الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

مركز بيغن – السادات للدراسات الاستراتيجية (BESA) 16/6/2026 

التحديات التي تواجه صياغة استراتيجية للأمن القومي

بقلم: العقيد (احتياط) د. شمعون أراد

ملخص:

ينص قانون صدر مؤخرًا، ولأول مرة، على إلزام أي حكومة إسرائيلية جديدة بإعداد استراتيجية للأمن القومي في غضون 150 يومًا من تشكيلها. ومع تحديد موعد الانتخابات العامة في موعد أقصاه أكتوبر 2026، فقد تُقر إسرائيل قريبًا أول استراتيجية رسمية للأمن القومي. يُمثل هذا فرصةً لفرض توحيد على التوجه الاستراتيجي غير المنسق للبلاد ومفهومها الأمني، ويأتي في وقت يشهد فيه الوضع تباينًا استراتيجيًا ومؤسسيًا في أعقاب الحروب متعددة الساحات التي اندلعت بعد هجوم حماس على إسرائيل في7 أكتوبر 2023. ونظرًا لضعف مجلس الأمن القومي وعدم قدرته على قيادة الجهود المعقدة لصياغة استراتيجية متماسكة وقوية للأمن القومي، فقد نحصل بدلاً من ذلك على استراتيجية سطحية تُهدر الفرصة التي يُتيحها القانون الجديد. يجب اتخاذ خطوات لضمان تصميم الاستراتيجية الجديدة بطريقة تضمن إعادة التقييم المستمر، وتعزز التعلم والتكيف الدائمين في مواجهة المشهد الإقليمي المتغير باستمرار.

تفتقر إسرائيل إلى استراتيجية أمن قومي معتمدة رسميًا. وينص القانون الحالي على إلزام كل حكومة جديدة بإعداد واحدة في غضون 150 يومًا من تشكيلها. لذا، بعد الانتخابات العامة المقبلة، التي ستُجرى في موعد أقصاه أكتوبر، قد تُقر إسرائيل أخيرًا أول استراتيجية أمن قومي رسمية لها.

يمثل هذا الشرط الجديد فرصة لخلق ترابط بين المكونات الأساسية لأمن إسرائيل. فهو يسمح بمواءمة التوجه الاستراتيجي للدولة، ومبدأها الأمني، وبناء قواتها وتشغيلها – وهي مكونات غير متناسقة حاليًا. ومع ذلك، تأتي هذه الفرصة في وقت يشهد فيه الوضع في إسرائيل انحرافًا استراتيجيًا وضعفًا مؤسسيًا.

من بين تبعات الحرب متعددة الساحات التي تشنها إسرائيل منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، تزايد تطبيق توجه استراتيجي استباقي وتعديلي، ما أدى إلى تغييرات فعلية في مفهوم الأمن الإسرائيلي وفي عمليات قواتها وبنائها. وتُنفذ هذه التغييرات دون عملية صنع قرار رسمية أو نقاش عام. في الوقت نفسه، يعاني محلس الأمن القومي، المسؤول عن صياغة استراتيجية الأمن القومي الجديدة، من الضعف ويفتقر إلى العمق البيروقراطي اللازم لقيادة هذا الجهد الفكري والمؤسسي المعقد بفعالية وفي غضون المدة الزمنية المحددة بخمسة أشهر بموجب القانون الجديد.

نتيجةً لذلك، قد تكون الاستراتيجية الجديدة سطحية، وقد تُفوَّت فرصة وضع استراتيجية متماسكة، مع تحديد أولويات إسرائيل الأمنية للخمس سنوات القادمة. ولضمان عدم إهدار هذه الفرصة، ينبغي للحكومة الجديدة اعتماد آلية مشاورات متكررة مع واضعي الاستراتيجية، وتعيين فريق من الخبراء ذوي الخبرة لدعم جهود مجلس الأمن القومي وتعزيزها. يجب أن تضمن استراتيجية الأمن القومي الجديدة قدرة مستمرة على التعلم والتقييم لتمكين إجراء تغييرات سريعة في ظل الظروف الإقليمية المتغيرة باستمرار.

يتناول هذا المقال تحديات عملية صياغة استراتيجية جديدة للأمن القومي، وليس مضمونها.

 القانون الجديد

يدعو القانون الجديد إلى وضع استراتيجية متماسكة ومعتمدة للنهوض بمصالح إسرائيل السياسية والأمنية، وتعزيز قدرتها على الصمود الوطني. وقد تأثر القانون بنماذج من دول أخرى، بما في ذلك اشتراط الولايات المتحدة وجود وثيقة سنوية لاستراتيجية الأمن القومي. في المذكرة التفسيرية للقانون، أشار واضعوه إلى أن مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي لم يُعتمد رسميًا قط، وبالتالي يبقى مثابة توجيه استراتيجي ضمني. يُعيق غياب استراتيجية واضحة للأمن القومي عملية الترجمة والتكييف والتنفيذ اللازمة للتعامل الفعال مع البيئة الأمنية المتغيرة في إسرائيل.

ينص القانون على أن استراتيجية الأمن القومي المقترحة ستُلزم بدراسة الافتراضات الأساسية المحيطة بالتحديات والفرص السياسية والأمنية التي تواجه إسرائيل، وتفصيل التهديدات والتحديات وفقًا لخطورتها، وتقديم بدائل للتعامل معها. وبذلك، ينبغي أن تُحدد الاستراتيجية أهداف إسرائيل السياسية والأمنية، بما في ذلك الغايات والمصالح اللازمة لضمان وجودها وقوتها وأمنها، وأن تُبين التحديات السياسية والأمنية على أساس سنوي ومتعدد السنوات، بما في ذلك على الصعيد الداخلي.

تقع مسؤولية صياغة استراتيجية الأمن القومي على عاتق مجلس الأمن القومي بالتشاور مع وزارة الدفاع ووزارة الخارجية والمؤسسة الدفاعية والوزارات الحكومية الأخرى ذات الصلة. وبعد الموافقة عليها، ستُعرض على لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست في غضون أسبوعين. وستُصنف الوثيقة سرية، وسيُنشر ملخص غير سري لها.

يهدف القانون الجديد إلى تحويل وثيقة استراتيجية الأمن القومي إلى خطة شاملة. ستتطلب هذه العملية جهدًا فكريًا كبيرًا وتنسيقًا بين الأجهزة، في وقتٍ تراجعت فيه قدرات إسرائيل على التخطيط الاستراتيجي، ويعاني فيه مجلس الأمن القومي من الشلل والضعف المؤسسي.

 صياغة استراتيجية متماسكة، ذات أولويات محددة، ومتوازنة

يُعدّ التماسك، وتحديد الأولويات، والتوازن ثلاثة عناصر أساسية في تصميم وتنفيذ استراتيجية جديدة للأمن القومي. وسيواجه واضعو هذه الاستراتيجية تحديات كبيرة في جميع هذه المعايير الثلاثة.

خطر عدم التماسك: يجب أن تتناسب استراتيجية الأمن القومي الجديدة مع التوجه الاستراتيجي الإسرائيلي، الذي يشهد حاليًا انحرافًا. فقد أدت صدمة الهجوم الإسرائيلي في أكتوبر 2023 وتداعيات الحرب متعددة الجبهات إلى تحولٍ رد فعلي في التوجه الاستراتيجي الإسرائيلي، مما يعكس انتقالها من دولة محافظة على الوضع الراهن إلى لاعب إقليمي يسعى إلى مراجعة الوضع الراهن. ويحدث هذا التحول دون أي نقاش معمق. ويؤثر هذا الانحراف في التوجه الاستراتيجي الإسرائيلي بشكلٍ جوهري على صياغة استراتيجية الأمن القومي الجديدة ومستوى المخاطرة التي ستتحملها.

في الماضي، كانت إسرائيل تُعتبر دولة تُفضّل الوضع الراهن، لا سيما بعد توسعها في حرب الأيام الستة عام 1967. سعت إسرائيل إلى الحفاظ على الحدود التي رُسمت بعد عام 1967، والتحالف مع الولايات المتحدة، والتعاون الإقليمي في مواجهة أي تهديد توسعي من إيران أو حزب الله أو حماس. وقد ركزت سياستها على ضرورة تحقيق الاستقرار من خلال الردع بدلاً من فرض التغيير الإقليمي بالقوة.

افترض واضعو مفهوم الأمن في خمسينيات القرن الماضي أن الصراع مع العرب لا يمكن حله بالقوة، وأن على إسرائيل الصمود حتى تحظى بالقبول في المنطقة. ونتيجة لذلك، تبنت إسرائيل استراتيجية أمنية دفاعية قائمة على مفهوم “الجدار الحديدي”، تم تنفيذه من خلال نهج عسكري هجومي. وبحكم طبيعتها، افترض التوجه الاستراتيجي التقليدي لإسرائيل، كدولة تسعى للحفاظ على الوضع الراهن، أن الصراع العربي الإسرائيلي سيُحل في نهاية المطاف عبر عملية دبلوماسية لا بالإكراه العسكري.

لكن هذا المفهوم التقليدي آخذ في التغير. فبعد هجوم 7 أكتوبر، تحولت سياسة حكومة نتنياهو الإقليمية إلى نهج أكثر توسعًا يعتمد على الإكراه العسكري. وقد وصف بعض المعلقين هذا التحول بأنه ضرورة منع التهديدات الاستراتيجية من خلال إكراه حازم وغير متناسب، ونهج قائم على القوة الجيوسياسية لإدارة العلاقات والصراعات الإقليمية. على الرغم من أن هذه ليست استراتيجية متماسكة ومتفق عليها، فقد دفعت إلى المطالبة بمفهوم أمني جديد قائم على الردع الفعال، بل وظهرت في توصيات لجنة نيغل بشأن بناء القوات، والتي شُكّلت بعد 7  أكتوبر لدراسة ميزانية الدفاع وبناء القوات.

سيواجه المسؤولون عن صياغة استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلية الجديدة تحدياتٍ جمة، تتمثل في مدى اتساق توصياتهم مع التوجه الاستراتيجي المتطور لإسرائيل، وعقيدة الأمن القومي، وتوجيهات نشر القوات وبنائها. ويُصعّب غياب النقاش المعمق حول هذه القضايا حتى الآن مهمتهم، ما يستلزم إجراء حوارات معمقة مع الحكومة الجديدة حول رؤيتها الاستراتيجية الشاملة.

