ماذا سيحصل فعلاً للولايات المتحدة إذا أوقفت إرسال الأسلحة لإسرائيل؟

المسار : يسعى رئيس اتحاد الإذاعات العبرية في إسرائيل دافيد بن باسات للإجابة عن سؤال ماذا سيحصل فعلاً للولايات المتحدة إذا أوقفت إرسال الأسلحة لإسرائيل؟ ويؤكد أن المساعدات الأمريكية للدولة العبرية ليست هدية وشفقة، بل هي استثمار يستفيد منه الأمريكيون.

وفي ظل التوتر بين حكومة إسرائيل وأوساط في الإدارة الأمريكية، والانتقادات الواسعة في الرأي العام الأمريكي لإسرائيل، يقول بن باسات في مقال بصحيفة “معاريف”: “سُمعت في الأسابيع الأخيرة تصريحات على لسان نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، مفادها بأن المساعدة الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة تمنحها حق مطالبة إسرائيل بالامتثال لسياستها، بل أطلق تلميحات بشأن فرض قيود، أو تأخير في توريد السلاح، إذا لم تتصرف إسرائيل وفقاً لذلك”.

ويعتبر بن باسات هذه الرؤية إشكالية، ويقول إنها في أفضل الأحوال تدل على معرفة جزئية بالواقع، وفي أسوأ الأحوال تعكس محاولة غير منصفة لممارسة ضغط سياسي، عبر عرض صورة غير مكتملة. وتبلغ المساعدة الأمنية الأمريكية لإسرائيل اليوم نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً. أما الاتفاق الحالي، الذي وُقّع سنة 2016 للعقد الممتد بين سنتي 2019 و2028، فيبلغ مجموعه نحو 38 مليار دولار.

تبلغ المساعدة الأمنية الأمريكية لإسرائيل اليوم نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً. أما الاتفاق الحالي، الذي وُقّع سنة 2016 للعقد الممتد بين سنتي 2019 و2028، فيبلغ مجموعه نحو 38 مليار دولار

لكن بن باسات يوضح أنه خلافاً للانطباع الذي يحاولون بثه أحياناً، لا يتعلق الأمر بأموال تُرسل لإسرائيل من دون مقابل، بل وفق ترتيب استراتيجي يخدم مصالح أمريكية واضحة.

ويستعيد بدايات علاقات التحالف بالقول: “على مر السنين، وصف مسؤولون أمريكيون كبار إسرائيل بأنها حاملة الطائرات الأمريكية التي لا يمكن أن تغرق. ولم يولد هذا الوصف بالصدفة، فإسرائيل هي الحليف الأكثر استقراراً والأقوى للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي منطقة تستثمر فيها واشنطن موارد هائلة للحفاظ على نفوذها وأمن حلفائها فيها”.

الدفاع عن الدول العربية

ويزعم بن باسات أنه عندما تتحرك إسرائيل ضد إيران أو حزب الله، أو حماس، أو الحوثيين، فإنها لا تدافع عن نفسها فقط، بل إن عملياتها تساهم أيضاً في أمن الدول العربية المعتدلة، وفي الحفاظ على المصالح الأمريكية بالمنطقة. كما يزعم أنها تساعد على حماية طرق التجارة الدولية، والحفاظ على استقرار سوق الطاقة، وكبح الجهات المتطرفة التي تهدد النظام الإقليمي.

ويرى أنه لولا الدور الإسرائيلي لكان الأمر سيتطلب وجوداً عسكرياً أمريكياً واسعاً وأكثر تكلفة وخطورة. ويضيف: “يسمع الجمهور الأمريكي، مراراً وتكراراً، أن الولايات المتحدة تمنح إسرائيل مليارات الدولارات؛ أما ما يقال بدرجة أقل، فهو أن جميع أموال المساعدة اليوم تقريباً من الملزم إنفاقها على شراء معدات دفاعية أمريكية، فإسرائيل تشتري بها طائرات ومروحيات أباتشي، وأنظمة رادار، وذخائر متقدمة وقنابل ذكية، ومعدات اتصالات من صنع أمريكي”.

إسرائيل مختبر للسلاح الأمريكي

والمعنى برأيه واضح: المال لا يبقى في إسرائيل، بل يتدفق عائداً إلى الصناعة الأمريكية، ويعزز سلسلة الإنتاج الدفاعي، ويدعم عشرات الآلاف من فرص العمل في أنحاء الولايات المتحدة. وبكل بساطة يستنتج أن تصوير المساعدة الأمريكية على أنها مكرمة أحادية الجانب يناقض الحقائق، ففي الواقع هي أيضاً برنامج تشغيل أمريكي بكل معنى الكلمة.

وضمن مزاعمه يضيف بن باسات: “هناك أيضاً بعد آخر يميل كثيرون إلى تجاهله، وهو المساهمة الأمنية والتكنولوجية التي تقدمها إسرائيل للولايات المتحدة. منذ أعوام، تُستخدم إسرائيل كمختبر عملياتي فريد، تُختبر فيه أنظمة الأسلحة، والدفاع الصاروخي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، ووسائل الاستخبارات في ظروف حقيقية. والخبرة العملياتية المتراكمة تُنقل بصورة مستمرة إلى المؤسسات الأمنية الأمريكية وتساهم مباشرة في قدرات الجيش الأمريكي”.

منذ أعوام، تُستخدم إسرائيل كمختبر عملياتي فريد، تُختبر فيه أنظمة الأسلحة، والدفاع الصاروخي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، ووسائل الاستخبارات في ظروف حقيقية

ويقول بن باسات عن الحرب الحالية إنه منذ هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 أصبحت إسرائيل مصدراً ذا قيمة كبيرة للمعرفة العملياتية بالنسبة إلى جيوش الغرب. مدعياً أن التعامل مع “الإرهاب” تحت الأرض، وهجمات الطائرات المسيرة، وإطلاق الصواريخ والقذائف، ودمج الذكاء الاصطناعي في ساحة القتال، يوفر خبرة عملياتية لا يكاد يكون لها مثيل في العالم.

