الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 10/7/2026

ترامب لا ينجح في الخروج من الورطة في ايران ويجرب طريقة نتنياهو: إدارة النزاع

بقلم: نتنئيل شلوموبيتس

ايران التي خشيت من فقدان السيطرة على مضيق هرمز، قامت بشن هجوم على احدى السفن. وردت الولايات المتحدة باطلاق النار، وردا على ذلك اطلقت ايران النار على اهداف أمريكية في الكويت والبحرين. هذه هي المرة الثانية في غضون أسابيع التي يتجدد فيها اطلاق النار. واذا كان الرئيس الأمريكي يمكنه تجاوز ايران، فان زيارته في تركيا كانت بمثابة تذكير مهم ومقلق لكل الشرق الأوسط. الامر لم ينته بعد، لكن دونالد ترامب غير مستعجل لايجاد حل. فبالنسبة له لا يرى أي مشكلة في توالي جولات المواجهة.

وصل ترامب الى انقرة في يوم الثلاثاء الماضي للمشاركة في قمة الناتو التي تستمر ليومين. وقد اثار التصعيد في الخليج غضب الرئيس الأمريكي، وكان من الواضح انه شعر بالحرج من هجوم ايران اثناء مشاركته في مؤتمر دولي. هو كان يسعى الى تحسين صورته امام استعراض ايران المتكرر لسيطرتها في مضيق هرمز.

في محادثات مع المراسلين سئل ترامب اذا كان وقف اطلاق النار قد انتهى فقال: “هذا سؤال يثير الاهتمام. حسب رأيي انتهى الامر. هم حثالة. هم مرضى. قادتهم مرضى. عنيفون وقساة. لو انهم امتلكوا سلاح نووي لكانوا استعملوه. يضم فريق التفاوض ستيف ويتكوف وجارد كوشنر، لكن بالنسبة لي هذا تضييع للوقت. الإيرانيون كاذبون، هم مجانين”، قال ترامب ذلك وهو يضع اصبعه قرب رأسه بالإشارة الى جنونهم.

يواجه ترامب مازق حقيقي، وهو لا يملك أي خطة للخروج. فمذكرة التفاهم حول وقف اطلاق النار، التي وقع عليها الطرفين في 17 حزيران، منحت ايران بالفعل كل ما طلبته. وعندما وقع على الوثيقة الموجزة التي تتكون من 14 بند في قصر فرساي، مدح طاقم تفاوضه وطاقم ايران على حد سواء.

وقال قبل ثلاثة أسابيع فقط: “نحن نتعامل مع اشخاص عقلانيين جدا”. “هم لطفاء في التعامل. هم اشخاص أقوياء واذكياء وغير متطرفين. جميعهم إيرانيون يخلصون لبلادهم، وبشكل عام، كما تعرفون، هم يريدون مساعدة بلادهم”، هذا ما قاله ترامب، معربا عن تقديره لمذكرة التفاهم التي أعطت ايران كل ما تريده.

في مؤتمر انقرة ظهر الرئيس ابن الـ 80 متعب جدا. عشية يوم الخميس سئل اذا كانت الولايات المتحدة سترد على هجوم ايران، واذا كان ينوي تصعيد الموقف بعد ذلك. “كما تعرفون انا في العادة لا اجيب. ولكن كما تعرفون لا يوجد ما يمكنهم فعله حيال ذلك. لذلك انا سابلغهم مسبقا: سنشن هجوم الليلة وسنرى كيف ستسير الأمور”.

بالفعل، الجيش الأمريكي شن الهجوم على اهداف إيرانية بعد بضع ساعات. انتظر ترامب ليرى ردة فعل ايران قبل تقرير الرد التالي. مع ذلك كشف عن نيته عندما اعرب عن امله في ان لا يطول الصراع الحالي. “انا اعتقد بان ما يحدث الان سينتهي بسرعة، والوضع سيكون اكثر امنا بالنسبة للنفط بعد ذلك. لا توجد لنا أي مصلحة في أي شيء بعيد المدى”، هكذا أشار ترامب للايرانيين بانه حسب رأيه الطرفين اطلقا النار بما يكفي، وانه يمكن العودة الى الهدوء. مع ذلك لم يتم حل المشكلة واستمر تبادل اطلاق النار أمس.

ترامب يجرب حظه مع استراتيجية نتنياهو، التي لا تعتبر حل للصراع، بل “إدارة للصراع”. هكذا تعاملت حكومة نتنياهو مع حماس في قطاع غزة حتى 7 تشرين الأول 2023، وهكذا تتعامل الولايات المتحدة في الوقت الحالي مع ايران. يختار ترامب تجاهل كل الأسباب التي جعلته يبدأ الحرب مع ايران في المقام الأول، بل ويسمح لنظام آيات الله بتوسيع السيطرة على مضيق هرمز. يرد الجيش الأمريكي عندما يشعر ترامب بانه لا خيار امامه الا الرد. وهكذا تنزلق الولايات المتحدة بالتدريج الى جولات من الهدوء، تليها نيران ثم تعود الى الهدوء من جديد.

في حين تشكل ايران تذكير حي ومؤلم لاكبر إخفاقات ترامب، تصبح دول الناتو كبش فداء له. لا يتجرأ ترامب على فتح جبهة ضد أعداء حقيقيين أقوياء للولايات المتحدة. ولكنه دائما يظهر الاستياء من الحلفاء الصغار، كأب عدواني.

في اول يوم له في انقرة جدد ترامب طرح حلمه بغزو غرينلاند التابعة للدانمارك، وانتقد المانيا وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا بعدم تقديم المساعدة له بعد شن الحرب على ايران بدون ابلاغهم بذلك. ولكنه خصص الجزء الأكبر من انتقاده لاسبانيا وشبهها بايران كتهديد للنظام العالمي. لم تكتف حكومة اسبانيا بالتقاعس عن مساعدة أمريكا، بل هي منعت أيضا الجيش الأمريكي من استخدام قواعدها. وقد قال ترامب: “الاسبانيون شعب سيء ويائس. لقد حان الوقت لمقاطعة التجارة مع اسبانيا، رجاء، بما في ذلك الزيارات”، بدون التوضيح ماذا يقصد بالزيارات.

بعد ذلك، قبل نهاية المؤتمر والعودة الى الجانب الاخر من المحيط، عقد ترامب مؤتمر صحفي آخر، هذه المرة مؤتمر احتفالي ومبهج، شكر فيه كل دول الناتو، وهي المنظمة التي دأب على تشويه سمعتها لعقد تقريبا. “لقد كانت قمة رائعة وناجحة وفاقت كل التوقعات!”. صحيح، اسبانيا تصرفت بشكل سيء، لكن كما نعرف إيطاليا كانت جيدة، وكل الدول كانت جيدة. أحيانا يمر الناس بلحظة عصيبة.

مشكلة اليسار

قبل سنة ونصف فقط، أدى ترامب اليمين الدستورية كرئيس جديد للولايات المتحدة، وظهر الحزب الجمهوري في حالة تخبط. اما الان، مع انخفاض شعبيته الى ادنى مستوى، فان الحزب الديمقراطي على قناعة بانه في الطريق الى الفوز في انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني القادمة. وقد تحول موسم الانتخابات التمهيدية الذي ينتهي في الشهر القادم الى معركة مفتوحة على مستقبل الحزب الديمقراطي، تتركز حول ثلاثة أسئلة وهي كيفية الرد على ترامب، التوجه نحو الوسط أو اليسار وكيفية التعامل مع إسرائيل.

لم يبق على انتخابات الكونغرس الا اربعة اشهر تقريبا ، 3 تشرين الثاني، حيث سيختار الامريكيون كل مقاعد مجلس النواب الـ 435، و35 مقعد من اصل 100 في مجلس الشيوخ. ويتصدر الديمقراطيون الاستطلاعات الوطنية، ويتوقع ان يسيطروا على مجلس النواب، الامر الذي سيمكنهم، لأول مرة في ولاية ترامب الثانية، من الاشراف على الإدارة، في ظل عرقلة مؤيديه الجمهوريين لأي تحقيق في هذا الشأن. ولكن الهدية الكبيرة تكمن في مجلس الشيوخ، حيث يتمتع الجمهوريون حاليا بأغلبية 53 مقابل 47.

مع وجود 35 مقعد في مجلس الشيوخ، يحتاج الديمقراطيون الى الحفاظ على كل المقاعد، والفوز بأربعة مقاعد إضافية لتحقيق الأغلبية. تترشح سوزان كولنز، السناتورة الجمهورية، عن ولاية مين لاعادة انتخابها. وهي تعتبر حالة استثنائية الان، فهي ولاية ذات اغلبية ديمقراطية صوتت لجو بايدن وكمالا هاريس، لكنها اختارت كولنز الجمهورية. كان الحزب الديمقراطي يأمل بترشيح شخصية معروفة لهذا المنصب، لكنه وجد ان الجناح التقدمي التف عليه عندما قام بترشيح شخصية جذابة، لكنها بدون خبرة. وقد فازت كولنز في الانتخابات التمهيدية في الأسبوع الماضي عندما ترشحت من خارج المؤسسة السياسية في واشنطن.

تكمن مشكلة المرشح الجديد الذي يأتي من لا شيء، بان كشف اسراره يستغرق وقت. غراهام بلاتنر، وهو مزارع محار في مين، قدم نفسه كمرشح “اصيل” جاء من الميدان. وقد اعترف طواعية بوجود وصمات في ماضيه. فخلال خدمته العسكرية قام هو واصدقاءه برسم وشم لتوتين كوفف، وهو رمز قوات العاصفة النازية. وقال بانه لم يكن يعرف معناه حتى فترة قريبة. أيضا كشف عن سلسلة تعليقات عنصرية، مسيئة للنساء، كتبها في صباه عندما كان يعاني من الاكتئاب. صمم مؤيدوه في الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي على انه في عهد ترامب لا يمكن استبعاد بلاتنر بسبب هذه الوصمات. ونظرا للخطر الوجودي الذي يمثله ترامب فانه لم يمكن بوسع الديمقراطيين التخلي عن موهبة مثل بلاتنر، الذي كانت موهبته حقيقية، وقد اكتسب زخم بالفعل في ولاية مين. في هذه الاثناء بدأت تتردد في واشنطن شائعات بان بلاتنر سيكون سيناتور مثير، وربما يترشح للرئاسة في 2028. أوباما أيضا لم يكن سناتور الا لمدة سنتين فقط.