صعوبة تحديد الأولويات: ينص القانون الجديد على أن تُقيّم استراتيجية الأمن القومي مصالح إسرائيل وأهدافها في المجالين السياسي والأمني ​​وتُحددها. ورغم أن هذه المصالح والأهداف مُخصصة لفترة زمنية تمتد لسنوات قادمة، إلا أنه يجب أن تستند أيضًا إلى القيم الوطنية والأيديولوجية الأساسية، كما وردت في إعلان استقلال إسرائيل. وتشمل هذه القيم: الرغبة في السلام؛ وتنمية الدولة بما يعود بالنفع على جميع سكانها، على أساس الحرية والعدالة والسلام؛ والمساواة المطلقة والحرية الدينية؛ ونهضة يهود الشتات.

بالنظر إلى الواقع الاستراتيجي المُعقد لإسرائيل، سيكون من المستحيل استثمار جميع الموارد اللازمة لتحقيق جميع مصالحها وأهدافها السياسية والأمنية. لذا، سيكون تحديد الأولويات ضروريًا ولكنه صعب. سيتطلب ذلك جولات متكررة من التنسيق مع الحكومة الجديدة بشأن القضايا الخلافية، وسيمثل تحديًا فكريًا لواضعي الاستراتيجية، لا سيما في ضوء الحاجة إلى فهم “أسلوب عمل” القادة الجدد واستعدادهم لتحمل المخاطر.

ينبغي أن يستند الحوار إلى جولات متكررة من المشاورات مع قيادة الدولة الجديدة لتحديد أولويات المصالح والأهداف بناءً على تصنيفها إلى: حرجة، بالغة الأهمية، مهمة، أو مرغوبة، وذلك من منظور مسرح العمليات (إيران، الفلسطينيون، لبنان، سوريا، دول السلام والتطبيع، الولايات المتحدة، والساحة الدولية) ومن منظور وظيفي (الانتشار النووي، أنظمة الأسلحة المتقدمة، الأمن السيبراني والتكنولوجيا، صيانة البنية التحتية الحيوية، الاستقلال مقابل التبعية، التجارة الدولية، خطوط الإمداد، وما إلى ذلك.

مع ذلك، ونظرًا لنظام الائتلافات المتبع في إسرائيل، فمن المرجح أن تعكس أي حكومة جديدة قدرًا من الانقسام بين وجهات النظر اليسارية والوسطية واليمينية، مما يُصعّب التوصل إلى اتفاق بشأن أولويات المصالح والأهداف. تُعزز حكومات الائتلاف في إسرائيل تفضيل التخطيط قصير المدى والاستجابة السريعة. ومن المرجح أن تُؤثر الاعتبارات الأيديولوجية على النقاشات حول أولويات المصالح والأهداف. وتُعد القضية الفلسطينية، على وجه الخصوص، حساسة للغاية في هذا السياق، لكنها محورية لتعزيز مصالح إسرائيل وأهدافها الأخرى، بما في ذلك تحسين علاقاتها الإقليمية والدولية.

قد يُؤدي هذا التحدي المتمثل في تحديد أولويات مصالح الحكومة الجديدة وأهدافها إلى تقديم قائمة غير مُرتبة ومُبهمة الصياغة، مما يُقوّض هدف القانون المتمثل في زيادة التماسك بين مختلف العناصر التي تُشكل استراتيجية إسرائيل الشاملة.

التوازن – يجب أن تكون استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي متوازنة داخليًا وخارجيًا. فعلى الصعيد الخارجي، يجب أن تُوازن الاستراتيجية بين نقاط قوة إسرائيل ونقاط ضعفها لتجنب تبني نهج استراتيجي غير متوازن. من جهة، لا ينبغي الاستهانة بقوة الدولة وقدراتها، إذ سيحول ذلك دون استخدامها للموارد اللازمة لتحقيق مصالحها وأهدافها. ومن جهة أخرى، يجب عليها تجنب تبني استراتيجية طموحة للغاية تُرهق الدولة وتُضعفها. يجب أن تضمن أي استراتيجية جديدة للأمن القومي، على الأقل، تحسين الوضع الاستراتيجي لإسرائيل مقارنةً بوضعها عند تولي الحكومة السلطة.

وهذا يعيدنا إلى مناقشة التوجه الاستراتيجي لإسرائيل. فحتى لو سلمنا بمنطق ضرورة صياغة استراتيجية أكثر استباقية للأمن القومي، فإن موارد إسرائيل محدودة لتحقيق ذلك. من المعقول افتراض امتلاكها القدرات العسكرية والتكنولوجية اللازمة لتطبيق نهج إقليمي أكثر حزمًا، إلى جانب الدعم الشعبي المحتمل والقدرة على الصمود. ومع ذلك، فهي تفتقر إلى القوة الاقتصادية والسياسية اللازمة للاستمرار في نهج تصادمي طويل الأمد، ومن المرجح أن تحصل على دعم أمريكي محدود لدفع أجندة إقليمية معدلة.

يقوم التوازن الداخلي على مواءمة المصالح والأهداف مع الموارد المتاحة، وعلى الموازنة بين الثبات والمرونة في مواجهة التغيير. نظراً للإنفاق الكبير على الحروب متعددة المسارح في السنوات الأخيرة، والذي استلزم زيادة في ميزانية الدفاع وتعبئة واسعة النطاق لقوات الاحتياط، التي تُعدّ محركاً أساسياً للاقتصاد في أوقات الاستقرار، تواجه إسرائيل قيوداً اقتصادية ومالية تجعل من الصعب عليها الاستمرار في اتباع نهج إقليمي تنقيحي قائم على استعراض القوة.

علاوة على ذلك، وكما ينص عليه القانون، يجب أن تتناول استراتيجية الأمن القومي الجديدة أيضاً الشؤون الداخلية لإسرائيل. فإلى جانب القيود الاقتصادية، تتزايد الانقسامات السياسية والأيديولوجية في المجتمع الإسرائيلي. وقد فاقمت محاولة الحكومة الحالية لتعزيز الإصلاحات القانونية والمؤسسية من حدة هذه الانقسامات. إضافة إلى ذلك، تتزايد معدلات الجريمة، لا سيما بين السكان العرب في إسرائيل، ويتعرض الحكم في النقب والجليل للخطر. وتشكل هذه العمليات تهديداً استراتيجياً داخلياً للبلاد.

أي استراتيجية جديدة للأمن القومي يجب أن تُوجّه نحو تعزيز قوة إسرائيل الداخلية ووحدتها وقدرتها على الصمود لمواجهة بيئتها الخارجية المعقدة والخطيرة بشكل أفضل. ويتطلب ذلك إيجاد التوازن الأمثل بين مصالح إسرائيل الداخلية والخارجية وأهدافها، وتوزيع الموارد اللازمة لتحقيق ذلك.

بناء آلية تقييم مستمرة

تُعدّ قدرة إسرائيل على التكيف مع الظروف المتغيرة أمرًا بالغ الأهمية لأمنها ورفاهيتها في منطقة الشرق الأوسط المتغيرة باستمرار. لذا، يجب أن تتضمن أي استراتيجية رسمية للأمن القومي القدرة على التعامل مع التغيير وإتاحة المرونة اللازمة.

يُعدّ التعلم المُستجدّ عنصرًا أساسيًا للنجاح الاستراتيجي، لا يقل أهمية، بل قد يفوق أهمية، الالتزام بخطة استراتيجية مُعتمدة. لذلك، ينبغي أن تُراعي استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلية ليس فقط تماسكها وأولوياتها وتوازنها، بل أيضًا آليات التعلم المُتطورة فيها، وإمكانية إعادة صياغة عناصرها، أو حتى الاستراتيجية بأكملها.

يتطلب ذلك انفتاحًا من جانب صُنّاع القرار الإسرائيليين للسماح بإجراء تقييمات دورية لمدى سلامة الاستراتيجية وفعالية تنفيذها. يُمكن إجراء التقييم الاستراتيجي من أعلى إلى أسفل، بناءً على طلبات من رئيس الوزراء و/أو مجلس الوزراء، أو من أسفل إلى أعلى، بناءً على التقييم المهني للمُقيّمين والمُخططين. سواء بدأ التعلم المحتمل من أعلى إلى أسفل أو من أسفل إلى أعلى، ينبغي دمج التقييمات الدورية في عملية التنفيذ لضمان إعادة التقييم المستمر لفعالية الاستراتيجية.

 ضعف مؤسسي

يعاني مجلس الأمن القومي الإسرائيلي اليوم من ضعف مؤسسي وتنظيمي. فقد ظل المجلس يعمل بدون مدير دائم منذ أكتوبر 2025، ولم يُعيّن رئيس جديد له إلا مؤخرًا، ومع ذلك لا يزال يعاني من نقص حاد في الموظفين.

وقد غادر نائب رئيس مجلس الأمن القومي منصبه ليشغل منصبًا جديدًا في وزارة الدفاع، كما أن هناك مناصب حيوية أخرى لم تُشغل بعد أو ستُصبح شاغرة قريبًا.

بعد الانتخابات، سيواجه الرئيس الجديد لمجلس الأمن القومي تحديًا يتمثل في صياغة استراتيجية جديدة للأمن القومي والتنسيق مع الحكومة الجديدة، بالإضافة إلى التحدي التنظيمي الداخلي المتمثل في إعادة بناء المجلس. وبالتوازي مع تعزيز التنظيم، سيُطلب من المجلس أيضًا قيادة التنسيق مع المنظمات الأخرى المعنية بهذه العملية.

 تجنب عملية “القيام بالعمل الشاق”

تُتاح فرصة لصياغة واعتماد استراتيجية للأمن القومي لأول مرة، مع تحديد المصالح والأهداف السياسية والأمنية لإسرائيل للسنوات القادمة بطريقة متماسكة ومُرتبة الأولويات ومتوازنة، تتضمن آليات للتعلم والتقييم. مع ذلك، ونظرًا للتحديات التي ينطوي عليها هذا الجهد الشامل والتعاوني، وفي ظل الانحراف عن الاستراتيجية العامة لإسرائيل وضعف مجلس الأمن القومي، قد تفشل أول محاولة مؤسسية شاملة لصياغة استراتيجية رسمية للأمن القومي. قد يتجلى هذا الفشل في صورة “نسخ ولصق” من وثائق التقييم الاستراتيجي الحالية و/أو توجيهات الحكومة السابقة. لذا، على الرغم من أن مجلس الأمن القومي سيقدم استراتيجية جديدة ظاهريًا للأمن القومي، إلا أنها ستُغفل الغاية المرجوة من القانون.

لمواجهة التحديات التي تعترض صياغة استراتيجية للأمن القومي، يمكن اتخاذ عدة خطوات. أولًا، ينبغي على رئيس مجلس الأمن القومي الجديد التنسيق مع الحكومة الجديدة لوضع آلية لتنسيق المواقف طوال عملية الصياغة. ينبغي أن يستمر الحوار بين مجلس الأمن القومي والحكومة الجديدة بشأن تحديد مصالح إسرائيل وأهدافها حتى يتم تحديدها نهائيًا. بعد ذلك، ستنتقل عملية صياغة الاستراتيجية إلى مرحلة عرض بدائل سياسية لتعزيز هذه المصالح والأهداف وتحقيقها.

