بحثاً عن «كبش فداء» أميركي: إسرائيل تَهرب من «الكارثة الاستراتيجية»

يحيى دبوق

المسار: في ظاهرة تكشف عمق الأزمة التي تمرّ بها إسرائيل اليوم، يكاد يكون ثمّة إجماع في الكيان على توصيف نتائج الحرب على إيران على أنها فشل استراتيجي مدوٍّ. واللافت أن هذا الإجماع شبه المطلق لا يقتصر على خصوم رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أو منتقدي سياساته، بل يمتدّ إلى أوساط كانت حتى الأمس القريب من أشدّ الموالين له والمدافعين عن «الجدوى الاستراتيجية» للمواجهة مع الجمهورية الإسلامية، والذين اعتبروا صراحةً ما حدث انتصاراً مطلقاً لإيران.
على أن هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل هو انعكاس لواقع لا يمكن إنكاره، يتمثّل في أن الحرب التي دخلتها إسرائيل بأهداف معلَنة كبيرة، شملت تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وتغيير النظام في طهران، واجتثاث شبكة حلفاء الأخيرة الإقليميين، انتهت إلى نتائج معاكسة. فمذكّرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، تمنح الأولى مليارات الدولارات، وتفتح الباب على تعزيز نفوذها الإقليمي، كما تترك برنامجها النووي سالماً إلى حدٍّ ما، بل وتكرّس امتلاكها ورقة ضغط استراتيجية ممتدّة التأثير، هي سيطرتها على مضيق هرمز.
ولذا، جاء الاعتراف بالفشل حتى من شخصيات كانت جزءاً من آلة الدعاية التي روّجت للحرب. فالإعلاميون المقرّبون من دائرة القرار في تل أبيب، الذين أمضوا سنوات في تسويق سرديات التفوق العسكري والذكاء الاستراتيجي، باتوا اليوم يعترفون ضمناً بالفشل. لكن اعترافات هؤلاء لا تقترن بتحميل المسؤولية للقيادة الإسرائيلية، وهو ما يستبطن «آلية دفاعية» معقّدة، تتركّز على البحث عن مسؤول ينبغي إلقاء تبعات «الكارثة» على عاتقه.

وفي هذا السياق، يُلاحَظ البحث عن «كبش فداء» أميركي لتحميله نتيجة الحرب، في تكتيك يكاد يكون الأبرز والأكثر دلالة ضمن مشهدية التعامل الإسرائيلي مع تلك النتيجة. فبدلاً من مواجهة الأسئلة الجوهرية حول سبب فشل الاستراتيجية الإسرائيلية – الأميركية، وماهية الأخطاء في تقدير التوازنات، وكيفية منع تكرار مثل هذه «الكوارث»، يتمّ تحويل النقاش بالكامل نحو سؤال واحد: من هو المسؤول عن ما حدث؟
ومن هذه الزاوية، يأتي الهجوم الإسرائيلي المركّز على الجانب الأميركي، إنّما بطريقة ذكية تستهدف عدم الإضرار بالتحالف الاستراتيجي معه؛ إذ لا يطاول الهجوم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بصورة مباشرة، بل يتمّ تصوير الأخير كضحية للدائرة المحيطة به، وتحديداً لـ«مستشاريه الخونة» أو للدول الخليجية التي اشترت قرار هؤلاء. وهكذا، تُوجَّه سهام النقد تحديداً إلى شخصيات من مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، اللذين يوصفان بأنهما «باعا» إسرائيل لمصلحة قطر، فيما يُصوَّر نائب الرئيس، جاي دي فانس، كعدو لإسرائيل داخل البيت الأبيض.