بعد ذلك بدأت التحقيقات. بالتدريج انكشف ان بلاتنر لم يتوقف عن الكذب. فرغم اعتذاره عن سلوك غير لائق في صباه، والتظاهر بالصدق، الا ان نساء تتابعن ليكشفن عن علاقات مضطربة وخيانات متكررة. وقد ذكرت البعض منهن هذا السلوك في الحملة الانتخابية الحالية أيضا. بلاتنر رفض الاستقالة في هذه المرحلة، وكانت الصدمة الكبرى التي أدت في النهاية الى استقالته التحقيق الذي بدأته “نيويورك تايمز” وتحقيق آخر في موقع “بوليتيكو”. هذه التحقيقات كشفت عن اعمال عنف ضد النساء وحالتي اغتصاب على الأقل، الاخيرة كانت قبل خمس سنوات.

التخوفات التي تحققت لدى الديمقراطيين هي تكرار سيناريو انسحاب جو بايدن. فقد انسحب بايدن من السباق في شهر تموز، وأصبحت كمالا هاريس المرشحة بدون المرور في الانتخابات التمهيدية المعتادة. هذا ما سيحدث لأي مرشح تنتخبه حفنة من الأحزاب التقليدية. في مين يأملون في اجراء انتخابات تمهيدية مصغرة في وقت قياسي. ولكن من غير الواضح على الاطلاق اذا كان هذا ممكن. وتضم قائمة الأسماء سياسيين محليين غير ملهمين، بالإضافة الى شخصيتين محليتين مشهورتين: المؤرخة والمعلقة المشهورة هيذر كوكس ريتشاردسون والممثل باتريك دمبسي. ومع وجود نجم تلفزيون الواقع في البيت الأبيض فان كل شخص مشهور له علاقة ولو بسيطة مع مين، يعتبر مرشح محتمل.

——————————————

يديعوت أحرونوت/ملحق 7 أيام 10/7/2026 

لعبة البرغوثي المزدوجة

بقلم: ليران تماري

من جهة، يُطلق الإعلام الغربي على مروان البرغوثي لقب “نيلسون مانديلا الفلسطيني” و”أهم سجين سياسي في العالم”. ومن جهة أخرى، يؤكد تقرير لمعهد IPS، يُنشر هنا لأول مرة، استنادًا إلى تحليلات وأخبار وقصة طفولته في قرية قرب رام الله ومحادثات معه، أن البرغوثي شخص خطير لا يزال يبث رسائل تحريضية، ويسعى لتوحيد فتح وحماس تحت قيادته، كما أنه يمد أذرعه للتأثير على الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. وتقول ب، العضو البارزة في مصلحة السجون لمعهد IPS: “إنه أشبه بيحيى السنوار، بل وأكثر دهاءً. ذئب في ثوب حمل”

في ليلة السادس والسابع من حزيران من هذا العام، في برشلونة، احتشد نحو 75 ألف شخص على المسرح الرئيسي لمهرجان “بريمافيرا ساوند”، أحد أكبر وأهم المهرجانات الموسيقية في العالم. وقبل لحظات من صعود فرقة غوريلاز إلى المسرح، اعتلى شخص آخر المسرح يدعى عرب البرغوثي، وهو نجل مروان البرغوثي. وعلى خلفية صورة البرغوثي الأب التي تومض من شاشات LED العملاقة، هتفت الجماهير. قال الابن للآلاف: “والدي واحد من 10 آلاف فلسطيني سجين في إسرائيل، لكنه يمثل لملايين الفلسطينيين شيئًا لا تستطيع إسرائيل سجنه: الأمل”. تعالت أصوات التأييد والتصفيق وهتافات “الحرية لفلسطين!”. وتابع الابن: “أمل أن ينشأ الأطفال الفلسطينيون في سلام”. وخلص إلى القول: “إذن استمروا في النضال من أجل فلسطين، من أجل غزة، من أجل العدالة!” وفي اليوم التالي، وصفت التقارير المتحمسة في وسائل الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي الحدث بأنه خطاب ألقاه نجل “الزعيم السياسي السجين” و”نيلسون مانديلا الفلسطيني”. لم يُكلّف أيٌّ منهم نفسه عناء ذكر أن البرغوثي، على عكس نيلسون مانديلا، أُدين في المحكمة بقتل خمسة أشخاص – ثلاثة منهم في هجوم سوق المأكولات البحرية – ومحاولة قتل إسرائيلي آخر، بالإضافة إلى تهم أخرى، وحُكم عليه بالسجن خمس مؤبدات وأربعين سنة.

تستمر الحملة التي تُصوّر البرغوثي على أنه “نيلسون مانديلا الفلسطيني” منذ سنوات. في لندن، وُضع تمثاله بجوار تمثال نيلسون مانديلا. في كانون الأول الماضي، نُشرت عريضة فنية تُطالب بالإفراج عنه، ووقّع عليها، من بين آخرين، ستينغ، وبول سايمون، وآني لينوكس، والممثل ستيفن فراي، والكاتبة مارغريت أتوود، وحتى الملياردير ريتشارد برانسون. وجاء في العريضة: “ندعو الأمم المتحدة وحكومات العالم إلى العمل بجدّ من أجل إطلاق سراح مروان البرغوثي من السجون الإسرائيلية”. كما نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية عريضةً من المثقفين تُشير إلى أن البرغوثي هو “الأمل الوحيد لنجاح مفاوضات السلام”. ووصفته “الإيكونوميست” بأنه “أهم سجين في العالم”، والقائمة تطول. في آذار المقبل، ستصل الحملة إلى ذروة جديدة: ستنشر دار بنغوين العملاقة كتابه “غير منكسر”، بعنوان فرعي: “في سبيل حرية فلسطين”. وقد بدأت هذه الحملة تؤتي ثمارها: فرغم أن البرغوثي ليس عضواً في حماس، إلا أن اسمه برز كمرشح في الاتفاقيات الأخيرة لإطلاق سراح الأسرى والرهائن من غزة. وقد استخدمت إسرائيل حق النقض (الفيتو) الكامل، وحاولت تذكير الناس بأنه مدان بالقتل ويداه ملطختان بالدماء، لكن في العالم الغربي، صورته مختلفة تماماً: مناضل من أجل الحرية، سجين سياسي، مانديلا الضفة الغربية. رجل سلام، قادر على توحيد الفلسطينيين وحل الصراع نهائياً.

لكن وفقاً لتقرير خاص أعدته عنه مصلحة السجون، وينُشر هنا لأول مرة هذا الأسبوع، فإن البرغوثي بعيد كل البعد عن الصورة التي رُسمت له. الوثيقة، التي أُنجزت في العام الماضي، كتبها الدكتور م. من فرع البحوث الاستراتيجية في مصلحة السجون، وهو يستند إلى دراسة معمقة لشخصية البرغوثي، وتحليل لأنماط أفعاله، وتقارير استخباراتية، سُمح بنشر بعضها مؤخرًا. يذكر التقرير أن البرغوثي لم يتغير جوهريًا، بل في صورته فقط. فقد استُبدلت الأسلحة بالكلمات، واستُبدل الإرهابي المدان بصورة مانديلا من رام الله، لكن كل شيء يُدار ويُدبّر من قِبَله من زنزانته في جناح العزل بسجن غنوت جنوبًا، ومن قِبَل معاونيه. لم يعد البرغوثي يطلق النار أو يفجر الناس، لكن أيديولوجيته وأفكاره أصبحت، وفقًا للتقرير، “نوعًا من الإرهاب الفكري”. أي إنتاج المعرفة الأيديولوجية ومعالجتها ونشرها؛ وتثبيت روايات تبرر العنف؛ وتفسيرات تبدو ظاهريًا معيارية، لكنها في الواقع ضارة. نيلسون مانديلا؟ بحسب التقرير، “خلاصة القول أن مروان البرغوثي أحد الشخصيات القليلة في السياسة الفلسطينية التي استطاعت أن تتحول من شخص إلى رمز، ومن رمز إلى أسطورة. في نظر مؤيديه، يجسد البرغوثي القيادة الحقيقية، والشرعية الشعبية، والأمل في تجديد القيادة الفلسطينية. إلا أن نظرة أعمق في شخصيته تكشف أنه انتهازي، مزدوج، شخص يمثل نمطًا معقدًا من الغموض السياسي، حيث يخفي مظهره البراغماتي المعتدل آراءً متشددة ومتطرفة.”

تقول “ب”، وهي ضابطة رفيعة في جهاز المخابرات في مصلحة السجون، والتي أمضت ساعات لا تحصى مع البرغوثي، ومطلعة على جميع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة به: “ترى فرقة موسيقية تعزف في أوروبا، وتُعرض صورة مروان البرغوثي من خلفها، وجمهور غفير أمام المسرح يحتفلون بعيد ميلاده”. لكن علينا العودة إلى الحقائق: هذا قاتل مدان، يقضي خمسة أحكام بالسجن المؤبد لدوره في الهجمات. إنه شخص شديد الخطورة. كلا، ليس صانع سلام ولا نيلسون مانديلا”.

وُلد البرغوثي (67 عامًا) في قرية كوبر الفلسطينية، غير بعيدة عن رام الله، وهو عضو في حركة فتح منذ أن كان في الخامسة عشرة من عمره. أُعيد انتخابه مؤخرًا لعضوية اللجنة المركزية للحركة، ويُعتبر شخصية أكثر نفوذًا وهيمنة من الرئيس الحالي للسلطة الفلسطينية، أبو مازن. ووفقًا لتقرير وكالة إنتر برس سيرفس، فقد ساهمت طفولته في القرية في تشكيل شخصيته. “على عكس الجيل الأقدم من قادة منظمة التحرير الفلسطينية الذين رسّخوا مكانتهم من خلال علاقاتهم بالنخب،” كما جاء في التقرير، “انطلق البرغوثي من واقع الحياة اليومية الفلسطينية، ما شكّل رصيدًا سياسيًا له ومكّنه من التواصل مع الشارع. التحق البرغوثي بالمدرسة الابتدائية في كوبر، حين كان التعليم نادرًا في المجتمع الفلسطيني آنذاك. نشأ في ظلّ واقعٍ يفتقر إلى التعليم النظامي، لكنه اختار بثباتٍ وعزمٍ درب المعرفة حتى نال شهاداتٍ عليا. هذه التفاصيل في سيرته ليست بالهينة. فإدراكه المبكر لعالمٍ تُعدّ فيه المعرفة امتيازًا، رسّخ لديه نظرةً إلى التعلّم كوسيلةٍ لاستعادة الكرامة.” هذه النظرة، أي أن المعرفة سلاح، تتكرر في جميع أنحاء التقرير.