ثانيًا، في ضوء ضعف مجلس الأمن القومي الحالي، ينبغي تعيين فريق من الخبراء المتمرسين لمرافقة عملية صياغة الاستراتيجية ودعمها. سيرفع هذا الفريق تقاريره إلى رئيس مجلس الأمن القومي، وسيساعد في عملية التنسيق المهني مع الأجهزة الأمنية الأخرى، وسيسهم في تبسيط عملية التعاون.

ثالثًا، إذا لزم الأمر، يمكن للحكومة الجديدة تمديد الموعد النهائي لتقديم وثيقة استراتيجية الأمن القومي لزيادة احتمالية استيفاء الاستراتيجية الجديدة، على الأقل، لمعايير التماسك، وتحديد الأولويات، والتوازن، والمراجعة والتقييم المستمرين.

العقيد (احتياط) د. شمعون أراد: شغل مناصب متنوعة في مجال التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، ووزارة الدفاع، وهيئة الأمن القومي. وهو يعمل حاليًا في مجال الاستشارات الأمنية والاستراتيجية.

——————————————

يديعوت 16/6/2026 

الاسم الرسمي للاتفاق الذي يجري العمل عليه مع إيران هو وقف إطلاق النار

بقلم: رونين بيرغمان

في الأشهر الأخيرة، عملت مجموعة من العلماء والمهندسين وعناصر الاستخبارات والعملاء في عدة مراكز مغلقة وسرية في الغالب للمعرفة والعلوم والمعلومات والاستخبارات، وقد بدت عليهم علامات القلق الشديد. يمكنك أن ترى بوضوح القلق في نظرات بعضهم، والذي ازداد حدة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ قبل ثلاثة أشهر، وأصبح “مطلقًا وجادًا وعاجلًا” عند الإعلان عن الاتفاق الليلة الماضية، كما يقول أحدهم. يقول آخر: “في هذا الموضوع، كلما ازداد علمك، قلّ نومك. ولأنني أعرف تقريبًا كل شيء، ففي نهاية شهر آذار تقريبًا، لا أنام إطلاقًا”.

لقد كرّس هؤلاء الأشخاص حياتهم المهنية للتحدي المحوري الذي يواجه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على مدى الثلاثين عامًا الماضية: المشروع النووي الإيراني. وقد طوّر كلٌّ منهم، في مجاله، خبرةً متخصصةً ومعرفةً عميقةً بكل ما يتعلق بالشؤون النووية في إيران، وبالمناسبة، أيضًا بعمليات صنع القرار في البلاد، وأساليب تفكيرها، وثقافتها، وهيكلها التنظيمي، وحتى شخصياتها.

تشير المحادثات مع عدد منهم في الأشهر الأخيرة إلى أنه، على عكس عناصر أخرى في المؤسسة الأمنية قد تُقدّم إجابات مختلفة حول كيفية توجيه الموارد، فإن جميع أعضاء هذه المجموعة، إذا سألتهم عن كيفية التعامل مع إيران، وما هي الأولوية القصوى؟ سينظرون إليك بدهشة وكأن السؤال نفسه مطروح. “علينا التعامل مع المادة المخصبة، ثم المادة المخصبة، وعندما ننتهي من ذلك، تكون المادة المخصبة”. إن المادة المخصبة هي مادة انشطارية، ولا يفهم أعضاء هذه المجموعة كيف سمحت دولة إسرائيل لنفسها بالوصول إلى وضع تستطيع فيه إيران تجميع 12 قنبلة ذرية في وقت قصير – “اتفاق لا يتضمن، على الأقل في الوقت الراهن، أي شيء يتعلق بالإشراف على المادة المخصبة أو تفكيكها أو الاستيلاء عليها أو القضاء عليها، كما أنه يقوض قدرة إسرائيل على التصرف بمفردها”.

من وجهة نظر أعضاء هذه المجموعة، قد تكون إيران ترتكب الكثير من الأفعال السيئة، لكن فعلًا واحدًا فقط هو القادر على إنهاء الدولة اليهودية – ألا وهو المادة المخصبة، جوهر القنبلة الذرية. ويرى معظم أعضاء المجموعة أن سلسلة من الأخطاء الجسيمة أوصلت إسرائيل إلى وضعها المروع الحالي، وهم يوجهون أنظارهم بشكل عاجل إلى المكان الأكثر غرابة – “حيث يمكن ان يكون الكلب مدفونا”، كما يقول أحدهم مازحًا، “أو على الأقل اليورانيوم المخصب”.

خلال الستين يومًا التي تبدأ يوم الجمعة، من المفترض أن تتوصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق بشأن القضايا النووية، لكن الخبراء يحذرون بقلق بالغ قائلين: “قد تستغل هذه الفترة، حيث لا توجد رقابة ويُحظر غيها العمل، للانطلاق الى القنبلة”. ويضيفون: “إن الوضع السياسي الداخلي والتشابك الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة لن يتركا بالضرورة للقادة المجال الكافي للتعامل مع هذه القضية”.

***

المسمى الرسمي للاتفاق المُبرم مع إيران هو وقف إطلاق النار، وفتح مضيق هرمز، والعودة إلى المفاوضات، وربما حتى “فرصة دبلوماسية”. لكن المسمى الحقيقي يجب أن يكون مختلفًا تمامًا: ستون يومًا.

ستون يومًا يُفترض أن يجلس فيها العالم مع إيران، يحتسي القهوة، ويتبادل المسودات، ويناقش ما إذا كانت العقوبات ستُرفع الآن أم بعد أن تُقدم إيران خدمةً وتُنفذ أحد التزاماتها السبعة، بينما يأمل في الوقت نفسه – بل يأمل بشدة – ألا يستغل النظام الإيراني، النظام نفسه الذي حوّل الاحتيال النووي إلى صناعة تصدير وطنية، هذا الوقت للاندفاع سرًا نحو المكان الذي اقترب منه أكثر من أي وقت مضى: الأسلحة النووية.

المشكلة أن الأمل ليس استراتيجية، ولا معلومات استخباراتية، ولا حتى خطة عمل.

البيانات الجافة والدقيقة، كما تُخزنها بعض مصادر المعرفة والحد من التسلح والاستخبارات في الغرب، تلك التي لا تُلاقي استحسانًا في المؤتمرات الصحفية الاحتفالية، تبدو كالتالي: تمتلك إيران حاليًا مواد مُخصبة بكميات كافية، بعد المزيد من التخصيب، لصنع حوالي 12.5 قنبلة من هذه المواد بمستويات تخصيب أعلى: حوالي 11 قنبلة من المواد المُخصبة بنسبة 60 في المئة، وحوالي 1.5 قنبلة أخرى من المواد المُخصبة بنسبة 20 في المئة. بالإضافة إلى ذلك، يحتوي على مواد بنسبة 5 في المئة تكفي، على المدى البعيد، لصنع حوالي 7 قنابل أخرى. بعبارة أخرى: المرحلة العاجلة هي 12.5؛ والمخزن الخلفي أكبر.

لكن هذا هو الفخ تحديدًا. يبدو الفرق بين 60 في المئة و90 في المئة ضئيلاً للأذن. عمليًا، ووفقًا للحسابات المهنية المعتمدة، فإن من يمتلك مواد بنسبة تخصيب 60 في ايلمئة يكون قد قطع شوطًا كبيرًا نحو التخصيب الكامل. لهذا السبب، فإن تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المئة ليس “سلاحًا نوويًا مدنيًا مشروطًا”. إنه أشبه ببندقية جاهزة للإطلاق، لكن دون أن يضغط أحد على زنادها بعد.

ولهذا السبب أيضًا أصبحت عبارة “إيران لا تزال بعيدة عن امتلاك قنبلة” من أخطر العبارات المطمئنة التي انتشرت هنا في السنوات الأخيرة. إنها صحيحة فقط إذا تجاهلنا المواد، والحقيقة، وافترضنا أن الإيرانيين سيقدمون لنا معروفًا ولن يحاولوا فعل ما يفترضه أي تقييم موضوعي.

يقول رافي ميرون، نائب رئيس مجلس الأمن القومي آنذاك والمسؤول عن ملف البرنامج النووي الإيراني، بوضوح: لقد سار البرنامج عبر مسارين: المسار المادي – اليورانيوم المخصب المستخدم في صنع الأسلحة، ومسار التسليح – القدرة الهندسية على تحويل هذه المادة إلى قنبلة نووية. لا داعي للافتراض بأن كل شيء على ما يرام، يكفي أن نفترض أن الإيرانيين ليسوا أغبياء. ولسبب ما، يصعب على صانعي القرار لدينا تبني هذا الافتراض. لقد فهم نتنياهو، في عام 2012، الرجل الذي رسم مخطط القنبلة في الأمم المتحدة، هذا الأمر تمامًا. حينها شرح للعالم، بلغة إنجليزية ممتازة وباستخدام وسائل توضيحية بسيطة، أن السؤال ليس متى ستحصل إيران على القنبلة، بل متى سنعجز عن منعها، وفي كل الأحوال، لن نكون متأكدين من قدرتنا على اكتشافها. وقال حينها إنه يجب وضع حد لبرنامج التخصيب، لأن منشآت التخصيب هي الجزء الذي يمكن رؤيته ومهاجمته. وأوضح أيضًا أنه يمكن تصنيع رأس حربي في مكان أصغر بكثير، يصعب اكتشافه، خاصة في بلد بحجم إيران. لذا كان محقًا. المشكلة هي أن تلك الكلمات تبدو اليوم وكأنها اتهامٌ لمن قالها.

فمنذ ذلك الخطاب، مرت سنوات، وحروب خفية، واغتيالات، وتفجيرات، وهجمات إلكترونية، وسرقة أرشيف نووي في عملية استخباراتية بارعة، وانسحابات من الاتفاقيات، وخطابات في الكونغرس، وهجمات على إيران، وهجمات إضافية، واحتفالات نصر، وخطابات نصر، وفي نهاية المطاف نقف هنا: إيران تمتلك مواد يورانيوم عالية التخصيب تكفي لصنع حوالي 12.5 قنبلة، وكمية هائلة من اليورانيوم منخفض التخصيب يمكن استخدامها كاحتياطي، مع رقابة متضررة، وخبرة عملياتية حديثة العهد ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وستين يومًا يُفترض فيها، لسبب ما، أن تتصرف بشكل جيد.