تقع المعارضة، وإن من الجهة المقابلة، في الفخّ نفسه الذي يقع فيه أنصار نتنياهو

ويبدو أن هذه المقاربة ترمي إلى تحقيق أكثر من هدف في آنٍ؛ فهي تسمح بتحميل واشنطن مسؤولية الإخفاق من دون المساس بأساس العلاقة بها أو كسر «التحالف العاطفي» مع رأس هرمها (ترامب)، كما أنها تحوّل الفشل من خطأ استراتيجي إسرائيلي إلى مؤامرة خارجية، فيما توفّر لنتنياهو هامشاً للهروب من المساءلة المباشرة. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية، مفادها أن نتنياهو نفسه هو مَن بنى استراتيجيته بالكامل على الرهان الشخصي على ترامب، وهو مَن أقنع نفسه ومَن حوله بأن علاقته الشخصية بالأخير كفيلة بإبقاء واشنطن في الحرب إلى ما لا نهاية. لكن إذا كانت الولايات المتحدة دُفعت إلى شنّ حرب على إيران بناءً على رأي شخص واحد، ومن دون وجود قرار مؤسّساتي داعم لهذا الخيار، فإن انسحابها منها بعد اصطدامها بالواقع هو النتيجة الطبيعية.
في المقابل، لا تبدو المعارضة الإسرائيلية أكثر اقتراباً من جوهر المشكلة، بقدر ما تمارس «الآلية الدفاعية» نفسها بتبسيط مفرط. فهي تختزل الفشل في شخص نتنياهو، وتتعامل مع الأخير باعتباره السبب الوحيد للانهيار، مطالِبةً إيّاه بالتنحّي. وبذلك، تقع المعارضة، وإن من الجهة المقابلة، في الفخّ نفسه الذي يقع فيه أنصار نتنياهو: تعليق الفشل الاستراتيجي على شمّاعة شخصية، وتحويل النقاش من تشخيص الأزمة الهيكلية إلى سجالات حول بقاء الفرد في السلطة، وكأن تغيير الرجل كفيل بتغيير واقع التوازنات الإقليمية التي فرضتها إيران.

وفي ضوء هذا السجال، تضيع الحقائق أو تُطمس؛ فالواقع الفعلي، الذي يتحاشى الجميع مواجهته، هو أن إسرائيل والولايات المتحدة فشلتا معاً في مواجهة إيران، وأن الأخيرة، رغم ما دفعته من أثمان، خرجت من المعركة أقوى ممّا كانت عليه. وذلك لم يكن لأن نتنياهو أخطأ في حساباته الشخصية فحسب، أو لأن حاشية الرئيس الأميركي «باعت» الحلفاء، بل لأن طهران صمدت بصلابة، واستوعبت الضربات الموجّهة إليها، كما نجحت في استغلال نقاط ضعف أعدائها – وعلى رأسها عدم فهمهم العقلية الإيرانية في وقت الأزمات والتهديد -، محوّلةً التهديد الوجودي إلى فرصة استراتيجية لا تعوَّض، وكاسرةً مقولة التفوّق العسكري المطلق عبر أدوات الضغط المتاحة لها.
على أن تلك النتيجة، التي تمثّل جوهر الفشل، لا تزال غائبة عن السجال الإسرائيلي الداخلي. وحتى حين يجري الإقرار بها من قِبل البعض، فإنها تُستخدم غالباً في إطار توزيع المسؤوليات عن الإخفاق، وليس في سبيل تحديد أسبابه وعوامله الموضوعية. وهكذا، تَحرم إسرائيل نفسها فرصة التعلّم من «الكارثة»، وهو ما قد يضاعف آثارها عليها. فبدلاً من مواجهة الحقيقة الكاملة المتمثّلة بأن الاستراتيجية الحربية كانت خاطئة من الأصل، وأن الرهان على القوة العسكرية المطلقة لم يفلح، تبدو إسرائيل أسيرة إنكارها، الأمر الذي قد يحكم عليها بتكرار أخطائها، والوقوع ضحية أوهامها التي كلّفتها ثمناً باهظاً في الجولة الأخيرة، وقد تكلّفها أكثر في الجولات المقبلة.

Share This Article