اعتُقل الشاب البرغوثي عدة مرات، ودرس العبرية في السجن، وتعرف بعمق على المجتمع الإسرائيلي، وبعد الانتفاضة الأولى رُحِّل إلى الأردن. وحدثت نقلة نوعية في وعيه بعد اتفاقيات أوسلو، حين عادت القيادة الفلسطينية العليا إلى الضفة الغربية. في ذلك الوقت، وبحسب التقرير، أصبح البرغوثي “أحد القوى الصاعدة داخل حركة فتح، واعتُبر ممثلاً لجيل شاب ناقد”. ومع اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول 2000، برز البرغوثي كشخصية شعبية، وقاد تنظيمي “التنظيم” و”شهداء الأقصى” – الجناح العسكري لحركة فتح. تحت قيادته، أصبحوا مسؤولين عن تنفيذ العديد من الهجمات ضد الإسرائيليين، واتخذوا طابعًا مشابهًا لمنظمات إرهابية أخرى مثل حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني.

أُلقي القبض عليه خلال حملة السور الواقي في نيسان 2002، ووُجهت إليه لائحة اتهام. في عام 2004، أُدين في محكمة تل أبيب المركزية بتهمة التورط في هجمات أسفرت عن مقتل خمسة إسرائيليين. حُكم عليه بالسجن المؤبد خمس مرات، بالإضافة إلى أحكام أخرى بتهمة الشروع في القتل والانتماء إلى منظمة إرهابية والنشاط فيها. وقد قضى قضاة محكمة تل أبيب المركزية، سارة سيروتا وأبراهام تال والدكتور عميرام بنياميني، بأن “المتهم أمر رجاله بتنفيذ هجوم انتقامي قُتل خلاله يويلا تشين في محطة وقود في جفعات زئيف، كما أمر أحد رجاله بتنفيذ هجوم مسلح قُتل خلاله الراهب اليوناني الراحل تسيبوكتاكيس جيرمانوس في معاليه أدوميم”. بالإضافة إلى ذلك، صادق المتهم على الهجوم الذي استهدف مطعم “سوق المأكولات البحرية” في تل أبيب، والذي أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص.

وقد سبق للقضاة أن تناولوا محاولة البرغوثي تصوير نفسه كشخصية سياسية تسعى للسلام. وكتبوا: “…يؤكد البرغوثي مرارًا وتكرارًا على سعيه للسلام. ويبدو أن طريق السلام بالنسبة للمتهم يمر عبر درب الإرهاب الدموي. لقد سعى المتهم إلى تقديم نفسه كـ”شخصية سياسية”، بل وأعلن معارضته لقتل الأبرياء. وتتناقض هذه التصريحات مع أفعال المتهم، كما ثبت أمامنا.” كان المتهم متورطًا بشدة في أنشطة إرهابية لدرجة أنه أصرّ على تسميتها بمصطلحات عامية مثل “الأنشطة العسكرية”.

ثم جاءت الجملة التي تبدو اليوم وكأنها إنذار مبكر للحملة التي تُشنّ من أجله في أنحاء العالم: “يبدو أن المتهم نفسه شعر بعدم الارتياح، في ضوء الأدلة المقدمة، للادعاء بأنه يعارض قتل المدنيين، واكتفى بالقول: “أنا من حيث المبدأ ضد قتل المدنيين من كلا الجانبين”. بغض النظر عن المبدأ، وبغض النظر عن الأفعال”.

فهل أعرب يومًا عن ندمه على هذه الأفعال؟ ب: “لا، على الإطلاق”. يجد دائمًا مبررًا لأفعاله.

× × ×

منذ إدانته، يقضي البرغوثي عقوبته خلف القضبان. ولأسباب أمنية، يُنقل دوريًا بين السجون. في البداية، لم يكن في جناح العزل، لكنه اكتسب مكانة بين السجناء الأمنيين، وفي الوقت نفسه، تعززت شعبيته خارج أسوار السجن. ب: “يمكن ملاحظة مكانته، سواء بين السجناء أو خارجهم، من خلال انتخابه قبل أسابيع قليلة فقط لعضوية اللجنة المركزية في انتخابات فتح الأخيرة. وفي مؤتمر فتح السابق عام 2016، انتُخب أيضًا لعضوية اللجنة على رأس القائمة.” يُبيّن هذا أنه حتى بعد عقدين من الزمن في السجن، لا يزال البرغوثي أحد أهم مراكز القوة في الحركة.

ومن أبرز الأمثلة التي وردت في تقرير معهد الدراسات السياسية (IPS) حول أساليب البرغوثي في ​​تجميع السلطة، النظام التعليمي الذي أداره في السجن حتى بداية العقد الماضي. ووفقًا للمعهد، فقد خوّلت السلطة الفلسطينية البرغوثي منح شهادات عليا للسجناء الذين يدرسون سرًا ضمن مشروع يُسمى “أكاديمية النور”. ويذكر تقرير المعهد أن “النظام التعليمي كان مصدرًا لسلطته، استغله إلى أقصى حد”. كيف ذلك، على سبيل المثال؟ يقول البرغوثي: “كان يمنح الشهادات لأتباعه، ويحجبها عن أولئك الذين لا يوافق عليهم شخصيًا”.

لم توقف إسرائيل المشروع إلا في عام 2011، لكن أثره لا يزال قائمًا. تقول ب: “اليوم لا يستطيع فعل ذلك، لأنه معزول. لكن ما فعله هو أنه سمح لنزلاء السجون بأن يكونوا محاضرين، ومنح آخرين صلاحية التدريس، وبهذه الطريقة تمكنوا من تجاوز الحظر المفروض على التدريس في السجون”. بحلول السابع من أكتوبر، كانت الكتب بحوزتهم، وكان على اتصال برئيس جامعة القدس.

ظاهريًا، يبدو هذا الزعيم مهتمًا بتعليم شعبه. لكن وفقًا للتقرير، لم يكن هذا المشروع التعليمي برمته بريئًا على الإطلاق. تقول (ب): “لقد حوّل السجن إلى ما يشبه معهدًا بحثيًا يُسيطر عليه. بالنسبة له، المعرفة أداة أخرى لهزيمة العدو. المعرفة قوة.”

وماذا كان يُدرَّس هناك، على سبيل المثال؟

 “كان يُدرِّس السياسة الدولية. لكن عندما تكون مسؤولًا عن توزيع الشهادات، فأنت تملك السلطة. كنا نتلقى فجأةً طلبات كثيرة من السجناء للانتقال إلى الأجنحة التي كان يقيم فيها. كانوا يريدون أن يكونوا قريبين منه.” أدركوا أن كل من يقترب من البرغوثي يقترب من مركز السلطة.

تكشف الوثيقة عن استبيان اختبار كتبه البرغوثي لطلابه. الأسئلة، التي تُنشر هنا لأول مرة، لا تتناول نظريات الاحتجاج السلمي أو دراسات السلام، بل تتناول الموساد، والشاباك، وتاريخ الاستخبارات وأساليب الاستجواب. ومن بين الأسئلة التي وُجهت لطلاب البرغوثي:

“ما الذي يُميز الموساد؟”؛ “ما هي أبرز إنجازات أعضاء الشاباك؟”؛ “من هم رؤساء الشاباك الذين قدموا استقالاتهم؟”؛ “ما الحدث الذي منح المؤسسة سمعة عالمية؟”؛ “ما هي الوعود التي يتضمنها الاتفاق السري بين الوكالة اليهودية والكنيسة المارونية؟”؛ “هل أثبتت تجربة الانتفاضة الثانية أن الاغتيال أحد أهم عناصر التجسس الإلكتروني للدولة العبرية؟”؛ “هل يُعتبر عمل الشاباك في القطاع اليهودي أصعب منه في القطاع الفلسطيني؟”؛ ثم يظهر السؤال الأكثر غرابة على الإطلاق: “عرض أساليب التحقيق التي تتبعها أجهزة الأمن الإسرائيلية الثلاثة ضد الفلسطينيين، وتقديم أفضل طريقة للتعامل معها.”

بحسب تقرير مصلحة السجون الإسرائيلي، “قد تكون معرفته العميقة بالتاريخ اليهودي والإسرائيلي مؤشراً على طبيعة الخطر الذي يمثله”. ويذكر التقرير أيضاً أن التعلم بالنسبة للبرغوثي “ليس مجرد فضول أكاديمي، بل هو أداة نضال”.

تقول (ب): “إنه واسع المعرفة بشكل استثنائي. إنه ذكي جداً، ولديه معلومات عامة هائلة، ومعرفة واسعة بنا. أجريتُ معه العديد من المحادثات. من المهم أيضاً بالنسبة له أن يُظهر هذه المعرفة عن إسرائيل، وعنّا نحن كأفراد في جهاز المخابرات الإسرائيلي. كان الهدف من الاختبارات هو اختبار سجناء الأمن، لمعرفة من يمكنه تصنيفه كشخص مهتم وواسع المعرفة”.

قلتَ إنك أجريتَ معه العديد من المحادثات. كيف هو في جلساته الفردية؟

“إنه يشعّ لطفاً. لا يصرخ، ولا يغضب، ويحترم الجميع. لكنه في قرارة نفسه يشجع الشباب بطريقته الخاصة، ولم يتخلَّ عن الإرهاب”.

وعن ماذا تتحدثان؟

“إنها محادثة مليئة بالمجاملات. يقول: ‘دعونا نصنع السلام بين الأمم’، ثم نلتقط معلومات تفيد بأنه قال: ‘لقد قلت لهم ما يحتاجون سماعه’. قال جملة: ‘لا تنال دولة استقلالها، بل تنتزعه، ولكي تناله، لا بد من إراقة الدماء’. من هذا نفهم الرجل وشخصيته.”

كما ذكرنا، يقبع البرغوثي اليوم في جناح العزل. تقول (ب): “في أغلب الأحيان، يكون مع شخص واحد فقط في الزنزانة. يُغيّرون رفقاءه في الزنزانة باستمرار. يختارون من هم أقل نفوذاً، ممن تكون علاقتهم ببعضهم البعض أقل إشكالية. يختارون إرهابيين من الصفوف الدنيا. إرهابيين عملوا بمفردهم، دون مقر، إرهابي وحيد. عادةً ما يكونون هم من يُختارون.”