***

لقد كانت عملية “الأسد الصاعد”، في بعض جوانبها، إنجازًا استخباراتيًا وعملياتيًا مثيرًا للإعجاب. شملت العملية الحالية قدرات عسكرية واستخباراتية وتكنولوجية، وحققت إنجازات عظيمة تُنسب إلى الطيارين وعناصر الاستخبارات العسكرية والمهندسين وعناصر العمليات، وإلى كل من قام بعمل جليل بشجاعة وكفاءة. والسؤال المطروح هو: من أرسل هؤلاء الأشخاص الموهوبين للقيام بالخطأ، وبترتيب أولويات خاطئ، ثم أطلق على ذلك نصرًا؟

يصف ميرون ذلك بأنه “فشل استراتيجي للتوجيه الذي أحبط مرة أخرى عملية عسكرية رائعة”. ويقول إن اللحظة الأولى للهجوم – اللحظة الوحيدة التي شهدت عنصر مفاجأة تكتيكية حقيقية – كان ينبغي أن تستهدف في المقام الأول جوهر التهديد: المواد المخصبة بنسبة 60 في المئة و20 في المئة. لا أن تُستهدف في المقام الأول من أجل الظهور الإعلامي، أو من أجل صور مبهرة، أو أهداف تبدو رائعة في الفيديو الموسيقي للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أو من أجل فيلم تلخيصي مصحوب بموسيقى نهاية الموسم. بل المواد المخصبة أولًا. ثم الصواريخ. ثم كل شيء آخر. ويؤكد أن المواد المخصبة بمستويات عالية “تجعل نظام التخصيب الصناعي بأكمله غير ضروري”، وتجسد التهديد الأساسي، لكنها تبقى تحت سيطرة الإيرانيين.

المواد المخصبة بمستويات عالية هذه نقطة تستحق التوقف عندها. على مر السنين، استثمرت إسرائيل جهودًا جبارة في منظومة التخصيب الإيرانية – من منشآت وأجهزة طرد مركزي وكهرباء وأمن سيبراني وعلماء وسلاسل إمداد. ولكن إذا كان الإيرانيون يمتلكون في نهاية المطاف كمية كبيرة من المواد عالية التخصيب، فإن مهاجمة المصنع الذي أنتج هذه المواد أشبه بإيقاف مطبعة بعد أن غادرت الأوراق النقدية المستودع. جميل، لكن صاحب المنزل في طريقه إلى البنك.

بعد عملية الأسد الصاعد، وبعد أن وعد نتنياهو وترامب بتدمير المشروع النووي الإيراني (مع أن نتنياهو صرّح بأن مشروع الصواريخ قد دُمّر أيضاً وأن التهديد قد زال)، قال رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، عكس ذلك تماماً، مؤكداً أن الإيرانيين يمتلكون من المعرفة والمعلومات والمعدات ما يكفي لإنشاء منشأة نووية صغيرة سراً، وصنع قنبلة نووية فيها.

ومن بين جميع الخبراء الذين تحدثنا إليهم، كرّر كلٌّ منهم، بشكلٍ مثير للقلق، نفس الاستنتاج. يقول أحدهم: “انطلاقاً من معرفتي بهؤلاء الأشخاص، وعقليتهم، وروحهم، وعنادهم، لا يساورني أدنى شك في أنهم الآن، وقد فقدوا القائد المسؤول الذي كان يحرص على كبح جماحهم، والذي لم يكن يريدهم أن يطوروا القنبلة، وقد قدّمنا لهم أيضاً كل الأسباب التي تدفعهم إلى امتلاكها، سيحاولون بكل قوتهم تحقيق ذلك”.

هذه هي الفجوة بين الواقع وألبوم النصر. ففي الواقع، لا تزال الصورة غير مكتملة بشأن حجم الضرر. وفي الواقع، لا توجد رقابة كاملة. وفي الواقع، لا يزال مخزون المواد النووية في مستويات عالية. لم يخرج الأمر عن سيطرة إيران. في الواقع، منذ شباط 2021، لم يعد هناك رصد مستمر لإنتاج أجهزة الطرد المركزي ومكونات التخصيب الأخرى، لذا لا يمكن لأحد أن يجزم بعدد المكونات، أو أنظمة النسخ الاحتياطي، أو القدرات البديلة التي أعدها الإيرانيون بينما ينشغل العالم بالتصريحات. يشير ميرون إلى أنه حتى قبل الحرب، كان هناك أكثر من 21 ألف جهاز طرد مركزي مثبتة في موقعين خاضعين للإشراف، لكن رصد إنتاج أجهزة الطرد المركزي الجديدة توقف في شباط 2021.

لذلك، فإن عبارة “إذا جددوا – فسنعلم”  ليست سياسة، بل هي اعتقاد. أحيانًا يساعد الاعتقاد الناس على تجاوز الليل، لكنه أقل فعالية عندما يتعلق الأمر بكشف الأنشطة السرية في بلد تبلغ مساحته 1.6 مليون كيلومتر مربع، يضم جبالًا وصحاري ومدنًا وأنفاقًا وجامعات ومصانع وقواعد ومستودعات وقوات الحرس الثوري، وثقافة استراتيجية للتستر عمرها أربعة عقود. المأساة هي أن نتنياهو كان يدرك الخطر أفضل من معظم منتقديه. لقد كان يعلم أنه لا تُقاس المسافة بين “الحالة الحدية” و”الحالة التي لا يمكن إيقافها” بأجهزة الطرد المركزي فحسب، بل تُقاس أيضًا بالمواد والمعرفة والوقت والتصميم.

***

في الوضع الراهن، لا يحتاج الإيرانيون إلا إلى جزء ضئيل من أجهزة الطرد المركزي المتطورة التي كانت لديهم في حزيران 2025 لإتمام تخصيب اليورانيوم عالي الجودة إلى درجة تخصيب كافية لصنع عدة قنابل، وذلك في فترة وجيزة. لم يعد هذا قطاعًا ضخمًا يتطلب آلاف الأشخاص، ولافتات، وموقف سيارات للموظفين، ومطعمًا. فكلما صغر حجم الهدف، كلما كان أصغر حجمًا وأكثر انتشارًا، وأسهل إخفاءً، وأصعب استهدافًا.

وهنا تبرز أهمية ما يُنشر عن الإجراءات الإيرانية الرامية إلى منع الوصول إلى احتياطيات اليورانيوم المخصب. إذا صحّ هذا الكلام، فإنه يحمل دلالة مزدوجة. فمن جهة، يُصعّب على أي جهة خارجية – سواءً كانت مفتشين أو قوة ردع – تحديد موقع اليورانيوم بدقة والوصول إليه فعليًا. ومن جهة أخرى، لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن الإيرانيين قد أخفوا اليورانيوم عن أنفسهم أيضًا. إيران قوة خفية، وإذا طُلب منها في المستقبل الإفراج عن المواد كجزء من اتفاق، فقد يظهر عذرٌ مُقنع: “نرغب بشدة في ذلك، لكن بعض المواد يصعب الوصول إليها؛ بعضها لم يُعثر عليه بعد؛ بعضها مدفون؛ وربما هرب بعضها الآخر خجلاً”.

هذا هو الخطر الأكبر في مهلة الستين يومًا. لن يكتفي الإيرانيون بكسب الوقت، بل سيفعلون ما يشاؤون خلال هذه المهلة. يعرض ميرون خيارين إيرانيين رئيسيين: الأول، العودة إلى الاتفاق، وتفكيك الأصول النووية تحت الإشراف، وإعادة المفتشين ووسائل المراقبة، وتوقيع مبادئ مماثلة للاتفاق النووي. أما الثاني، وهو الأخطر، فهو استغلال المفاوضات والفوضى التي تعقب الحرب لتحويل المواد المخصبة، ومرافق التخصيب، وأصول الأسلحة إلى مواقع سرية، والتقدم إلى مستوى إنتاج الأسلحة، وإعادة تحويلها، ومواصلة العمل عبر القنوات الهندسية، ثم اختيار الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية والكشف عن القدرات من خلال عرضٍ عملي أو دعوة خبراء. في مخططه، يتعايش المساران، لأنه في إيران، كما في إيران، يمكن لكل من الاتفاق والخداع أن ينجحا في التحول الثوري نفسه. النموذج الذي يقلق ميرون هو كوريا الشمالية. ليس لأن إيران وكوريا الشمالية متطابقتان، بل لأن الدرس واضح: المسألة ليست كيفية إيقاف القنبلة، بل كيفية التعايش مع نظام يمتلكها. الإيرانيون يدركون هذا. لذلك، بعد الضربات التي تلقوها، قد يتعزز استنتاجهم بأن السلاح النووي ليس خطرًا على النظام، بل هو مثابة ضمانة لبقائه. لسنوات، قالوا في إسرائيل: إذا تمكنوا من اختراق دفاعاتنا، فسنهاجم. الآن رأوا أن إسرائيل والولايات المتحدة هاجمتا – ولم يفعل النظام شيئًا. فشلت الخطة، ولم تختفِ الصواريخ، والعالم يسارع إلى اتفاق. ما الدرس الذي نتوقع أن تتعلمه طهران تحديدًا؟ أن القوة لا تجدي نفعًا؟ أن الخداع لا ينجح؟ أن الوقت ليس في صالحهم؟ أحقًا؟

الاتفاق الذي يجري تشكيله لا يبعث على الاطمئنان أيضًا. بحسب التقارير الأخيرة، يمنح الإطار هدنة لمدة 60 يومًا لإجراء مفاوضات حول الملف النووي، بينما تبقى المسائل الجوهرية – مستقبل التخصيب، ومصير مخزون اليورانيوم المخصب، وعمليات التفتيش والتحقق – مفتوحة. المعنى واضح: تم تأجيل الأمر الأهم. وبالنسبة للإيرانيين، التأجيل ليس فراغًا، بل هو فرصة عمل.

يجب أن ينطلق أي اتفاق جيد من جوهر الموضوع، لا من الخطابات، ولا من اللجان، ولا من التصريحات، ولا من “تعهدات إيران”. فالتعهدات الإيرانية دون تحقق ليست سوى أسلوب أدبي، وليست سياسة أمنية. أي اتفاق لا يُخرج المواد المخصبة بنسبة 60 في المئة و20 في المئة من سيطرة إيران فورًا، أو يُخفف تركيزها تحت إشراف كامل وفوري، ليس اتفاقًا يُبعد إيران عن امتلاك قنبلة نووية، بل هو اتفاق يمنحها مزيدًا من الوقت للقرب منها.

