المسار : حين نتمعن في بنية حركات التحرر الفلسطيني اليوم، نقف أمام تحول طوبولوجي مذهل: تلك الكيانات التي كانت تشبه فضاءات متصلة ومتراصة، تعمل وفق جيوبوليتيك المقاومة ونظرية النقطة الثابتة، تحولت إلى أطياف سياسية داخل فضاء فارغ، أشبه بمجموعة كانتور التي تفتقد إلى الجوهر المادي وإن حافظت على شكلها الظاهري.
في فلسفة الثورة، كانت حركات التحرر تمثل “كياناً نضالياً” بمفهومها الهيغلي: ذات تاريخية تمتلك وعياً وجدانياً وهدفاً غائياً. لكن اليوم، نحن أمام تحول دقيق من “الوجود المقاوم” إلى “الظهور السياسي”. وكما يعلّمنا دولوز في طوبولوجيا الفضاء الضبابي، فإن البنية قد تحافظ على قطرها وحدودها بينما تفقد كثافتها تماماً، فتتحول إلى سطح يفتقر إلى العمق الأنطولوجي.
الطوبولوجيا الفلسطينية تعكس مفارقة مذهلة: حركات تحرر كانت تمثل “حلقات متصلة” تربط الأرض بالإنسان والسلاح بالمشروع، أصبحت اليوم “مجموعات منعزلة” تتحرك في فضاء منحني سياسياً، لا تلتقي إلا عند نقاط الصفر. حركات وتنظيمات وطنية وإسلامية لم تعد حاملة لخطاب التحرر بقدر ما تحولت إلى أداة لإدارة غيابه، و تجد نفسها أسيرة فضاء محلي مغلق تتناقض طوبولوجياً مع عموم فلسطين التاريخية، والجبهات والشعارات تائهة بين نقاط الانقطاع اللانهائي.
بالعودة إلى إدموند هوسرل ونقد البنيويين، نجد أن أي ظاهرة ثورية تتشكل من “مضمون” و”قصدية”. أما اليوم، فالمضمون النضالي التاريخي أيقوني بمعنى الاختزال الرمزي: صور الشهداء معلقة، أعلام التحرر منشورة، شعارات المقاومة مسجلة، لكن القصدية الثورية اختفت. التحول من “الكينونة الثورية” إلى “تمثيلها السياسي” يشبه فكرة “المحو” عند بول ريكور: صمود الشكل كعلامة فارغة بعد تلاشي المضمون.
لعل أخطر ما أصاب بنية حركاتنا تحول خطابها من فلسفة الفعل إلى بلاغة الوجود. في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان النص الثوري نصاً تربوياً أخلاقياً محكوماً بـ”أخلاق الغايات” عند كانط: العمل من أجل هدف التحرر الكلي. أما اليوم، فالنص تحول إلى بيانيات يومية تخلو من نظرية التغير، فباتت قيادتها تتحدث عن القدس من رام الله القريبة إلى طهران البعيدة ، بينما واقعها عاجز عن حماية حجر في بلدة صغيرة في الضفة ، أو برج سكني وبشري في غزة . هذا الانفصال بين المعلن والواقع يذكرنا بمفهوم “التمثيل الرمزي الفارغ” عند كلود ليفي شتراوس.
لذلك، نحن اليوم أمام حاجة ماسة لإعادة التفكير في “طوبولوجيا النضال” من جديد. لا يمكن أن تظل البنية الثابتة لحركاتنا مجرد أطياف بلا جاذبية نوعية. المطلوب تفكيك هذا الفضاء السياسي المتجعد وإعادة تعريف النقاط الأساسية للمقاومة: كيف نبني حدوداً متصلة بين المقاومة الشعبية والمسلحة؟ كيف نخلق فضاءً مزدوجاً (محلياً ودولياً) بدلاً من الاستقرار على حيز ضيق انعزالي؟ وكيف نعيد للحالة الفلسطينية كثافتها الثورية، فتتحول من مجرد كيانات وزارية إلى قوة قادرة على اختراق المنطق الاحتلالي الاحلالي؟
هذا الجدل الطوبولوجي ليس بحقل فلسفي ، بل ضرورة نضالية. فطالما ظلنا ضمن أطياف سياسية معزولة، سنظل نعيش وهم المقاومة. وحين نستعيد فضاء التحرر بكل أبعاده الديناميكية، سنفاجئ الاحتلال بأن الكتابة الفلسفية في طوبولوجيا الثورة ليست مجرد تنظير، بل بوصلة نحو أفق التغيير الحقيقي.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

