الكلفة النفسية أصعب بكثير. لن نفهم الثمن الكامل للحرب إلا إذا اعترفنا بها.”

Share This Article