***

وهنا لا بدّ لنا من قول الأمر الأكثر إزعاجًا: من المحتمل جدًا أن الجولات العسكرية الأخيرة لم تمنع إيران من امتلاك القنبلة فحسب، بل حسّنت موقعها الاستراتيجي نحو تحقيق اختراق. لقد كشفت لها مواطن ضعفها، ومواطن مناعتها، وما تعرفه إسرائيل، وما هي استعدادات الولايات المتحدة لفعله، وإلى متى ستدفع الجبهتان الإسرائيلية والأمريكية ثمن ذلك، وكيف أن العالم في عجلة من أمره لإنهاء حرب قبل حتى أن يُغلق المشكلة التي أشعلت فتيلها. كما منحتها أعذارًا: مواقع روسية، وإغلاق الوصول، ومفتشون خطرون، ومعلومات حساسة، والحاجة إلى بروتوكولات جديدة، والسيادة، والشرف الوطني، والمقاومة. هناك دائمًا عذر. أحيانًا يبدو حتى مُنمّقًا.

كان هناك من وعدنا بانهيار النظام. لم ينهار. كان هناك من وعدنا باختفاء الصواريخ. لم تختفِ. كان هناك من وعدنا بتدمير البرنامج النووي. لم يُدمّر. كان هناك من وعدنا بأننا “أخرناهم سنوات عديدة”. ربما أخرنا بعض المنشآت. ربما أخرنا بعض القدرات. لكن إذا بقيت المواد، وإذا بقيت المعرفة، وإذا كان الإشراف غائباً، وإذا تعززت الدوافع الإيرانية – فربما لم نؤخر إيران سنوات، بل إسرائيل.

المأساة تكمن في أن نتنياهو كان يدرك الخطر في وقت من الأوقات أفضل من معظم منتقديه. كان يعلم أن المادة هي الأساس، وأن المرحلة التي لا يمكن فيها منعها هي المرحلة الحرجة، وأن التخصيب هو جوهر الأمر. كان يعلم أن المسافة بين “دولة على وشك بلوغ العتبة” و”دولة لا يمكن إيقافها” لا تُقاس فقط بأجهزة الطرد المركزي، بل أيضاً بالمواد والمعرفة والوقت والعزيمة. ثم، بعد سنوات بنى خلالها نفسه على أنه الشخص الوحيد المسؤول الذي يواجه إيران، قدم للجمهور صورة نصر لا تصمد أمام اختبار البيانات.

هذا ليس مجرد سوء فهم، بل هو سوء فهم يخفي خطأً استراتيجياً، وهذا أخطر بكثير. لأنه إذا اعتقد الجمهور أن التهديد قد زال، فلن يكون هناك ضغط لتعديل الاتفاق. وإذا اعتقدت الحكومة أنها انتصرت، فلن يكون هناك إلحاح للمطالبة بالمواد. وإذا اعتقد الأمريكيون أن الحرب قد حققت أهدافها، فسيكتفون بصياغة لطيفة. وإذا اعتقد الإيرانيون أن كل ما عليهم فعله هو البقاء على قيد الحياة، وكسب الوقت، وتقسيم المواد، واستعادة السيطرة بشكل انتقائي، والتظاهر – فإن الستين يومًا القادمة ليست ممرًا للدبلوماسية، بل هي نافذة لتحقيق اختراق.

لذا، فإن السؤال الذي يجب طرحه صباح الغد ليس ما إذا كان الاتفاق جيدًا أم سيئًا من الناحية السياسية، ولا ما إذا كان ترامب سيقدمه على أنه تاريخي، ولا ما إذا كان نتنياهو سيحاول تخريبه، ولا ما إذا كان الإيرانيون سيسوقونه كإنجاز للمقاومة أم كإهانة تستحق التقبل. السؤال واحد: أين المواد؟

أين المواد المخصبة بنسبة 60 في المئة؟ أين المواد المخصبة بنسبة 20 في المئة؟ ما مقدارها المتاح؟ من المستعد للتوقيع على أن الإيرانيين لن يديروا ممرًا سريًا صغيرًا معزولًا محميًا خلال الستين يومًا القادمة، لتحويل أزمة استراتيجية إلى فرصة تاريخية لهم؟

في النهاية، تتلخص القصة الإيرانية برمتها في نقطة صاغها نتنياهو نفسه بأفضل شكل: السؤال ليس متى ستحصل إيران على القنبلة. السؤال هو متى سنعجز عن منع ذلك؟ إذا لم تُسحب المواد المخصبة من سيطرتهم أو تُخفف تحت إشراف حقيقي خلال الستين يومًا القادمة، وإذا لم يُستأنف الإشراف الكامل على أجهزة الطرد المركزي، وإذا اكتفى الغرب باتفاق آخر يبدأ بتصريحات وينتهي بتبريرات الإيرانيين لاستحالة التفتيش، فقد يكون الجواب على هذا السؤال بسيطًا للغاية.

إن المرحلة التي نعجز فيها عن منع ذلك ليست في المستقبل، بل قد بدأت بالفعل.

——————————————

هآرتس 16/6/2026

انهاء الحرب بالشروط المطروحة ليس نبأ سار لاي إسرائيلي

بقلم: عاموس هرئيلِ 

يبدو ان القضية الإيرانية تعتبر ثاني اكبر كارثة في مسيرة نتنياهو الطويلة بعد مذبحة 7 أكتوبر. فالحملة ضد حماس ليس لم تؤد فقط الى تفكيك هذه المنظمة بالكامل وانتصار إسرائيلي مطلق، كما وعد رئيس الحكومة دائما، بل ان النتائج التي تظهر في ايران محبطة جدا من وجهة نظر إسرائيل. ويسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجهد لانهاء الحرب وسحب القوات الامريكية من المنطقة، ومن المرجح ان يحقق الاتفاق جزء صغير فقط من تطلعات نتنياهو.

لم تنشر تفاصيل الاتفاق بالكامل حتى الان، لكن هذه المرة وضع جدول زمني واضح. ويضاف الى ذلك الرغبة الواضحة في توقيع الاتفاق والتوتر العلني مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي لم يعد الرئيس الأمريكي يخفيه. أما ملف في لبنان، الملف الثانوي، يعد ترامب بوقف اطلاق النار، لكنه كالعادة لا يفسر، في حين تهدد إسرائيل بمواصلة القتال هناك وتعلن بان قواتها ستبقى متواجدة داخل الأراضي اللبنانية.

وقد تسببت خيبة الامل، للمرة الثانية، في ازمة ثقة بين مؤيدي نتنياهو. حدث هذا في السابق عندما لم يحقق ترامب الأوهام التي سوقها اليمين في إسرائيل حول ضم الضفة الغربية المزعوم في العام 2020، وحدث عندما اجبر نتنياهو على قبول صفقة الرهائن الأخيرة مع حماس في تشرين الأول الماضي.

من المرجح ان نهاية الحرب بالشروط المطروحة ليست خبر سار لاي إسرائيلي، لانه يبدو في الوقت الراهن ان ايران تخرج من هذه الحرب اقوى واكثر تصميما. مع ذلك يصعب تجاهل مازق المؤيدين المتحمسين، الذين بقوا لاشهر يصفون باعجاب خطوة نتنياهو البارعة عندما جر ترامب للحملة الثانية ضد ايران. أيضا تفاخر هؤلاء المؤيدون بالتحالف الذي ظهر وكأنه متين بين الزعيمين. ولكنهم بدأوا يدركون بالتدريج ان ترامب تخلى عن بطلهم، وشملت ردة الفعل وابل من الشتائم الموجهة لمساعدي الرئيس، وليس لترامب نفسه في الوقت الحالي، واستخدام عبارات لاسامية.

ما زالت علامات استفهام كثيرة تحلق فوق الاتفاق. من المقرر ان تفتح المرحلة الأولى مضيق هرمز، وبالتالي، الرفع السريع لمعظم العقوبات الدولية المفروضة على اقتصاد ايران. وفي الفترة القادمة من المقرر ان تبدأ نقاشات معمقة لتفاصيل التفاهمات المتعلقة بالمشروع النووي. وقد تحدث ترامب في الفترة الأخيرة عن إمكانية تخفيف تركيز اليورانيوم المخصب، بدلا من إزالة كل المخزونات عالية التخصيب. يكمن الشيطان في التفاصيل: ما هي نسبة اليورانيوم التي سيتم إخراجها خارج ايران؟ (في 2015 ارسل 98 في المئة منها الى روسيا، والان يتم التلميح الى انها 50 في المئة)، ما الذي سيفعلونه باليورانيوم منخفض التخصيب؟ ما هو دور الوكالة الدولية للطاقة النووية؟ هل سيكون من الأفضل لإيران مواصلة ابحاثها وتطويرها النووي؟.

اما بالنسبة للعقوبات فهي عشرات مليارات الدولارات التي سيتم الافراج عنها في المرحلة الأولى، بما في ذلك الحسابات المجمدة في قطر والصين. يحاول ترامب ابعاد نفسه عما يصفه بالاتفاق الكارثي الذي وقع عليه الرئيس براك أوباما قبل 11 سنة. هو سيركز على الاختلافات مع الاتفاقات السابقة، في محاولة لتقديم نفسه كشخص انتزع تنازلات من الإيرانيين. وهناك قضية أخرى تتعلق بالاحتجاجات الضخمة التي قمعها النظام الوحشي في ايران في كانون الثاني الماضي. سيوفر ضخ الأموال في هذه المرة شريان حياة للنظام الذي كان على وشك الانهيار عشية الحملة الحالية. اذا نظرنا الى ابعد من مصالحنا الضيقة للحظة فسنجد ان الشعب الإيراني خاب امله بالفعل من الولايات المتحدة وإسرائيل رغم وعدهما بتقديم المساعدة له .

ان الإهانة والانتقادات التي يوجهها الرئيس لرئيس الحكومة، للأسبوع الثاني على التوالي، تشير الى مستوى التوتر بينهما. من الواضح ان تاثير نتنياهو على ترامب محدود. ففي شؤون الشرق الأوسط يستمع الرئيس بشكل أساسي الى قادة الدول الغنية، السعودية وقطر والامارات. ان مثل هذه النهاية للازمة الإيرانية – بدون تغيير النظام واحباط البرامج النووية والصاروخية، وتضرر العلاقات الخاصة بشكل واضح – تشير الى تآكل القيمة التي بناها نتنياهو لمكانة إسرائيل الدولية بدءا من العام 2023.

ان ما بدأ في الانقلاب النظامي يبلغ الذروة مع اقتراب انتهاء الحرب ضد ايران. كان يمكن تجنب ذلك لو لم تحث إسرائيل الولايات المتحدة على خوض الحرب بخطة غير مدروسة واهداف غير قابلة للتحقق.