من معه في الزنزانة الآن؟

يعيش مع قاتل الزوجين كدوري (تامر ويهودا كدوري، اللذان قُتلا في القدس في كانون الثاني 2019 على يد وسيم أسعد، فلسطيني من الخليل، مرتبط بتنظيم داعش – ل.ت.).

وكيف يتعامل مع السجناء الآخرين؟

“يحرض السجناء على الادعاء بتعرضهم للأذى وسوء المعاملة. أما هو، فيبقى منعزلاً. إنه حريص. هذه إحدى أبرز سماته. على سبيل المثال، كانت هناك أيام، فيما يُعرف بـ”مصلحة السجون القديمة”، قبل تغيير الأوضاع، حيث كانت الهواتف متوفرة بكثرة (أي الهواتف المحمولة المهربة – ل.ت.). لكنه كان حريصاً على عدم الكلام. كان لديه شخص موثوق به يتحدث نيابةً عنه. ودائماً ما يُبقي في الظل. الآخرون يقومون بالعمل نيابةً عنه”.

يقدم التقرير مثالاً على الادعاء بأن البرغوثي يُوكل العمل للآخرين، في حادثةٍ ترسخت في الأذهان باسم “قضية البسكوتة”. ففي عام 2017، قاد البرغوثي ما أسماه “إضراب الكرامة”: إضراب عن الطعام شارك فيه نحو 1200 سجين أمني. كان السبب الرسمي هو ظروف السجن، لكن في الواقع، تدّعي مصلحة السجون أن البرغوثي أراد تعزيز نفوذه ضد أبو مازن وترسيخ صورته كمتشدد. ومع ذلك، خلال الإضراب، نشرت مصلحة السجون لقطات تُظهر البرغوثي وهو يأكل سرًا في زنزانته. ووفقًا للمنشورات آنذاك، لم تكن هذه اللقطات عشوائية: فقد أخفى موظفو مصلحة السجون وجبة خفيفة من البسكوت في زنزانته، وصُوّر البرغوثي وهو يكسر إضرابه عن الطعام الذي يُفترض أنه يقوده. تقول ب: “انظروا إلى “إضراب الكرامة”. إنه يُرسل الناس للاضراب عن الطعام، ويُصوّر حدثًا من التضحية والنضال، وفي النهاية يأكل هو نفسه سرًا. بالنسبة له، الناس مجرد موارد يمكن التضحية بها.” ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن حتى هذا الحادث المُحرج لم يُؤثر على مكانته.

يذكر التقرير أن الفجوة بين لقب “إضراب الكرامة” والسلوك الفعلي “تكشف عن طبقة عميقة لا تعكس فيها اللغة الواقع، بل تُصوّره للآخرين”. بالنسبة لباحثي معهد الدراسات السياسية، هذا هو جوهر أسلوب عمله: الآخرون يعملون، وهو يُوجّه. الآخرون يدفعون الثمن.

لكن اليوم، في جناح العزل، جدول البرغوثي محدود للغاية: إحصاء السجناء، الغداء، ساعة في الساحة، لا شيء غير ذلك. الأشخاص الوحيدون الذين يزورونه هم محاموه. “لا يمكن منع ذلك”، يوضح البرغوثي. “لكن يتم منع محامين مُحددين يعلمون أن زياراتهم تهدف إلى إيصال رسائل”. من حين لآخر، يُنقل إلى سجن آخر، للحد من اختلاطه الاجتماعي في العزل، ولتذكيره بأنه سجين مثل أي سجين آخر. تقول (ب): “أحيانًا يكون فظًا مع الحراس. إنه يتوقع منهم احترام مكانته، ولا يدرك أنه في النهاية مثل جميع السجناء، ولا أحد يهتم لأمره كما كان يظن”.

لكن هذه القيود المفروضة عليه لا توقف الحملة الرامية إلى تحويله إلى “نيلسون مانديلا الفلسطيني” والمطالبة بالإفراج عنه. إنها حملة منظمة (تُدار بشكل رئيسي في الخارج تحت مظلة منظمتي “أطلقوا سراح مروان” و”الشيخ”)، ولها مواقع إلكترونية، ونشاط على وسائل التواصل الاجتماعي، ونشطاء ميدانيون، وإداريون، بقيادة زوجته فدوى، المحامية، وابنه عرب. يقول (ب): “إنها عملية تراكمت على مر السنين. عائلته منخرطة فيها. زوجته ناشطة على الساحة الدولية، وابنه يظهر في الفعاليات وعلى منصات كبيرة. لقد بنوا صورته. عندما تفعل ذلك بمرور الوقت، فإنك تخلق أسطورة”.

وحسب علم جهاز المخابرات الباكستاني، هل يدير البرغوثي هذه الحملة؟

“نعم. إنه على دراية بكل شيء”.

لهذا السبب جاء عنوان تقرير معهد الدراسات السياسية: “مروان البرغوثي، الرجل الذي يربح اللعبة التي لا يشارك فيها”. البرغوثي، ظاهريًا، مجرد سجين. والدعم الذي بُني حوله يُفترض أنه من الميدان فقط. ويذكر التقرير: “مع غياب إمكانية استخدام العنف على الأرض، وسجنه، تحوّل تركيز عمله من المستوى العملياتي إلى المستوى المفاهيمي والفكري”. البرغوثي مفكر، وليس من النوع الذي “يُلطخ” نفسه بالمشاكل السياسية التافهة، التي تغرق فيها القيادة الفلسطينية. ويضيف التقرير: “بينما يُختبر القادة الآخرون بالقرارات والإخفاقات والنجاحات والمسؤولية العامة، يستمتع البرغوثي في ​​الواقع بغيابه. إنه مسجون. ليس مطلوبًا منه إدارة السلطة الفلسطينية. لا يواجه أزمات اقتصادية. ليس مطلوبًا منه اتخاذ قرارات أمنية. لا يدفع ثمنًا باهظًا للإخفاقات. ومع ذلك، لا تزال صورته تُخيّم على الساحة الفلسطينية كبديل محتمل”.

وهكذا، وفقًا لتقرير معهد الدراسات السياسية، فإن الرجل الذي صرّح باستحالة نيل الاستقلال دون إراقة الدماء (وقد خلص التقرير إلى أن هذه الكلمات “قد تدلّ أكثر من أي شيء آخر على أنه لا ينوي التخلي عن منطق السلطة”)، أصبح في نظر الكثيرين حول العالم شهيدًا، شهيدًا سُجن لكونه زعيمًا سياسيًا، لا لأنه إرهابي ملطخة يداه بالدماء. ويصف تقرير المعهد هذه الفجوة تحديدًا: “سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، هناك محاولات لتلميع صورة الرجل وأفكاره، من خلال تبني خطاب عالمي عن الحقوق والحرية والعدالة”. في الواقع، ينشط البرغوثي، وفقًا للتقرير، في جميع المجالات. ففي الساحة الفلسطينية، “يحظى بدعم واسع النطاق يمنحه سلطة معنوية وسياسية”، وفي الساحة العالمية، “تتبلور صورته كرجل سلام يُضاهي نيلسون مانديلا ومارتن لوثر كينغ”. “لقد حمى السجنُ البرغوثي”، توضح ب. “لا يحب الشعب الفلسطيني أبو مازن. هناك العديد من الادعاءات التي تحوم حوله بشأن القيادة الحالية، بما في ذلك ادعاءات الفساد. أما البرغوثي، فهو في السجن. طوال هذه السنوات، لم يُطلب منه إدارة السلطة الفلسطينية، ولم يُطلب منه اتخاذ القرارات، ولا يوجد أي أثر لفشل حكومي. بطريقة ما، يحميه السجن.”

وتتابع ب. قائلةً: “لذلك، فهو يدرك جيدًا كيف يمكن لأي دعاية بشأنه فيما يتعلق بقضية السجن أن تؤثر على مكانته”، مستشهدةً كمثال بتقرير نشرته وكالة الاستخبارات الفلسطينية ونفته، والذي زعم أن البرغوثي تعرض للضرب في السجن وكُسرت أضلاعه. “الأمر المثير للاهتمام هو أن محاميه أصدر بيان نفي”، تقول. “لماذا؟ لأن الصورة، من وجهة نظرهم، لها أهمية كبيرة. لا يجب تصوير البرغوثي على أنه ضعيف. صدر بيان النفي والرسالة واضحة: إنه قوي، وهو يقود السجناء. البرغوثي هو من يصوغ القصة. إنه رجل كلام، رجل تعريفات.” هو يعرف كيف يتحكم باللغة ويستخدمها كما يشاء. من وجهة نظره، إنها آلية مضادة للنظام الذي يُمارس ضده.

لا بد من القول إنه إذا كان تحليلك صحيحًا، فإنه يتطلب منه مهارات عديدة.

“لديه تفكير استراتيجي وصبر. صبرٌ كبير. يعرف كيف يُحافظ على استمرارية عملية ما لسنوات.”

وهل يُعقل أن يكون كل هذا مجرد خدعة؟ أنه يُدرك أن سبيله الوحيد للحرية هو الترشح لمنصب “الزعيم السياسي المسجون”، وبعد لحظة سيختفي؟

“إنه يُريد أن يكون قائدًا. يُريد أن يكون حرًا ويقود. لكن حسب معرفتي به، بمجرد إطلاق سراحه، سيُصاب بالذعر. إنه شخص مُرهَق. حتى عندما ترشح لانتخابات السلطة. أحيانًا عندما تعمل على شيء ما لفترة طويلة، تُصاب بالتوتر بسبب الموقف.” لديه وهم بأنه سيصبح “قائدًا أعلىً”.

× × ×

من بين الأمور التي ستُمكّن البرغوثي – في نظره ونظرة مؤيديه – من أن يصبح ذلك “القائد الأعلى” قدرته على رأب الصدع بين الفصيلين الرئيسيين في المجتمع الفلسطيني – فتح وحماس. فالصدع بين المنظمتين، كما هو معروف، عميق ودموي. وقد وُثّقت صور أعضاء فتح وهم يُلقون من أسطح منازل غزة عندما وصلت حماس إلى السلطة هناك. لكن البرغوثي، وفقًا للتقرير، نجح في بناء جسر بين هذين المعسكرين. ففي عام 2006، كان هو القوة الدافعة وراء “وثيقة الأسرى”، وهي اتفاقية وُقّعت في سجن هداريم بين جميع الفصائل الفلسطينية الرئيسية، ووضعت 18 بندًا وطنيًا فلسطينيًا كسابقة مقبولة من جميع الأطراف. ومن المشكوك فيه جدًا وجود شخصية فلسطينية أخرى قادرة على إبرام مثل هذه الاتفاقية.”هذه نقطة بالغة الأهمية” تقول ب. “فعلى مدى عقود كنا نحاول منع حماس من السيطرة على الضفة الغربية. والبرغوثي ليس فقط لن يمنع ذلك بالضرورة، بل سيُهيئ حماس لتكون جزءًا من النظام. فمن وجهة نظره، لا بد من إشراك حماس”.