وحسب بن باسات، فإن هذه الدروس تدرس اليوم في المؤسسات الأمنية الأمريكية، وتؤثر في تطوير مفاهيم القتال المستقبلية للولايات المتحدة. كما أن أنظمة مثل القبة الحديدية، ومقلاع داود، وحيتس 2، وحيتس 3، طُورت في إطار تعاون إسرائيلي-أمريكي. ويُنتج جزء من مكوناتها في الولايات المتحدة، وجزء آخر في إسرائيل. والمعرفة التي تراكمت في تطويرها تخدم أيضاً القوات الأمريكية، وتساعد على حماية المصالح الأمريكية في أنحاء العالم.

مجال الاستخبارات

وضمن مزاعمه يقول بن باسات أيضاً إنه في مجال الاستخبارات تُعد المساهمة الإسرائيلية كبيرة: “على مر السنين، زودت إسرائيل الولايات المتحدة بمعلومات حيوية عن إيران، والتنظيمات “الإرهابية”، وتهريب الأسلحة، والتهديدات الدولية. وأقر مسؤولون أمريكيون، أكثر من مرة، بأن الاستخبارات الإسرائيلية ساعدت على إحباط هجمات وإنقاذ أرواح، بما في ذلك أرواح مدنيين وجنود أمريكيين”.

أخذ وعطاء

وبوقاحة إسرائيلية تقليدية، يقول بن باسات إنه من المهم أن يفهم فانس أن المساعدة الأمنية لإسرائيل ليست عبئاً أحادي الجانب على دافع الضرائب الأمريكي، ومن المناسب أن ينظر أيضاً إلى تكاليف الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

ويشير إلى أن القاعدة الأمريكية الكبرى في قطر تضم آلاف الجنود والطائرات والقيادات العملياتية، وتقدر تكاليف تشغيلها وصيانتها بنحو مليار دولار سنوياً، وذلك إلى جانب استثمارات ضخمة في القواعد، والخدمات اللوجستية، والقوات الأمريكية المنتشرة في أنحاء المنطقة.

أما إسرائيل، فإنها حسب زعمه على نقيض ذلك، لا تطالب بنشر قوات أمريكية على أراضيها، بل توفر للولايات المتحدة معلومات استخباراتية، وتكنولوجيا، وخبرة عملياتية، وقدرة ردع إقليمية من أعلى المستويات.

ومن نواح كثيرة، تمنح إسرائيل واشنطن مزايا استراتيجية كان تحقيقها ببديل آخر سيتطلب استثمارات أمريكية أكبر كثيراً. لذلك، فإن السؤال الحقيقي برأي بن باسات ليس: كم تكلف المساعدة لإسرائيل؟ بل: كم كانت ستكلف الولايات المتحدة حماية هذه المصالح نفسها من دون إسرائيل كشريك استراتيجي رئيسي؟

وعندما تطلق تصريحات توحي بأن الولايات المتحدة “تمسك” إسرائيل بالمساعدة الأمنية، فمن الملائم أن يُسأل: من هو المستفيد الحقيقي من هذا الاتفاق؟

علاقات استثمار

وضمن المعادلة المزعومة يقول إن إسرائيل تحصل على سلاح متطور وتفوق عسكري نوعي، وتحصل الولايات المتحدة على حليف مستقر في منطقة حساسة، واستخبارات عالية الجودة، وتطويرات تكنولوجية، ونفوذ إقليمي، وصناعة دفاعية أقوى.

وهذه برأيه ليست علاقة بين متبرع ومتلق للصدقة، بل هي صفقة استراتيجية وأمنية واقتصادية تستفيد منها الولايات المتحدة بقدر ما تستفيد منها إسرائيل.

وفي الاستنتاج يقول المراقب الإسرائيلي بن باسات: “قامت إسرائيل لتكون دولة ذات سيادة. عندما يلمح مسؤولون أمريكيون إلى أن توريد السلاح قد يكون مشروطاً بالامتثال لسياسة معينة، فإنهم يطلبون عملياً من دولة ذات سيادة أن تتخلى عن تقديرها الأمني. وهناك شك في أن الولايات المتحدة كانت ستقبل معاملة مماثلة من دولة أخرى”.

وهنا يوجه “سؤالاً بسيطاً” إلى فانس: كيف كانت الولايات المتحدة ستتصرف لو قُتل مئات المواطنين الأمريكيين في هجمات “إرهابية”، أو بقصف صاروخي بعد وقف إطلاق نار فرض عليها من الخارج؟ وهل كانت واشنطن ستقبل أن يمنعها طرف أجنبي من الدفاع عن مواطنيها؟

الجواب واضح؛ قبل التهديد بفرض حظر على السلاح، أو استخدام المساعدة الأمنية كوسيلة ضغط سياسي، من المهم أولاً معرفة الحقائق. فالتحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقوم على الشفقة، أو الكرم من جانب واحد، بل على مصالح وقيم مشتركة، ومنفعة متبادلة واضحة.

ومن هنا يزعم أن المساعدة الأمنية ليست هدية، بل هي استثمار أمريكي ذو عائد استراتيجي وأمني واقتصادي مرتفع للغاية. ومن يريد إدارة نقاش جدي بشأن مستقبل العلاقات بين البلدين، عليه أن يدرك أن المساعدة لإسرائيل ليست مجرد دعم لحليف، بل هي أيضاً استثمار أمريكي في أمن الولايات المتحدة نفسها.

Share This Article