قال المحلل دافيد ماكوفسكي، من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، لـ “هآرتس” أمس بان ترامب ما زال يلتزم بهدف منع ايران من امتلاك برنامج نووي، وهي قضية شغلته وتحدث عنها علنا منذ تسعينيات القرن الماضي. وأضاف ماكوفسكي بان الرئيس غير منحاز ولا يتردد في استخدام القوة العسكرية، لكنه يحذر من الحروب الطويلة والدموية. “بالنسبة له الامر ينتهي بضربة واحدة” (عملية واحدة تنتهي بسرعة). “هكذا تصرف في اغتيال قاسم سليماني وأبو بكر البغدادي واختطاف نيكولاس مادورو، وفي قصف المنشأة النووية في فوردو بطائرات “بي 2”.

قبيل المواجهة

قد تكون المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بالتحديد حول لبنان. اعلن ترامب بان الاتفاق سيشمل لبنان، لكنه لم يوضح التفاصيل حتى الان. اذا كان نتنياهو ما زال يحاول تضليل الراي العام في إسرائيل بشان قضية ايران، فان جبهة لبنان تشتعل اكثر. لا يقتصر الامر على ضرورة وقف اطلاق النار هناك، بل يتوقع التوصل الى اتفاق يضمن عدم اطلاق حزب الله للصواريخ والمسيرات من جديد، الامر الذي يسمح بعودة آمنة الى القرى والبلدات على طول الحدود.

قبل يومين، بعد هجوم إسرائيلي على عناصر من حزب الله في الضاحية في بيروت، هددت ايران بالرد من خلال اطلاق النار على إسرائيل. ترامب أوقف الهجوم، لكنه وجه توبيخ علني لنتنياهو. امس اعلن نتنياهو ووزير الدفاع كاتس بان الجيش الإسرائيلي “سيبقى في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة الى اجل غير مسمى”، وان المناطق التي سيطر عليها سيتم اخلاءها من السكان العرب، مع استمرار التدمير واسع النطاق للبيوت في القرى، كدرس من احداث 7 أكتوبر. في الواقع ظهر كاتس وكأنه مصمم على المثول ذات يوم امام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي – وتعتبر أقواله تحد متعمد للسياسة الامريكية. دائما واجه الأبيض معضلة كبيرة: كيف يتعامل مع استمرار تواجد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وكيف يمنع تعزز حزب الله من جديد.

عقد نتنياهو مؤتمر صحفي نادر نسبيا مساء امس وصف بالمتوتر والمتلعثم. وكعادته تهرب نتنياهو من الإجابة المباشرة على الأسئلة، ورفض الاعتراف بأي خطأ. وبالكاد تم ذكر المذبحة في غلاف غزة، ولم يشر الى العزلة الدولية التي وجدت إسرائيل نفسها فيها تحت قيادته، أو الازمة الشديدة مع ترامب. ادعاءه بان ايران سارعت الى امتلاك سلاح نووي عشية الحملة الأولى ضدها في حزيران 2025 لا أساس له من الصحة، وأيضا تصريحه بانه لولا تلك العملية لكانت ايران تمتلك بالفعل عدة قنابل نووية. لم يتطرق ابدا الى احتياطي اليورانيوم المخصب، القضية الملحة اكثر. وحتى تصريحه بان حزب الله كان يهدد كل أراضي إسرائيل من قلعة شقيف التي تمت السيطرة عليها، لا أساس له من الصحة.

لو كان قد شغل منصب رئيس الوزراء في دولة تفتقر الى ادنى قدر من المسؤولية لكان من المؤكد سيستقيل من منصبه بسبب تضرر العلاقات مع الولايات المتحدة والعجز عن ترجمة التفوق العسكري الواضح على ايران الى اتفاق استراتيجي يضمن وقف المشروع النووي لسنوات كثيرة. ولكن من لم يفكر حتى الان بالاستقالة في 8 أكتوبر فمن المرجح انه لن يفعل ذلك الان.

——————————————

يديعوت 16/6/2026

عادت إسرائيل الى واقع تكون فيه حرية عملها محدودة وردعها متضرر أساسا

بقلم: يوسي يهوشع 

يمتلىء التاريخ العسكري باحداث كان الإحساس فيها بعد أن ترسب رماد الحريق هو “انتصرنا في كل المعارك لكننا خسرنا في الحرب”. هذا حصل للامريكيين في فيتنام وفي أفغانستان وهذا حصل لنا في عهد المنطقة الأمنية في لبنان.

توجد أيضا احداث يكون فيها النصر في المعركة ونصر آخر في المعركة يحققان انتصارا في الحرب كلها. هذا حصل للمتمردين في سوريا في مسيرة استمرت 13 سنة. هذا هو انجاز جهاز الامن في الضفة في العشرين سنة الأخيرة.

المرة الأخيرة التي عشنا فيها إحساس الهزيمة كانت بعد حرب لبنان الثانية. لكن في حينه الجيش هو الذي خيب الامل، وصل غير مستعد وانهى الحرب بشكل سيء، وبما يتناسب مع ذلك دفع رئيس الأركان دان حلوتس ورئيس الوزراء اهود أولمرت الثمن الجماهيري.

هذه المرة كان الإحباط اكبر وذلك لان الجيش الإسرائيلي، سلاح الجو وشعبة الاستخبارات تميزوا بشكل استثنائي، ومحظور التقليل من أهمية ذلك. وبالذات لهذا السبب فان النتيجة النهائية تعد أسوأ بكثير. فقد قال مصدر إسرائيلي رفيع المستوى امس: “لو كانوا في إسرائيل يعرفون مسبقا بان هذه ستكون النتيجة النهائية، لكان مشكوكا جدا أن نكون خرجنا الى “زئير الأسد”.

ما الفرق بين النجاح والفشل. عندما تعمل الاستراتيجية العسكرية والاستراتيجية السياسية – الأمنية كقبضة واحدة تجاه هدف واضح وبشكل منهاجي، فان نصرا في معركة ونصرا آخر في معركة أخرى يؤديان الى نصر في الحرب. عندما تكون الثقوب في الجبنة اكبر من الجبنة نفسها، فانه يمكن السفر الى سويسرا وتناول الكرواسون والجبنة السويسرية، لكن لا يمكن النصر في الحروب.

كتبنا هنا بضع مرات بان الإنجازات الأكبر كانت في اننا اخترنا ان نـأخذ مصيرنا في أيدينا وقررنا المبادرة، والا نسمح لاعدائنا ان يكونوا خطوة واحدة امامنا. كتبنا أيضا انه في الشرق الأوسط تتبين النتائج في الصباح التالي للصباح التالي. بخلاف معارك أخرى هنا لا حاجة الى مسافة زمنية كبيرة من نهاية الحرب كي نفهم النتيجة، وهذه المرة الإحباط كبير على نحو خاص، وعن حق.

كي نفهم حجم الإحباط في إسرائيل، من الواجب النظر بداية الى ما سيسجل كاهم واكثر المعارك لمعانا التي خضناها في أي مرة ضد الجمهورية الإسلامية. حملة “زئير الاسد” لم تكن جولة أخرى من تبادل الضربات. كان استعراض قوة مبهر بقيادة إسرائيل، رأى العالم كله فيها حليفان يقاتلان معا، في ما كانت إسرائيل هي التي تقود المعركة.

لقد تحقق تفوق جوي سريع في سماء ايران، تضررت منظومات الدفاع الجوي، مواقع القيادة والتحكم، مخازن الصواريخ ومنصات الصواريخ الباليستية، صفي او أصيب كبار مسؤولين في المنظومة الأمنية الإيرانية. إضافة الى ذلك، جسدت الحملة مستوى تنسيق غير مسبوق بين إسرائيل والولايات المتحدة واتاحت ضربة واسعة الناطق لبنى تحتية عسكرية واستراتيجية في ارجاء ايران، في ظل تقليص قدرتها على تفعيل جزء هام من منظومات النار والتحذير لديها.

ما الذي تعلمناه عن العلاقات مع الولايات المتحدة؟ أنه محظور أن نضع كل البيض في سلة واحدة وبالتأكيد ليس لدى رجل واحد غير متوقع؟ التنسيق مع واشنطن هام، لكن التعلق الذي نشأ خطير وعديم المسؤولية. في نهاية الامر، فانه بسبب خوض مفاوضات اهمالية من جانب رئيس القوة العظمى الأقوى في العالم، عادت إسرائيل الى واقع تكون فيه حرية عملها محدودة اكثر وردعها متضرر أساسا بسبب الضرر الذي لحق بالعلاقة بين ترامب ونتنياهو.

هذه ليست ثرثرة استغابة. يجدر بنا أن نذكر بانه في الإنذار الحربي الشهير لشعبة الاستخبارات من العام 2023، الذي كتبنا عنه هنا أشار رجال الاستخبارات بان أعداء إسرائيل يشخصون ضعفا في العلاقات بين واشنطن والقدس ولهذا فهم كفيلون بان يستغلوا الفرصة لخطوة مفاجئة. في حينه لم يكن الحديث عن حماس بل عن ايران وحزب الله، لكن الفكرة واضحة.

——————————————

 

هآرتس 16/6/2026

مرة أخرى نتنياهو يبيع الأوهام

بقلم: يوسي فارتر 

يقف رئيس الحكومة على قمة ما يسميه أي خبير موضوعي بانه فشل استراتيجي ذريع لدولة إسرائيل، وكل ما يقوله للمواطنين هو: “لن تمتلك ايران السلاح النووي طالما انني رئيس الحكومة”. وهو يكرر هذه الاقوال كما نعرف منذ ثلاثين سنة، لكنه في نفس الوقت اعترف في المؤتمر الصحفي بان إسرائيل كانت على بعد خطوة واحدة من “موت جماعي”، وهو ما يفترض أنه منعه. ان قتل 1200 شخص في 7 أكتوبر لا يذكر في نظره. انه يعيش في غطرسة. لقد انقذ مئات الالاف. هذا يذكرنا بالمقارنة المهينة التي عقدها بين يوم في الكارثة ويوم في قطاع غزة. هذا هو عالم مفاهيمه.

خطاباته السابقة التي شملت عبارات متفاخرة مثل “إنجازات تاريخية لاجيال” و”اعدنا المشروع عقود الى الوراء”، ظهرت وكانها تلاشت في الضباب الكثيف الذي خيم على إسرائيل. أيضا اختفت اهداف الحرب والجولات مع ايران – اسقاط النظام (أو “تمهيد الظروف لاسقاطه”)، وإزالة التهديدات النووية والصاروخية وقطع العلاقة بينه وبين اجنحته الإرهابية. لا يوجد امام نتنياهو خيار الا الاعتراف بانه يجهل كليا ما جاء في مذكرة التفاهم التي وقعت الكترونيا بدون علمه. ما تعرفه ايران وباكستان وربما قطر أيضا، يجهله نتنياهو.