ويذكر التقرير أن “مجرد اعتبار حماس إطلاق سراحه هدفًا استراتيجيًا (في إطار المفاوضات بشأن المختطفين والأسرى في غزة – ل.ت.) يُشير إلى مكانته الاستثنائية لدى الحركة، وربما يُشير إلى تقارب أيديولوجي. فعلى عكس أبو مازن، لا يُكنّ البرغوثي أي ضغينة لحماس، بل يراها شريكًا طبيعيًا، جزءًا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني لا يُمكن استبعاده. وقد عُلم مؤخرًا أن البرغوثي يُمهد الطريق للانتخابات الرئاسية الفلسطينية، وهو على اتصال بعناصر من قيادة حماس لتوحيد الجهود وضمان إزاحة أبو مازن من السلطة.”

ويضيف التقرير: “تقول حماس: سنعمل على تحريرك ومنحك مكانة مرموقة. والبرغوثي، من جانبه، يقبل حماس كجزء من النظام الفلسطيني.” هذه علاقة يجب فهم أهميتها.

وهل يرى البرغوثي نفسه قائدًا لجميع الفلسطينيين، بمن فيهم سكان غزة؟

 “رؤيته للقيادة أوسع بكثير من مجرد حركة فتح. يسعى لأن يكون الشخصية القادرة على توحيد الفصائل، حتى تلك المتناحرة، حول فكرة واحدة: قيادة فلسطينية موحدة ضد إسرائيل.”

ماذا قال بعد السابع من أكتوبر؟

 “في حالة البرغوثي، السؤال الأول الذي يجب طرحه هو: مع من يخاطب؟ سيقول للإسرائيلي شيئًا، ولعضو في فتح شيئًا آخر، ولعضو في حماس شيئًا ثالثًا. ما يقوله تلاعب. إنه يُكيّف كلامه مع مستمعه. لكنه يعتقد أن حماس شريك كامل، وأن القيادة الفلسطينية لا تكتمل إلا بتوحيد الفصائل ضد إسرائيل.”

من المفترض أن من يُقدّم نفسه على أنه “رجل سلام” كان عليه أن يُدين مجزرة المدنيين.

 “سيقول عبارات ذات معانٍ مزدوجة. يدين أي نوع من العنف ضد الجميع. إنه مجرد مُنمّق للكلمات.”

 لكن البرغوثي، بحسب تقرير وكالة إنتر برس سيرفس، لا يقتصر نشاطه الآن على الساحة الفلسطينية والدولية فحسب، بل يمتد ليشمل الساحة الإسرائيلية الداخلية أيضاً. ويشير التقرير إلى أن البرغوثي يسعى للتأثير على القطاع العربي في إسرائيل وأنماط تصويته قبيل الانتخابات المقبلة.

تذكر الوثيقة أن علاقاته بشخصيات عامة يهودية وأعضاء كنائس عرب “تُظهر جانبًا آخر من استراتيجيته السياسية، وهو سعيه الدؤوب للتأثير في كل مجال ممكن، سواءً من خلال التأثير على الخطاب العام أو من خلال التأثير على أنظمة صنع القرار”.

ب: “إنه على اتصال بأعضاء كنائس، ويجب ألا ننسى أبدًا: إنه قاتل مدان”.

هل يمكنك تحديد هوية هؤلاء الأعضاء؟

“أُفضّل عدم الإفصاح”.

وبحسب المعلومات الواردة في الوثيقة، فقد نشأت علاقة بين البرغوثي وأعضاء كنائس عرب ليتمكن من المساعدة في تحرك سياسي. في الواقع، كما جاء في التقرير، “تتمتع علاقات البرغوثي بأعضاء الكنيست العرب بقوةٍ كبيرة، لدرجة أنهم تواصلوا معه مؤخرًا للحصول على مباركته ومساعدته في تنفيذ خطوةٍ يرغبون في اتخاذها لتأسيس حزبٍ مشتركٍ كبيرٍ، انطلاقًا من التفاهم والاتفاق، بهدف إحداث نفوذٍ واسعٍ لتغيير الحكومة. وتشير هذه العلاقات إلى أن البرغوثي لا يكتفي بترسيخ موقعه في السياسة الفلسطينية، بل يسعى أيضًا للتدخل في السياسة الإسرائيلية، والتأثير على الانتخابات في إسرائيل، وعلى نسبة مشاركة العرب الإسرائيليين.”

ب: “تواصل معه بعض أعضاء الكنيست للحصول على مباركته لخطوةٍ أرادوا الترويج لها، وهي تأسيس حزبٍ عربيٍ كبيرٍ، من شأنه أن يُوسّع قاعدة التفويضات ويُعزّز النفوذ السياسي.”

ماذا يعني “الحصول على مباركته”؟ ما مدى قوة البرغوثي في ​​أوساط العرب في إسرائيل؟

“إنه على صلة وثيقة بقادة الرأي العام العربي وأعضاء الكنيست، وللأسف، فإن بعض فئات الرأي العام العربي تستمع باهتمام لما يقوله قادة الجانب الفلسطيني. لقد شهدنا فترة من الإقبال الشعبي الكبير عليه. إنه بارع في إيصال أفكاره بطريقة تجعل الناس يتقبلونه.”

ويخلص التقرير إلى أنه “على الرغم من الحملات الدولية التي نُظمت على مر السنين لتصويره كرجل سلام، إلا أن البرغوثي نفسه مهتم بإيصال رسائل تدعو إلى استمرار “المقاومة العنيفة”… كما أن البرغوثي بارع في إيصال رسائله، ويعرف كيف يوصل رسائل عنيفة بطريقة غير مباشرة، فعلى سبيل المثال، صرّح أكثر من مرة بعد الحرب بأنه يثق ويؤمن بالمنظمات الإرهابية وأنها تعرف ما يجب عليها فعله، في إشارة واضحة إلى عمليات اختطاف أخرى.”

وتخلص (ب) إلى القول: “لا يحتاج البرغوثي إلى امتلاك سلاح ليكون خطيرًا. تكمن قوته اليوم في قدرته على حشد الناس، وصياغة رواية، وبناء أسطورة، وحث الآخرين على القيام بالأعمال. إنه رجل مدان بالقتل، تعلم ببساطة استخدام القوة بطريقة مختلفة.”

ويعتقد عدد لا بأس به في إسرائيل أنه قد يكون جزءًا من حل النزاع. “لقد أطلقنا سراح قادة إرهابيين في الماضي، ولم تكن العواقب حميدة. مثل السنوار وياسين. في صفقات إطلاق سراح سابقة، أدرجته مصلحة السجون وجهاز الأمن العام (الشاباك) على قائمة الاعتراضات. إنه أشبه بيحيى السنوار، بل وأكثر دهاءً. ذئب في ثوب حمل. سيحشد قوة هائلة، وبمجرد أن تسنح له الفرصة، سيهاجمنا. إنه أخطر بكثير.”

 حتى وقت نشر هذا العدد، لم يكن محامي البرغوثي قد عقبّ على المقال.

——————————————

معاريف 10/7/2026

لا مفر من الحوار مع محور الاخوان المسلمين المدعوم من الرئيس الامريكي

بقلم: ألون بن دافيد

 لقد أثبت الرئيس دونالد ترامب هذا الأسبوع بانه يمكنه أن يحصل على العفو عندما يريد، لكن هذا ليس كافيا دوما. مكالمة واحدة لرئيس فيفا – واذا بالبطاقة الحمراء التي اُصدرت للاعب منتخب الولايات المتحدة فولارين بالوغون تجمد. “انا لا اعرف ما هي البطاقة الحمراء”، قال ترامب، “لكن هذه لم تكن مخالفة”. وعندها جاءت المباراة مع بلجيكيا وأثبتت بان لكرة القدم قوانينها: منتخب الولايات المتحدة اقصي عن المنافسة.

ليس في كرة القدم وحدها ما لا يفهم فيه ترامب. فمحاولاته للتدخل بالحصول على عفو لرئيس الوزراء نتنياهو كفيلة هي الأخرى بان تبعد هذا المتهم عن المنافسة. عمليا، الطريقة الفظة التي حاول بها التأثير على رئيس الدولة تبعث على الشك في صدق نواياه. فمن يريد أن يحصل على العفو لصديق له لا يهين علنا الرئيس اسحق هرتسوغ ويسميه “عارا” – ما سيقيد الرئيس ويجعله يرفض كي لا يظهر كخرقة بالية. من يريد حقا ان يساعد صديقا له يفعل هذا بسرية لكن ليس لدى ترامب هذه الأداة.

بتأخير واضح، بسن 80 اكتشف ترامب هذا الأسبوع أيضا بان ايران ليست الفيفا. فهو لا يمكنه أن يخضعها لاي اتجاه يريد. لا يوجد له أي احتمال في أن يحقق اتفاقا مع ايران يكون اعلى من استسلام امريكي مطلق. وعليه فالاتفاق لن يكون والنظام “الغبي” على حد قوله سيبقى مع اليورانيوم المخصب ومع موافقة أمريكية مبدئية لمواصلة تخصيب اليورانيوم في ايران.

الاتجاه الوحيد الذي يمكن له أن يعرضه على ايران في هذه اللحظة هو انسحاب إسرائيلي من لبنان. هذا ليس سيئا لنا بالضرورة. فاتفاق انسحاب متدرج ينخرط في خطة لتعزيز الجيش الللبناني يمكنه أن يقلص الاحتكاك في الحزام الأمني، يقلل العبء على الجيش الإسرائيلي ولعله يؤدي الى واقع افضل في الشمال.

على إسرائيل أن تمتثل للمفاوضات مع لبنان بقلب مفتوح واحساس بالالحاح عليها أن تجند كل من تبقى من اصدقائها في العالم وفي الشرق الأوسط للاستثمار في حكومة لبنان وجيشها كي يتمكنا من الوقوف في وجه حزب الله. هذه هي الساحة الوحيدة التي يمكن لنا ان نحقق فيها اتفاقا لا تلوثه اياد إيرانية.

