المسار: شهدت الجلسة التمهيدية الرابعة للكونفرنس الوطني العام الخامس للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين نقاشاً سياسياً معمقاً قدمته الرفيقة ماجدة المصري، نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، تناولت فيه مسار الحوارات الوطنية الفلسطينية، وأزمة النظام السياسي الفلسطيني، والتحديات التي تواجه القضية الفلسطينية في ظل الحرب الإسرائيلية المفتوحة على الشعب الفلسطيني، وتصاعد مشاريع الضم والاستيطان ومحاولات فرض الحلول الأميركية والإسرائيلية على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وقدمت المصري عرضاً سياسياً شاملاً لمسار العلاقات الوطنية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، مستعرضةً أبرز المحطات التي مرت بها جهود المصالحة والحوار الوطني، منذ مرحلة التصدي لسياسات الإدارة الأميركية السابقة ومشروع «صفقة القرن»، وما رافقها من موجة تطبيع عربي مع دولة الاحتلال، وصولاً إلى الحوارات الوطنية التي جرت في القاهرة وبيروت والجزائر وموسكو وبكين، وما حملته من فرص لإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، قبل أن تتعثر بفعل استمرار الخلافات السياسية وتباين الرؤى حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وآليات إعادة بنائه.
وأكدت نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، أن الشعب الفلسطيني وجد نفسه خلال السنوات الماضية أمام تحديات غير مسبوقة استهدفت جوهر المشروع الوطني الفلسطيني، من خلال محاولات تصفية قضية اللاجئين، واستهداف وكالة الأونروا، والتوسع الاستيطاني، وفرض الوقائع الميدانية في الضفة الغربية، إلى جانب المساعي الرامية إلى تكريس الانقسام الداخلي وإضعاف المرجعية الوطنية الجامعة للشعب الفلسطيني.
وأشارت إلى أن القرارات الوطنية التي اتخذت في مراحل مفصلية من الصراع، ولا سيما في مواجهة مشاريع الضم وصفقة القرن، فتحت المجال أمام إعادة بناء موقف وطني موحد، إلا أن التراجع عن تنفيذ تلك القرارات وإعادة الرهان على الوعود الأميركية ومسار التسوية السياسية أدى إلى إجهاض العديد من الفرص التي كان يمكن أن تشكل مدخلاً لمعالجة الأزمة الداخلية الفلسطينية واستعادة الوحدة الوطنية.
وفي استعراضها لمحطات الحوار الوطني، توقفت المصري عند التجربة التي سبقت الانتخابات الفلسطينية عام 2021، وما رافقها من حالة وطنية وشعبية واسعة عكست تعطش الفلسطينيين للمشاركة السياسية وتجديد شرعية المؤسسات الوطنية، قبل أن يؤدي تأجيل الانتخابات إلى إعادة إنتاج حالة الانقسام وإدخال الساحة الفلسطينية في مرحلة جديدة من التوتر السياسي والتجاذبات الداخلية، الأمر الذي انعكس سلباً على مجمل الوضع الوطني الفلسطيني.
وأكدت أن الجبهة الديمقراطية ظلت طوال السنوات الماضية من أكثر القوى السياسية تمسكاً بخيار الحوار الوطني الشامل، وقدمت سلسلة من المبادرات العملية الهادفة إلى إنهاء الانقسام وإعادة بناء الوحدة الوطنية، انطلاقاً من قناعتها بأن استعادة الوحدة ليست قضية تنظيمية أو فصائلية، بل ضرورة وطنية تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية وقدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة الاحتلال ومخططاته.
وتناولت الجلسة المبادرات التي طرحتها الجبهة الديمقراطية في أكثر من محطة، وخاصة الدعوات إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وإنجاز الانتخابات العامة باعتبارها أحد المداخل الضرورية لتجديد الحياة السياسية الفلسطينية، إلى جانب الدعوة لتشكيل أطر قيادية وطنية موحدة قادرة على إدارة المواجهة مع الاحتلال وتوحيد القرار الوطني الفلسطيني.
وفي سياق حديثها عن التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر، أوضحت المصري أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما رافقها من محاولات لإعادة رسم المشهد السياسي الفلسطيني، أكدت الحاجة الملحة إلى بلورة موقف وطني موحد وإقامة مرجعية سياسية جامعة تدير الصراع مع الاحتلال وتمنع محاولات فرض حلول تتجاوز الإرادة الوطنية الفلسطينية أو تستهدف فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.
وشددت على أن غياب الوحدة الوطنية واستمرار الانقسام منح الاحتلال والقوى الدولية والإقليمية مساحة أوسع للتدخل في الشأن الفلسطيني، وساهم في إضعاف الموقف الفلسطيني في مواجهة المخططات الرامية إلى إعادة تشكيل القضية الفلسطينية وفق الرؤية الإسرائيلية والأميركية، مؤكدة أن المعركة الدائرة اليوم ليست عسكرية فقط، بل هي أيضاً معركة سياسية تتعلق بمستقبل التمثيل الوطني الفلسطيني وطبيعة المشروع الوطني وأدوات النضال المطلوبة في المرحلة المقبلة.
وفي محور آخر من الجلسة، قدمت ماجدة المصري، نائب الأمين العام للجبهة، قراءة سياسية موسعة لمشروع الضم الإسرائيلي ومراحله المختلفة، موضحة أن حكومات الاحتلال المتعاقبة، وخاصة الحكومات اليمينية والدينية المتطرفة، انتقلت من طرح فكرة الضم كبرنامج سياسي إلى تنفيذها عملياً على الأرض من خلال التوسع الاستيطاني المتسارع، ومصادرة الأراضي، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وتوسيع صلاحيات المستوطنين في الضفة الغربية. وأكدت أن المشروع الاستيطاني الراهن لا يستهدف فقط السيطرة على الأرض الفلسطينية، بل يهدف إلى تقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وفرض واقع دائم يقوم على تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وتحويل التجمعات السكانية الفلسطينية إلى معازل منفصلة تخضع للهيمنة الإسرائيلية المباشرة.
كما ناقشت الجلسة واقع الحركة الجماهيرية الفلسطينية وسبل استنهاضها في مواجهة الاحتلال والاستيطان، حيث أكدت المصري أهمية تطوير أشكال المقاومة الشعبية الشاملة وتعزيز دور الجماهير الفلسطينية في الدفاع عن الأرض والحقوق الوطنية، باعتبارها أحد المرتكزات الأساسية للاستراتيجية الوطنية القادرة على مواجهة الاحتلال وإفشال مخططاته.
وشهدت الجلسة حواراً واسعاً بين المشاركين تناول أسباب تعثر جهود المصالحة الوطنية، ودور الأطراف العربية والإقليمية في مسارات الحوار الفلسطيني، وآفاق إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، إضافة إلى موقع القوى الديمقراطية الفلسطينية في المعادلة الوطنية، وسبل تطوير أطر العمل المشترك وتعزيز حضورها في الحياة السياسية الفلسطينية.