لم يكن نتنياهو ينوي الإجابة على أي سؤال، بل صور فيلم دعائي ستبثه القنوات الخاضعة، التي في هذه الأيام يتم استكمال التشريعات لاضعافها، بادارته الفاسدة. عندما سمح ان نفتالي بينيت سيعقد مؤتمر صحفي قبله شعر بالذعر وتراجع.

سيطرت الأكاذيب وانصاف الحقائق والتلاعب على أقواله هذه المرة أيضا. “لقد دمرنا البحرية الإيرانية”. لا، الولايات المتحدة هي التي فعلت ذلك. قال انهم خوفونا من ان الأبراج في تل ابيب ستنهار اذا هاجمنا حزب الله، لا، لا، لقد كان خائف جدا من هذا السيناريو. دائما روى يواف غالنت كيف ان نتنياهو الذي حاول إقناعه بمهاجمة حزب الله في بداية الحرب، لوح بيده نحو افق تل ابيب وقال: “لن يبقى أي شيء من كل هذا”.

تفاخر نتنياهو وقال “نحن منعنا قوة الرضوان من غزو إسرائيل”، كذبة محضة. لو أراد حزب الله لما منعه أي شيء من فعل ما فعلته حماس في 7، 8، 9 تشرين الأول. وقال أيضا ان سلاح الجو الأمريكي والإسرائيلي الحقت بايران اضرار تقدر بمئات مليارات الدولارات، بل ويقدرها البعض بتريليونات الدولارات. وتجاهل حقيقة مؤسفة وهي ان الاتفاق المرتقب يتوقع ان يضخ مئات المليارات في ايران.

خصص نتنياهو جزء كبير من خطابه للانجازات العسكرية لسلاح الجو و”المقاتلين الابطال”. ولكن ماذا عن الجانب السياسي؟ لا توجد أي جبهة مغلقة، والجبهة الرئيسية، ايران، هي الأقل اغلاقا. ستحول ايران الأموال التي ستحصل عليها الى حماس وحزب الله والحوثيين. وسينتظرون سنتين ونصف، حتى بعد دونالد ترامب. كل ما تم قصفه وتدميره واعيد بناءه بسرعة في هذه الاثناء، في ظل نظام شاب، متطرف ومتعطش للانتقام، سيبقى عليه محاسبة إسرائيل. ما الذي بقي لنتنياهو كي يعول عليه؟. على الشعب الإيراني الذي بعون الله سيثور على قادته. مرة أخرى هو يبيع الأوهام.

لقد حاول التقليل من الازمة في علاقاته مع ترامب (الذي لم يمدحه هذه المرة كعادته). قال ان اختلاف الآراء موجود حتى في افضل العائلات. هذا صحيح، لكن في افضل العائلات لا تصاحب الخلافات شتائم واهانة يومية، مثل تلك التي يحصل عليها من الرئيس سريع الغضب، الذي لم يكلف نفسه عناء دعوته الى اللقاء مع قادة المنطقة. وهذه بالمناسبة ليست من طرف واحد. عندما يصف المتحدث الرسمي باسم رئيس الحكومة الاسرائيلية ترامب بـ “الخاسر”، وويتكوف وكوشنر بـ “اليهود” (الذين يحصلون على رواتب من قطر)، ونائب الرئيس جي دي فانس بـ “الحثالة”، يتساءل المرء من اين سمع ذلك.

كان مؤتمر صحفي يوحي بالهزيمة. لم يحاول نتنياهو حتى التظاهر بالقوة والتفاؤل، ناهيك عن الغطرسة والغرور المعهودين. وحتى عندما اعلن بانه “سيترشح وسيفوز”، ظهر وكأنه متشكك.

——————————————

هآرتس 16/6/2026

الاف البدو سيطردون لإقامة بلدات يهودية

بقلم: عيدو سولومون

جمعية “الحارس الجديد” تسوق، بالتعاون مع المجلس الإقليمي رمات النقب ومع الجيش الإسرائيلي، لمبادرة إقامة “مزارع امنية” في النقب، التي يصفها القائمون عليها بانها “خطوة امنية استيطانية واسعة النطلق في النقب”. وفي اطار هذه المبادرة يدعى الشباب للمشاركة في إقامة نقاط جديدة في المنطقة التي تحتاج، حسب المجلس الإقليمي، “تركيز للقوات”، يأتي هذا في ظل ظواهر الجريمة والتهريب والتحديات الأمنية في منطقة الحدود مع مصر.

في الفترة الأخيرة اصدر المجلس الإقليمي رمات هنيغف، بالتعاون مع جمعية “الحارس الجديد”، بيان موجه للسكان، يدعو الشباب الى الانضمام لمبادرة وصفها بانها “ضرورة ملحة”، وجاء في بيان المجلس: “نبحث عن ازواج شابة جديين، يلتزمون بالاخلاق ويؤمنون بالصهيونية ومستعدون لتحد كبير والمشاركة في مبادرة رائدة بدءا من صيف 2026”. وحسب المجلس فان الامر في هذه الحالة هو فقط دراسة أولية للتاكد من الامتثال، في انتظار رأي قانوني من وزارة الدفاع. وقال مصدر في المجلس بان هذه دراسة أولية لاقامة نقاط امنية بدون ربطها بشبكة المياه او الحصول على أراضي زراعية. ويهدف انشاء هذه المزارع الى تعزيز التواجد قرب قواعد الجيش الإسرائيلي وفي المناطق التي يواجه فيها الجيش صعوبة في نشر قواته بشكل مستمر. لم يسبق تجربة الخطة المذكورة في البلاد، وهذه هي المرة الأولى التي يقترح فيها نموذج كهذا.

حسب الخطة قيد الدراسة سيخضع المواطنون المنضمون للحركة لعملية تجنيد، وسيتمكنون من الحصول على وضع يشبه وضع المسؤولين عن الامن العسكري الجاري، ضمن الاطار العسكري الإقليمي. وحسب المصدر هذا يهدف الى جذب كوادر مؤهلة لتعزيز القوات في الميدان، بدون إقامة مستوطنات أو اطر مدنية كاملة.

وجاء أيضا بانه يجري في هذه المرحلة فحص إقامة حوالي 12 نقطة قرب القواعد العسكرية في  بتحات نتسانا بهدف “تركيز القوات في الميدان وتعزيز الحوكمة”. وبالنسبة للمجلس يتمثل احد الأهداف الرئيسية في ضمان استمرار فتح الشارع السريع رقم 10، الشارع القريب من الحدود مع مصر، الذي يفتح حاليا بشكل متقطع وفي ساعات معينة فقط لاسباب امنية. وحسب المصدر فانه “سيكون انجاز كبير لو ان الشارع السريع 10، من حريش الى بنيه نتساريم، مفتوح بشكل دائم. اذ يكمن جزء من التحدي في التواجد الفعلي. لذلك امامنا فرصة الان لفتح الشارع وتفعيل التواجد العسكري”.

وقال رئيس المجلس الإقليمي رمات هنيغف، ايرن دورون، بان هذه الخطوة تهدف الى تعزيز التواجد والسيطرة. وقال “ما يهمني هو ضرورة تطوير ممر نتسانا والشارع المؤدي الى ممر السلام – الشارع السريع رقم 10 هو محور استراتيجي بالنسبة لإسرائيل. تعبر في هذا المحور كل يوم كمية كبيرة من التهريب، ولا وجود لسيادة الدولة فيه. نحن نعمل على تعزيز هذا المحور من خلال كل مشروع يمكن ان يحقق فائدة”.

دورون نفى الادعاء بان هذه حركة استيطان مقنعة باحتياجات امنية. واكد على انها لا تتعلق بإقامة مستوطنات جديدة. “لن تكون هناك مستوطنات أو رياض أطفال أو أي شيء يتعلق بالخدمات البلدية. هذه شبكة امنية تشبه إقامة الجيش الاسرائيل لمركز حراسة إضافي. ان وجود قوات امنية على طول الشوارع السريعة هو امر حيوي. كيف يتم ذلك بالتحديد؟ لم يتم حسم الامر حتى الان”. مصدر في المجالس قال ان هذه الخطوة ما زالت قيد المراجعة وان تنفيذها مرهون بموافقة وزارة الدفاع والرأي القانوني. “اذا أدى هذا الى زيادة في القوات وزيادة في تواجد قوات الامن في المنطقة فسنكون مسرورين لتقديم المساعدة. ولكن في الوقت الحالي الامر يقتصر على منشور واحد صدر للتحقق من الامتثال في هذه المرحلة”.

وجاء من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: “في الفترة الأخيرة تم وضع خطة في المؤسسة الأمنية لاقامة عدد من النقاط الأمنية الجديدة في النقب. لم تتم المصادقة على الخطة حتى الآن. ويقوم الجيش الإسرائيلي بفحص الخطة والإجراءات اللازمة لتنفيذها”.

——————————————

هآرتس 16/6/2026

ركيزة واهية اسمها ترامب

بقلم: اوري بار يوسف

كان رفاشكا، وزير جيش سنحاريب ملك آشور، يعرف ما يقوله عندما انتقد حزقيا، ملك يهودا، بسبب ارتكابه خطأ استراتيجي كبير، بالاعتماد على مصر في ثورته ضد آشور. وباسلوبه المجازي الذي استخدمه النبي يشعيا أيضا، وصف مصر بانها “ركيزة واهية”، وهكذا ترك لنا مثل بليغ ودرس سياسي مهم جدا: يجب عليك ان تعرف مع من تذهب لشن الحرب. لا بد ان يكون هذا ليس فقط قوي، بل أيضا جدير بالثقة.

لقد تجاهل بنيامين نتنياهو نجل المؤرخ والاديب، هذا الدرس عندما قرر اقناع الرئيس الأمريكي بالانضمام اليه في حرب تضع حد للتهديد النووي الإيراني. هذا التهديد هو هاجسه الدائم. ففي العام 1992 حذر في خطاب في الكنيست بان ايران ستمتلك قنبلة نووية في غضون 3 – 5 سنوات، ومنذ ذلك الحين هو يكرر هذا التحذير دائما، وكأنه الوحيد الذي يعرف خطورة الوضع.