 الحبيب الجديد

الانباء الأكثر سوءً بالنسبة لنا وفرها ترامب هذا الأسبوع من أنقرة. فالصداقة الجديدة والحبيبة مع اردوغان تمثل صعود المحور الجديد في الشرق الأوسط: حلف الاخوان المسلمين – تركيا وقطر على الرأس وسوريا وحماس في الخلف. بعد حربين ضد ايران، بقي المحور الشيعي على حاله والى جانبه حصلنا على محور قوي ومقلق بقدر لا يقل عنه. سوريا هي تفويت ذريع للفرصة من جانب حكومتنا العمياء. عندما استولى احمد الشرع على الحكم، سعى للتقرب من إسرائيل – انطلاقا من الايمان باننا نحوز المفاتيح لواشنطن. أراد اتفاقا حتى لو كان اتفاق يسمح للجيش الإسرائيلي بالبقاء في سوريا، وإسرائيل تجاهلت. وبالغ وزير الدفاع المحرج خاصتنا، الذي صعد الى كل قمة تغطيها الثلوج في سوريا كي يعلن اننا لن ننسحب منها ابدا.

وبينما تتلبث إسرائيل وسموتريتش ورجاله يغرقون في الخيالات كيف سيهودون كل تلة، فهم الشرع بان المفتاح لواشنطن يوجد على الاطلاق في أنقرة. فتح الباب لاردوغان واليوم تركيا هي التي تبني الجيش السوري وتزوده بالعتاد. الجيش إياه الذي أبدناه قبل سنة ونصف.

تقيم تركيا للشرع ألوية وفرق، وبعد لحظة ستبدأ أيضا بنشر منظومات رادار في سوريا، منظومات تبني لها صورة سماء. ليس سرا ان سوريا، التي كانت حتى الان فارغة من منظومات دفاع جوي هي مسار سلاح جونا الى ايران. اما نشر منظومات كشف تركيا، فستسد هذا المسار وتحرم إسرائيل من القدرة على مفاجأة ايران.

مثل هذه الوضعية هي وصفة للاحتكاك بيننا وبين الاتراك. انا لست ممن يتوقعون منذ بعد غد صداما عسكريا بين تركيا وإسرائيل. فمن الصعب ان نتخيل عضوا في الناتو يشن حربا على إسرائيل. لكن في الاحتكاك العسكري توجد مخاطرة، ومع الاخذ بالحسبان الحبيب الجديد للرئيس الأمريكي ليس مؤكدا ان يحل الاحتكاك في صالحنا.

في الوقت الذي تنكب فيه قيادتنا على تشريع قانون أساس “تعليم التوراة” والتنصيص في القانون للتملص من الخدمة العسكرية، قام امامنا شرق أوسط جديد مهدد بقدر لا يقل عن ذاك كان هنا في 7 أكتوبر. على مدى اكثر من سنتين ونصف أظهرت إسرائيل قوتها في المنطقة وعجبت في ضرباتها في أراض إقليمية سبعة – فقد كانت مبهرة لكنها لم تحقق الحسم، بغياب تفكير سياسي يرافقها.

تركيا، مع خطابها العنيد واللاسامي، هي دولة معادية لكن محظور علينا أن نجعلها عدوة عدو. ليس مثل قطر، فهي لا تشغل أناسا في محيط رئيس الوزراء (بقدر ما هو معروف)، لكن مثل قطر – هي لن تهاجمنا مباشرة لكنها ستواصل دعم وكلائها وضعضعة الاستقرار في المنطقة.

بعد نحو ثلاث سنوات تحدثت فيها إسرائيل بلغة القوة التي لم تحل أيا من مشاكلنا الأمنية، فاننا ملزمون بان نكيف لانفسنا من جديد اللغة الدبلوماسية. محور الاخوان المسلمين هو حقيقة ناجزة، وهو مدعوم، لاسفنا، من الرئيس الأمريكي. نحن ملزمون بان نجد الطريق للحديث مع هذا المحور إذ مثلما فهم كل إسرائيلي له عينان في رأسه: توجد حروب لا يمكن الانتصار فيها.

——————————————

هآرتس 10/7/2026 

نتنياهو يسعى لتسخين اكبر عدد ممكن من الجبهات ولا يتجاوز تركيا

بقلم: عاموس هرئيلِ 

قبيل الانتخابات وجد بنيامين نتنياهو لنفسه خصما استراتيجيا جديدا ومفيدا، تركيا. بدأت العداوة بين الدولتين، خاصة بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب اردوغان منذ زمن، ونية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح طائرات اف35 لصديقه في انقرة تثير بالتأكيد المخاوف في القدس. مع ذلك، نتنياهو كعادته مؤخرا يخطو خطوات ابعد.

في يوم الثلاثاء زار رئيس الحكومة القاعدة البحرية في حيفا. وفي المستقبل القريب سنشاهد المزيد من هذه الزيارات من خلال استغلال الجيش الإسرائيلي سياسيا والتحايل على قواعد الانتخابات. وبسبب ضعفه في نظر الرأي العام نتيجة تهربه من المسؤولية عن مذبحة 7 أكتوبر، يسعى نتنياهو بجهد لاستعادة صورة “السيد امن”. وتعتبر الصور التي تجمعه مع كبار ضباط البحرية وجنود في الخدمة النظامية والتجنيد الاجباري بدون اخذ رأيهم، جزء من هذه الحملة.

وقد أوضح المقربون من نتنياهو ان الزيارة كانت بمثابة تحذير لتركيا. وتم الزعم بان الخطر يكمن في سعي تركيا لتقليد ايران في اغلاق مضيق هرمز، وفرض حصار بحري على إسرائيل يلحق الضرر أيضا بامداد الطاقة اليها. وهذا تصعيد متعمد للجبهة مع تضخيم حقيقي في جوهره وايصاله الى ابعاد غير واقعية في هذه المرحلة.

ويقول نتنياهو انه لا يعتبر تركيا عدوة، لكنه يخشى من ان الاتراك يريدون تدميرنا. وقد ذكرني هذا بطريقة معينة بحادثة التوتر المصطنعة مع القاهرة قبل سنتين، عندما بدأ مراسلون من مؤيدي نتنياهو في تاجيج نار الحرب مع الجيش المصري. لم يتضح في تلك القضية، الا بعد فوات الأوان، ان الشرطة تشتبه في ان بعض مستشاري رئيس الحكومة المقربين نشروا معلومات مضللة بشكل متعمد لصالح قطر.

تواجه إسرائيل مشاكل حقيقية مع تركيا. فاردوغان يكره نتنياهو وينظر الى القوة العسكرية لإسرائيل كقوة معادية. وفي نفس الوقت يسعى الى تعزيز هيمنة إقليمية في شرق المتوسط، ويروج لتحالف مع الرئيس السوري احمد الشرع. ومن المرجح ان يعزز الاتراك سيطرتهم على سوريا ويعيدون تجهيز جيشها. وهذا بالتأكيد ليس نبأ مفرح لإسرائيل.

ولا تقل قضية طائرات اف 35 اثارة للقلق. يسعى ترامب الذي تحركه غرائزة ومصالحه، لكنه لا يتصرف عادة حسب خطة استراتيجية منهجية، الى اخراج الصفقة من التجميد. هذا يأتي بعد ان أوقفت الولايات المتحدة تزويد تركيا بالطائرات المتقدمة خلال ولايته الأولى في العام 2019. وقد حدث ذلك عندما اشترى اردوغان صواريخ “اس 400” المتقدمة من روسيا، واعترض البنتاغون وبحق على امتلاك تركيا لافضل ما في التكنولوجيا الجوية الامريكية، وعلى الأنظمة الوحيدة القادرة على اسقاطها.

ما يتم تجاهله هو ان الولايات المتحدة احتفظت منذ ذلك الحين بست طائرات اف35 مخصصة لتركيا في احدى قواعدها الجوية، بل وخصصت 30 مليون دولار لصيانتها. وقد اصدر ترامب تصريحات في الفترة الأخيرة حول نيته تجديد الصفقة كبادرة امتنان لصديقه اردوغان (بل زعم الرئيس ان نظيره التركي بفضل الصداقة بينهما امتنع في اللحظة الأخيرة عن الانضمام الى حرب ايران ضد إسرائيل، وهذا ادعاء يظهر انه مبالغ فيه). واضح ان تركيا ستحصل على اكثر من ست طائرات. وقد عارض نتنياهو الصفقة علنا في مقابلة مع “فوكس نيوز” الامريكية، الامر الذي اثار انتقادات شديدة من قبل ترامب. تبدو فرصة إسرائيل في افشال الصفقة ضئيلة، لا سيما مع تخوف نتنياهو من مواجهة مباشرة مع ترامب. عمليا، يحتاج الامر اغلبية ثلثي الأصوات في الكونغرس لتجاوز حق النقض الرئاسي. ويثور جدل آخر في الإدارة الأمريكية. ففي حالة عدم التوصل الى اتفاق ستسعى تركيا الى شراء احدث الطائرات الروسية، الامر الذي سيزيد تعقيد العلاقات في داخل الناتو.

لن يتم ذكر قمة الناتو في هذا الأسبوع كقمة تظهر براعة الرئيس الأمريكي. فقد ظهر ترامب مرتبك اكثر من العادة، وخلط بين زيلينسكي وبوتين، وبين ايران و”جمهورية اليابان الإسلامية”؛ حيث توسع بالحديث بلا هوادة وظهر كأنه عالق في دوامة لا تنتهي من الشتائم مع قادة الدول الأخرى، سواء كانوا حلفاء أو خصوم. وعندما التقى احمد الشرع الذي دعي للقوة كضيف لاردوغان مع ترامب، اعرب ترامب عن تقديره لنتنياهو، وفي نفس الوقت وبخه لتدخله في صفقة طائرات اف 35، يصعب فهم ما كان يهدف اليه.

ويزداد هذا الامر أهمية فيما يتعلق بايران. ففي منتصف الأسبوع ازداد التوتر في الخليج، الامر الذي دفع ترامب الى تصعيد تهديده للنظام في ظهران. وتسعى ايران التي لا تثق بوعود أمريكا الواردة في مذكرة التفاهم التي وقعت في الشهر الماضي، الى فرض حقوقها الخاصة في مضيق هرمز، بل واطلقت النار على عدد من السفن التي عبرت المضيق رغما عنها القريب من سواحل سلطنة عمان.

ومنذ ذلك الحين تشن الولايات المتحدة هجمات في ايران، التي ردت باطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على عدد من جاراتها في الخليج، باستثناء إسرائيل. امس اطلقت ايران 10 صواريخ على الأردن تم اعتراض 8 منها، وهددت باستمرار اطلاق الصواريخ على القواعد العسكرية الامريكية في المنطقة.

وما زالت الولايات المتحدة تملك أدوات تحت تصرفها. ففي منتصف الأسبوع أعلنت وزارة الخزينة الامريكية في واشنطن الغاء الاعفاء من العقوبات المفروضة على تصدير النفط الإيراني، وهذا احد ابرز إنجازات ايران في مذكرة التفاهم. ويتوقع بالتأكيد حدوث المزيد من السخونة.

مع ذلك، في الوقت الحالي ورغم تصاعد حدة لهجة ترامب، يبقى مشكوك فيه اذا طرأ أي تغيير على نهجه الأساسي، الذي يعارض استئناف الحرب الشاملة في المنطقة. لا بد ان تعود الأطراف الى طاولة المفاوضات في وقت ما بعد اندلاع الحرب. وفي الوقت الحالي تبدو احتمالية انخراط إسرائيل فيها ضئيلة.

اما نتنياهو فيبدو انه يهتم بتاجيج التوتر في كل فرصة تسنح له. ايران تغريه، لكنها تعتمد على ترامب، أما وقف اطلاق النار في لبنان فيتم الحفاظ عليه بدرجة كبيرة بتصميم من الولايات المتحدة. قد يكون الوضع في قطاع غزة مختلف، لذلك تتسرب التكهنات حول حرب وشيكة هناك الى وسائل الاعلام.

يجب على رئيس الأركان، ايال زمير، الذي نجح في وقف اندفاع الحكومة في قطاع غزة قبل سنة تقريبا، عشية صفقة الرهائن الأخيرة في تشرين الأول، اظهار اليقظة في هذه المرة. ولكن رغم لهجة نتنياهو العدائية والواثقة ولحظاته المتوترة أحيانا الا انه ما زال يواجه صعوبة في تجاهل حقيقة واحدة، من المرجح ان تؤثر على حسابات الناخبين في تشرين الأول القادم، وهي أن تجاهل النمو الكبير لقوة حماس وحزب الله حتى حدوث المذبحة، كان في معظمه في فترة ولايته.

حرب ضد الحقيقة

في كلمة القاها في احتفال تخريج في كلية الامن القومي، قال زمير ان الجيش الإسرائيلي على وشك بلوغ الحد الأدنى في حجه في مواجهة التهديدات التي تواجهه. وحذر بالقول: “منذ 7 أكتوبر اصبح الوضع واضح اكثر. يجب علينا توسيع صفوف الجيش الإسرائيلي بشكل كبير حتى يتمكن من تنفيذ كل المهمات الموكلة اليه، تقع المسؤولية علينا جميعا. فالجيش الإسرائيلي مطلوب للجميع. لا يجوز لنا التخلي عن واجبنا في الدفاع عن الدولة”.

هذه التصريحات تستهدف بوضوح الى جهود الائتلاف لاضفاء الشرعية على قانون الاعفاء من الخدمة للحريديين. وتنضم الى سلسلة التحذيرات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي بشان وضع القوة البشرية في الجيش. في الأشهر التي سبقت الحرب تجاهل نتنياهو تحذيرات صريحة من كبار المسؤولين في الجيش والشباك حول اثار الازمة السياسية والقانونية على قوة إسرائيل، كما تنعكس في نظر اعدائها. ان تجاهله الحالي لهذه التحذيرات لا يقل خطرا. تبين ان التمييز المحيط بالاعفاء المعطى للحريديين هو احد القضايا التي تثير غضب جنود الاحتياط، الذين تم استدعاء الكثيرين منهم هذه السنة للخدمة لمدة مئة يوم. في نفس الوقت يتصاعد التوتر في الساحة الداخلية قبل الانتخابات، لا سيما فيما يتعلق بصراع الائتلاف ضد المحكمة العليا والمستشارة القانونية للحكومة، ومسالة الجهة التي ستخضع لها قوات الامن وسلطات انفاذ القانون في حالة اندلاع ازمة قانونية. كان ظهور مثل هذا النزاع سيصدم معظم الإسرائيليين قبل بضع سنوات فقط. في الأيام الأخيرة اصدر المفتش العام للشرطة داني ليفي ورئيس الشباك دافيد زيني تصريحات مطمئنة، خاصة فيما يتعلق باحترام نتائج الانتخابات. ولكن هذه الاقوال المتفائلة سبقتها تصريحات مقلقة لزيني حول ولاءه للقيادة السياسية، وهو ما يضاف الى تأكيد نتنياهو المتكرر على توقع الولاء من رؤساء الأجهزة الأمنية. في ظل هذه الظروف يصعب تهدئة الوضع.

في نفس الوقت يحاول الائتلاف تعزيز روايته التي تهدف الى تبرئة نتنياهو من أي مسؤولية عن التقصير الذي مكن من حدوث المذبحة. في مقابلة في هذا الأسبوع اثار نتنياهو احتمالية ان يكون كبار المسؤولين في الجيش الإسرائيلي وفي الشباك لم يحذروه خشية اتخاذه موقف حازم جدا من حماس. وفي نفس الوقت اقرت الكنيست بالقراءة الأولى بأغلبية أصوات الائتلاف، اقتراح تشكيل لجنة تحقيق سياسية في المذبحة. ولن يتم استكمال هذه الخطوة قبل الانتخابات ولكن هدفها واضح، وهو تأجيل التحقيق الرسمي والمستقل بقدر الإمكان ومنع اجراء تحقيق شامل.

هذا الأسبوع شاهدت قرب بيتي ملصق جديد على سيارة قديمة مكتوب عليه “لن تموت الروك آند رول ابدا”، الى جانب صورة لآخر ضحايا الحرب، وهو شاب لم يكن تجند للجيش في 7 أكتوبر. لا اعرف ما الذي تفكر فيه عائلة الجندي الذي سقط من اجل تحقيق شامل للحرب. ولكن الواضح، استنادا الى لقاءات كثيرة من العائلات الثكلى وسكان بلدات الغلاف، هو مدى الحاحية هذه القضية بالنسبة لكثيرين منهم. وتشير الاستطلاعات الى تأييد اغلبية واضحة لتشكيل لجنة تحقيق رسمية. مع ذلك، تبذل الحكومة جهدها لتجنب ذلك، وهي ستخوض معركة استنزاف لتعويق ذلك حتى الانتخابات. ليس من الغريب ان تكون الأجواء متوترة جدا في أوساط العائلات الثكلى.

——————————————

يديعوت احرونوت 10/7/2026 

أحلام كأس العالم على أكتاف الفراعنة وأسود الأطلس

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 

 في هذه النسخة من كأس العالم، كما هو الحال دائمًا، تُتيح كرة القدم لملايين العرب فرصة للهروب، ولو لفترة وجيزة، من واقع الحروب والصراعات والمعاناة. وقد برزت هذه المرة آمال كبيرة، لا سيما مع تأهل ثمانية منتخبات عربية لكأس العالم (بفضل النظام الجديد الذي يُشارك فيه 48 منتخبًا في المرحلة الأولى)، والشعور بأن الاستثمارات الضخمة التي تُقدمها بعض الدول (خاصة دول الخليج) في هذه الرياضة ستُثمر إنجازات كبيرة. إلا أنه مع دخول ربع النهائي، تبدو نتائج المنتخبات العربية مُتباينة: فهناك إنجازات تُفتخر بها، ولكن أيضًا عدد لا بأس به من الإخفاقات وخيبات الأمل.

تصدرت مصر عناوين الصحف العالمية هذا الأسبوع بعد مباراة مثيرة ضد الأرجنتين، خسرت فيها بنتيجة 3-2 بعد أن كانت متقدمة 2-0 حتى الدقيقة 79. كان تأهل الفراعنة التاريخي إلى دور الـ 16 لحظة فرحة لمصر التي تعاني من ركود اقتصادي واجتماعي مستمر. ولكن، بقدر ما كان الترقب عظيماً، كان السقوط مدوياً، مصحوباً بسيل من الاتهامات بالتحيز لصالح الأرجنتين، بل وحتى سرقة الفوز. فقد صرخ حسام حسن، المدرب المصري وأحد أعظم لاعبي مصر على مر العصور، في نهاية المباراة، معبراً عن صوت مدوٍ في العالم العربي: “كنا الأفضل. حظيت الأرجنتين بدعم كان يهدف إلى إبقائها في البطولة لأسباب تسويقية. إذا كانوا يريدونها أن تفوز إلى هذا الحد، فلماذا يدعون الجميع للمشاركة؟”.

وأعلن الرئيس السيسي أن الفريق جلب الفخر والاعتزاز لمصر، لكن حتى ذلك لم يبدد الشعور بالظلم. فقد علّق كثيرون صورًا لرئيس الفيفا، إنفانتينو، وهو يحتفل بفوز الأرجنتين، كدليل على هذا الادعاء. وفي العالم العربي، يُقدّمون الضغط الذي مارسه ترامب عليه هذا الأسبوع لإلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها لاعب أمريكي بارز، كدليل على أن المباراة “مُباعة”.

وأوضح المعلق الرياضي شادي بشارة، في حديثٍ له يوم الثلاثاء فقال “إن الاحساس بالظلم الذي أعقب المباراة منتشرٌ في جميع أنحاء العالم العربي، ويتجاوز حدود الرياضة.  فمصر تطمح إلى أن تُتخذ صورة القائد للعالم العربي، ورأت في إنجازات كأس العالم مصدر فخرٍ ليس فقط للوطنيين المصريين، بل لجميع العرب. كما أن الخطاب الدائر حول المحسوبية لأسبابٍ تسويقية و”الصفقات المشبوهة” يترافق مع شعورٍ بالصراع بين الحضارات: حضاراتٌ فقيرة تسعى جاهدةً لتحقيق الانتصارات بنزاهة، وأخرى تستخدم رأس المال للتلاعب بالنتائج”.