يتفق الجميع على ان امتلاك ايران للسلاح النووي يشكل تهديد وجودي، ويكمن الاختلاف في كيفية منع ذلك. عندما وقع الاتفاق النووي في 2015 ظهر ان سباق ايران نحو امتلاك القنبلة النووية توقف، على الأقل حتى العام 2030. وكان السؤال الرئيسي هو اذا كانت ايران ستلتزم بالاتفاق. وبسرعة تبين انها ستفعل ذلك. ولكن بالنسبة لنتنياهو، المتشكك الذي لا يمل، لم يكن هذا كاف. فقد نجح في اقناع ترامب بالانسحاب من الاتفاق والعودة الى نظام العقوبات. بعد ذلك، في نبوءة تحققت ذاتيا، عادت ايران الى المسار النووي. وهكذا وصلنا الى وضع امتلكت فيه ايران بدلا من 300 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 3.67 في المئة، كما كان مفروض أن يكون لديها في 2030 حسب الاتفاق، اصبح لديها تقريبا 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة في العام 2025. ليس بالصدفة اطلاق على نتنياهو لقب “أبو القنبلة الإيرانية”.

في حرب الـ 12 يوم اثمرت مغامرة نتنياهو مشاركة الولايات المتحدة. فقد تم قصف المنشآت واعلن ترامب “نصر ساحق” نتج عنه “تدمير كامل ومطلق” لمنشآت التخصيب. وقال نائبه فانس بان “الرئيس قضى على المشروع النووي الإيراني بدون قتيل امريكي واحد”. لم يتخلف نتنياهو عن القافلة، حيث اعلن في 24 حزيران: “لقد قمنا بإزالة تهديدين وجوديين مباشرين، الأول هو تهديد الإبادة النووية، والثاني تهديد الإبادة من خلال استخدام 20 الف صاروخ بالستي”.

لكن الواقع كما نعرف، كان مختلف قليلا، وفي غضون فترة قصيرة تمكن نتنياهو من تجنيد الرئيس الأمريكي لشن حرب جديدة مع اهداف طموحة اكثر. ولكن هذه الخطة انطوت على مخاطرات رئيسية، وقد تحققت. الأولى هي انه لأول مرة في تاريخ العلاقات بين أمريكا وإسرائيل، انتهجت إسرائيل بشكل صريح القاعدة الأساسية التي وضعتها لنفسها في خمسينيات القرن الماضي، والتي بحسبها طلبت من الأمريكيين سلاح ومساعدة سياسية، لكنها لم ترغب في ان يقاتل الامريكيون للدفاع عنها.

بعد فترة قصيرة على بدء الحرب أظهرت الاستطلاعات بان معظم الأمريكيين لم يقتنعوا بادعاء الرئيس ان ايران تشكل تهديد مباشر للولايات المتحدة، ورفضت مديرة المخابرات الامريكية، تولسي غبارد، تأكيد ذلك علنا. ومن غير المستغرب ان تكون احدى نتائج الحرب هي النفور المتزايد من إسرائيل ورئيس الحكومة نتنياهو، اللذان ينظر اليهما وكأنهما جرا الولايات المتحدة الى حرب لم تكن ترغب فيها.

الثانية هي خوض حرب طويلة قد تواجه صعوبات، في ظل رئيس اظهر خلال سنوات وجوده في البيت الأبيض عدم مصداقيته في العلاقات مع حلفاء أمريكا المقربين. يكفي مشاهدة لقاء ترامب مع رئيس أوكرانيا فلودمير زيلنسكي من اجل فهم ذلك. فقد تحول اللقاء الذي كان من المفروض ان يكون مراسم توقيع اتفاق، الى استعراض علني لهجمات شخصية بذيئة من قبل الرئيس، وشكل انقلاب غير مسبوق في الاستراتيجية الامريكية التقليدية، المصممة لمنع توسع روسيا. من غير المستغرب اذا انه يصعب إيجاد زعيم في العالم الان يثق بترامب.

لقد وثق نتنياهو به وخسر خسارة كبيرة. وهكذا، بطريقة وحشية غير مسبوقة في العلاقات الخاصة التي استمرت لاكثر من ستين سنة، تتم التضحية بإسرائيل بدون أي اكتراث من البيت الأبيض. يا ليت الامر يقتصر على مصير نتنياهو الشخصي. المشكلة تكمن حسب ما هو معروف عن الاتفاق المرتقب مع ايران، في ان الولايات المتحدة تتنازل عن مصالح إسرائيل الأمنية لصالح شعبية رئيس يتركز فكره حول نفسه.

من المرجح ان لا يتم فرض قيود حقيقية على برنامج الصواريخ الإيرانية، وستثير القيود المفروضة على مشروعها النووي الحنين الى اتفاق العام 2015، وسيضمن رفع العقوبات استمرار نظام آيات الله، الذي شعر بالانتصار، وهو يسعى الان الى الانتقام لاغتيال المرشح الشيعي الأعلى.

على الأرجح سينهي نتنياهو عهد قيادته الطويل في الانتخابات القادمة. سيكون حل المشكلات التي سيتركها وراءه اكثر صعوبة، ويتم الامل بان تجد إسرائيل الطريقة الصحيحة للتعامل مع هذا التحدي الخطير الذي نشأ بسبب شن حرب، مع الاستناد الى دعامة واهية.

——————————————

هآرتس 16/6/2026،

كيف يمكن لـ”جي 7 تغيير وجه الشرق الأوسط بتفعيل “مثلث السلام”؟

بقلم: جدعون برومبرغ

يجتمع قادة مجموعة “جي 7” في الوقت الحالي في فرنسا. وهو المنتدى الدولي المشترك بين أقوى سبع دول، اقتصادياً وصناعياً وتقدماً في الغرب (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، كندا واليابان). ويهدف هذا اللقاء بشكل أساسي إلى تنسيق المواقف والسياسة في مواجهة الأزمات العالمية الأكثر إلحاحاً.

 رغم أن هذا اللقاء لن يحصل على الأرجح بتغطية إعلامية واسعة في إسرائيل، لكنه مهم لمستقبل البلاد. فالقرارات التي سيتخذها لن تقتصر على ترتيب التجارة العالمية فقط، بل قد تؤثر أيضاً على أمننا وواقعنا الاقتصادي وواقع كل المنطقة لسنوات قادمة.

 اليوم، مع وقف إطلاق النار في غزة ولبنان، أصبح الصراع أقل شدة نسبياً، وتضاءلت الخسائر في الأرواح، لكن الحروب تركت منطقة الشرق الأوسط كلها في حالة توتر، وما زال خطر استئناف القتال قائماً. ويتمثل التحدي الأكبر الآن أمام زعماء العالم في إيجاد طريقة لتحويل هذا الهدوء العسكري المؤقت إلى استقرار حقيقي بعيد المدى.

 قد يكون الحل أمام أنظارنا مباشرة، الذي يتمثل في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (آي.ام.إي.سي). هذا مشروع بنى تحتية طموح وغير مسبوق، ومصمم لربط الهند مع أوروبا، عبر الخليج والشرق الأوسط، من خلال استخدام شبكة كاملة لسكة الحديد والموانئ وخطوط الكهرباء وكابلات الاتصال الرقمية. هذه المبادرة التي طرحت في وقت مبكر في العام 2023 تباطأت بشكل ملحوظ عند اندلاع الحرب في المنطقة في 7 أكتوبر. ولكنها استعادت أهميتها في السنة الماضية.

 كان هذا المشروع في الأصل اقتصادياً وتجارياً خالصاً، لكنه يصبح استراتيجية سياسية شاملة، تهدف إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة كلها، من خلال ما يسمى بـ “مثلث السلام”، الذي يضع إسرائيل والفلسطينيين والأردن في قلب ترتيب إقليمي واسع يمتد من مصر وحتى لبنان وسوريا.

 المنطق الذي يكمن في مثلث السلام بسيط: يصبح السلام مستقراً عندما يكون للشعوب والدول ما تخسره بالفعل أكثر من أي صراع، وما تكسبه من التعاون. ومثلما أحسنت أوروبا صنعاً بعد الحرب العالمية الثانية، عندما ربطت اقتصاد دولها الذي يقوم على الفحم والصلب وجعلت الحرب خياراً غير منطقي، فواجب على الشرق الأوسط أيضاً أن يحذو حذوها الآن.

 هذا التكامل الإقليمي سيوفر البديل الحقيقي لسياسة الصراع الدائم، حيث يمكن لميناء حيفا في إسرائيل أن يصبح بوابة تجارة رئيسية تربط آسيا مع أوروبا. وستتم إعادة ربط قطاع غزة مع شبكة التجارة، وستبعث بيروت من جديد كمركز اقتصادي، ويصبح الأردن حلقة وصل بين شبه الجزيرة العربية والبحر المتوسط. تعتبر هذه المحفزات الاقتصادية الوسيلة الناجعة لإضعاف مصالح المتطرفين ووكلاء إيران في المنطقة.

 هل يبدو هذا خيالاً؟ ليس الأمر هكذا على الإطلاق؛ فمشروع الممر الاقتصادي الدولي للمحيطات (أي.ام.إي.سي) ليس رؤية بعيدة المنال فحسب، بل مشروع قائم، ولدى كل الأطراف الفاعلة الرئيسية في المنطقة وفي العالم مصلحة واضحة في تنفيذه.

 وقد أظهرت الصراعات الأخيرة والتهديدات الحقيقية التي تشكلها المليشيات على ممرات الملاحة في مضيق هرمز وفي باب المندب مستوى هشاشة التجارة العالمية، ما زاد بشكل كبير رغبة دول الخليج في إيجاد بدائل برية أمنة تربطها بالأسواق الأوروبية. وكي تتحقق هذه الرؤية، يجب على قادة مجموعة “جي 7” الانتقال من التصريحات إلى الأفعال على أرض الواقع. ولن يوافق رجال الأعمال والمستثمرون الدوليون على استثمار مليارات الدولارات في البنية التحتية الإقليمية ما دام خطر اندلاع حرب شاملة في المستقبل قائماً.

 لذلك، الخطوة الأولى هي التوقف عن التعامل مع الممر الاقتصادي الدولي وكأنه ممر لنقل البضائع فقط، والاعتراف به رسميا كأداة سياسية واستراتيجية لبناء السلام. وبناء على ذلك، ينبغي ألا تنفذ خطط إعادة الإعمار المستقبلية للفلسطينيين ولبنان وسوريا كمشاريع وطنية معزولة تعتمد على التبرعات، بل ضمن إطار شبكة إقليمية للاقتصاد والبنية التحتية.

 لقد أظهرت لنا الحروب الأخيرة التكلفة الباهظة للانقسام والدمار. فوقف إطلاق النار الحالي مؤقت، لكن إذا تحركت مجموعة “جي 7” بشجاعة وعززت التكامل الاقتصادي بين الدول، يمكن تحويل هذا الوضع الهش إلى سلام دائم.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article