* * *

في العالم العربي، وخاصة بين الفلسطينيين (وكذلك في إسرائيل)، اكتسب حسام حسن شهرة واسعة بسبب حدث آخر: فبعد فوز مصر على أستراليا وتأهلها إلى دور الـ 16، لفّ نفسه بالعلم الفلسطيني، وفي مؤتمر صحفي صرّح قائلاً: “أهدي هذا الفوز لأهل غزة الكرام. عندما يُساء معاملة كلب، يطالب الناس بمعاقبة المسؤولين، ولكن ماذا عن أولئك الذين يقتلون الأبرياء يومياً بالصواريخ؟ من خلال كرة القدم، التي تُعدّ أعظم قوة ناعمة في العالم، أريد أن أوصل رسالة: دعوا الشعب الفلسطيني يعيش”. وفي نهاية المباراة ضد الأرجنتين، دخل حسام، برفقة شقيقه التوأم إبراهيم، مدير الفريق، في مشادة كلامية محرجة مع مشجع أرجنتيني لوّح بالعلم الإسرائيلي في وجههما، بل وبصق حسام عليه.

من جانبهم، غمر الفلسطينيون حسام والمنتخب المصري بالحب والدعم. وقد بُثّت المباراة ضد الأرجنتين على جماهير غفيرة جلست على أكوام الأنقاض في جميع أنحاء قطاع غزة، وفي مجمعات ضخمة في نابلس وطولكرم. رُفعت الأعلام المصرية ورُفعت صورة ضخمة لحسام في أماكن عديدة، ودوت هتافات الفرح في الشوارع عند كل بوابة مصرية. وتجلى هذا الحدث جليًا أنه في العالم العربي، يستحيل فصل الرياضة عن السياسة، لا سيما عند تناول القضية الفلسطينية. لذا وُصف حسام بأنه صوت ضمير الشعب. يقول الصحفي المصري حازم صلاح الدين: “حسام هو بطل شعبي حقيقي يُعبّر عن صوت الشارع”.

وقال الصحفي المغربي رشيد القمري يوم الثلاثاء: “بعد هزيمة مصر، يحمل المغرب آمال العرب وأفريقيا على عاتقه”. وبالفعل، عاد “أسود الأطلس” مصدر فخر العالم العربي (حيث بلغوا نصف النهائي في عام 2022 وحلّوا في المركز الرابع)، دون أن يتلقوا أي هزيمة. تأهل المنتخب المغربي إلى مباراة ربع النهائي المرتقبة ضد فرنسا (تُكتب هذه السطور قبل المباراة)، في ظلّ ذكريات الاحتلال الاستعماري ووجود لاعبين من أصول مغربية في صفوف المنتخب الفرنسي (إذ وُلد نصف لاعبي المنتخب المغربي خارج البلاد، غالبيتهم في أوروبا). في كأس العالم السابقة، انتهت المباراة بين الفريقين بفوز فرنسا، ما أشعل فتيل احتجاجات من قبل المغاربة في فرنسا وبلجيكا. تُثير إنجازات المغرب حماسًا واسعًا في العالم العربي (بما في ذلك إطلاق نار كثيف في رهط هذا الأسبوع)، وهي تعكس جهودًا دؤوبة على مدى سنوات برعاية الملك محمد السادس، تشمل استثمارات ضخمة في البنية التحتية وتنمية الشباب، وبناء أكاديميات رياضية، بهدف ترسيخ مكانة المغرب كقوة كروية عظمى.

وفي خضمّ ذلك، يستمتع المغاربة بفشل المنتخب الجزائري (“محاربو الصحراء”)، غريمهم التقليدي، الذي فشل في التأهل إلى دور الـ 16 بعد خسارته أمام سويسرا 2-0. “هذا يعكس حقيقة أن كرة القدم الجزائرية تُدار بدون استثمار أو رعاية جيل المستقبل، على عكس ما يحدث في المغرب”، هكذا سخر المعلق الرياضي المغربي سفيان أندجار.

تشعر المنتخبات العربية الخمسة المتبقية التي لم تتجاوز دور المجموعات بالإحباط، بل واليأس. ويتجلى ذلك بوضوح في المنتخب السعودي (“الصقور الخضراء”)، الذي تعادل مع أوروغواي (مفاجأة كأس العالم)، لكنه مُني بهزيمة قاسية 4-0 أمام إسبانيا. وفي خضم هذه الأزمة، ساد القلق من أن المملكة، التي من المفترض أن تستضيف بطولة 2034، ستُظهر قدرات محدودة تُسبب لها إحراجًا وطنيًا. وأوضح تيسير الجاسم، اللاعب البارز السابق في المنتخب: “علينا وضع خطة لكأس العالم وبناء جيل من اللاعبين القادرين على منافسة أقوى منتخبات العالم بكرامة”.

وفي سياق متصل، تفاقم الإحباط نتيجة التباين بين أداء السعودية واستثماراتها الضخمة في هذا القطاع، والتي تُعد جزءًا من رؤيا ولي العهد الأمير محمد بن سلمان 2030، وتتزامن مع مساعي المملكة لترسيخ مكانتها كقوة كروية عظمى، من خلال ضم نجوم عالميين إلى الدوري السعودي، وعلى رأسهم كريستيانو رونالدو. يبدو الإحباط جلياً أيضاً على منتخب الأردن “النشامى”، الذي تأهل لكأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، وتزايدت الآمال بعد اقترابه من الفوز بكأس العرب في كانون الأول الماضي (حيث خسر أمام المغرب)، لكنه عاد إلى الديار بعد ثلاث هزائم مُرّة.

 أما المنتخبات الأخرى، فقد وصفت هذه البطولة بأنها الأسوأ في تاريخها: فقد أنهى منتخب تونس (“نسور قرطاج”) البطولة بثلاث هزائم (بعد أولها، 5-1 أمام السويد، أُقيل مدربهم)؛ بينما ازدادت الآمال على منتخب قطر بعد تعادله مع سويسرا، لكنه استمر في الخسارة أمام كندا والبوسنة، مما أثار تساؤلات حول مدى تطور كرة القدم في البلاد بعد الاستثمارات الضخمة، وعلى رأسها استضافة كأس العالم 2022 بتكلفة بلغت 220 مليار دولار. والعراق (“أسود النهرين – الفرات ودجلة”)، الذي ظهر لأول مرة منذ أربعين عامًا، كان يأمل أن يضخ “مشروع العودة” روحًا إيجابية في أمة ممزقة ومنهكة من سنوات الحرب، لكنه اضطر أيضًا للعودة إلى بغداد بعد ثلاث هزائم متوقعة إلى حد كبير (أمام فرنسا والنرويج بشكل رئيسي).

لا يبدو أن العودة إلى الواقع مهمة صعبة على سكان الشرق الأوسط. ففي ظل الأزمة في المفاوضات مع إيران، والتوترات المستمرة في لبنان وغزة، وتصاعد الأزمة بين إسرائيل وتركيا، وفر كأس العالم هذه المرة استراحة قصيرة ذات تأثير محدود للغاية على المنطقة الدامية.

——————————————

هآرتس 10/7/2026

رئيس “الشاباك” يصرح “أنتمي لنتنياهو”… حين يحدد مصير الدولة لقاء بمقعد سيارة خلفي

بقلم: أسرة التحرير

التخوفات من اختيار دافيد زيني – إنسان بلا تجربة في عمل الاستخبارات، يتبنى فكراً حريدياً – قومياً حتى نتنياهو وصفه بأنه “مسيحاني جداً” – لمنصب رئيس “الشاباك” تتحقق من يوم إلى يوم. ما بدأ بلقاء عاجل في المقعد الخلفي في سيارة نتنياهو في قاعدة “تساليم”، يتبين كقرار محمل بالمصائر للديمقراطية الإسرائيلية. 

لم يعد الحديث يدور فقط عن قرارات تتعلق بمسائل ليست في لباب عمل “الشاباك” – الرسالة التي بعثت بها زوجته للنساء العاملات في “الشاباك”، وإلغاء مناسبات الخلية الفخورة في الجهاز أو تفكيك زاوية تخليد شهداء “الشاباك” في 7 أكتوبر. فقد انكشف هذا الأسبوع بأن زيني يسعى لتحقيق فكره الخاص الذي لا ينسجم مع ما ينتظر ممن يتبوأ منصباً رفيعاً كهذا.

 لقد اختار زيني إلقاء كلمة في مناسبة لمعهد يتماثل مع اليمين المحافظ، أمام جمهوره البيتي، ويحتمل أنه انطلاقاً من إيمان بألا تتسرب أقواله، قال إنه اختير للمنصب بسبب تفوقه على آخرين في أنه “موال للمستوى المنتخب”. بكلمات أخرى، موال لنتنياهو. قوله هذا مقلق جداً، ولا يفترض برئيس جهاز أمني وخصوصاً الشرطة السرية بجملة وسائلها وقواها وقدراتها على استخدام القوة على المواطنين والخاضعين للتحقيق، أن يكون موالياً لأحد. يفترض أن يكون رئيس “الشاباك” موالياً للدولة ولقوانينها.

وقد تجسدت الشهادة لولاء زيني الشخصي هذا الأسبوع حين استسلم لضغط وزراء الليكود ورئيس الوزراء، فأمر بفتح تحقيق ضد “أخبار 12” للكشف عن هوية المسرب لموعد الهجوم في إيران. هذا بخلاف تام مع موقفه، الذي عرض على الوزراء في الماضي وبموجبه لا ينبغي عمل ذلك. هذا خطر واضح وفوري على حرية الصحافة، ودليل إدانة أيضاً على تبعية “الشاباك” لدعاية الليكود.

كل هذا يحصل فيما يتصرف زيني في الجهاز نفسه دون كوابح: يحتقر رؤساء الأقسام المجربين الذين يرأسهم، ويسكت الآراء المعارضة لرأيه ورأي نائبه، ويكبح حارس العتبة الوحيد الذي يمكنه أن يقف أمامه.

حين تكون الشرطة تحت سيطرة بن غفير وحين يرأس “الشاباك” شخص يعلن ولاءه لرئيس الوزراء، فإن طهارة الانتخابات ستكون هي أيضاً في خطر. قوله أمس إن “الشاباك يتبع رئيس لجنة الانتخابات بشكل مباشر – غير مقنع ويبدو كمحاولة لتخفيض مستوى اللهيب. زيني ليس مناسباً لمنصبه. الأشهر القريبة القادمة في زمن الانتخابات، نأمل أن في يتغلب فيها على ولائه الشخصي “للمستوى السياسي”، ويفضل عليه مصلحة الدولة.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article