| الصحافة الاسرائيلي- الملف اليومي
افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
مركز القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) 27/7/2026
إعادة تأهيل خط أنابيب النفط بين العراق وسوريا: تداعيات استراتيجية إقليمية
بقلم: فيتا أبراهاموف
في 17 تموز 2026، وقّعت الحكومتان العراقية والسورية مذكرة تفاهم لاستئناف تشغيل خط أنابيب النفط التاريخي كركوك-بانياس، المتوقف منذ حرب العراق عام 2003. يربط هذا الخط حقول النفط في منطقة كركوك شمال العراق بميناء بانياس على ساحل البحر الأبيض المتوسط في سوريا. يبلغ طول الخط حوالي 800 كيلومتر وقطره حوالي 81 سنتيمترًا، وقد بُني في خمسينيات القرن الماضي بهدف تمكين العراق من تصدير النفط عبر موانئ البحر الأبيض المتوسط، بدلًا من الاعتماد على طرق التصدير عبر الخليج العربي. أُغلق الخط عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين، مما أدى إلى تضرر البنية التحتية للطاقة، وعدم الاستقرار الأمني، وانقطاع خط التصدير عبر سوريا.
يحظى الاتفاق بدعم أمريكي، يتجلى على مستويات متعددة. على الصعيد السياسي، رحّبت وزارة الخارجية الأمريكية رسميًا بمذكرة التفاهم بين العراق وسوريا، وقدّمت مشروع إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس كخطوة ذات أهمية إقليمية لتعزيز أمن الطاقة وتنويع مسارات التصدير. وعلى الصعيد الدبلوماسي، شارك المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، الذي يشغل أيضًا منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا ويُعتبر من المقربين للقيادات التركية العليا، في دعم المحادثات بين الطرفين ووضع الخطوط العريضة للتعاون. أما على الصعيد التجاري، فقد شجّعت الولايات المتحدة مشاركة الشركات الأمريكية في المشروع، وعلى رأسها شركة شيفرون، التي يُتوقع أن تلعب دورًا محوريًا في إعادة تأهيل وتوسيع البنية التحتية لخط الأنابيب. إضافةً إلى ذلك، شجّعت الولايات المتحدة إنشاء تحالف دولي يضم شيفرون، وشركة تي آي كابيتال الأمريكية، وشركة يو سي سي القابضة القطرية، ويتمثل دوره في إعداد دراسات الجدوى الفنية والمالية، ووضع إطار عمل تنفيذي لإعادة تأهيل خط الأنابيب.
بالتزامن مع توقيع الاتفاقية مع سوريا وشركة شيفرون، وقّعت الحكومة العراقية في 17 تموز سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع شركات طاقة غربية بقيمة إجمالية تتجاوز 60 مليار دولار، لتعزيز قدراتها التصديرية. وعلى وجه التحديد، تم توقيع اتفاقيات مع شيفرون وشركة الطاقة الأمريكية كونوكو فيليبس لتطوير حقول نفط جديدة وبنية تحتية لنقل الطاقة في العراق.
أهمية هذه الخطوة
يهدف إعادة تأهيل خط الأنابيب إلى توفير مسار تصدير بديل للنفط العراقي عبر ميناء بانياس على البحر الأبيض المتوسط، مما يقلل الاعتماد على النقل عبر مضيق هرمز. بالنسبة للعراق، يُعزز إنشاء مسار تصدير غربي استقلاليته الاقتصادية ويُوسع خياراته التجارية مع أوروبا والأسواق الدولية، بينما يُتوقع أن تستفيد سوريا من عائدات البنية التحتية للنقل وتعزيز مكانتها الإقليمية.
لقد جاءت هذه الخطوات في ظل الاضطرابات الخطيرة التي شهدتها صادرات النفط العراقية عبر الخليج العربي، منذ إغلاق مضيق هرمز عقب المواجهة العسكرية مع إيران، والتي أبرزت هشاشة نظام الطاقة الإقليمي أمام أي اضطرابات في مضيق هرمز. فمنذ شباط، انخفضت صادرات النفط العراقية (ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك) بنحو 85 في المئة، لتصل إلى حوالي 0.5 مليون برميل يوميًا فقط، نتيجة إغلاق مسار التصدير الرئيسي للبلاد.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا لا يُعد بديلاً كاملاً لصادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز. فقد كانت الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب كركوك-بانياس الأصلي حوالي 300 ألف برميل من النفط يوميًا، ولكن من المتوقع أن تصل الطاقة الاستيعابية للخط المُعاد تأهيله إلى حوالي مليوني برميل (وذلك بشكل رئيسي من خلال إعادة تأهيل البنية التحتية القائمة وربطها بحقول النفط في جنوب العراق). مع ذلك، كانت صادرات النفط العراقي عبر الخليج قبل أزمة هرمز تُقدّر بنحو 3.3 مليون برميل يوميًا. هذا يعني أنه حتى مع بلوغه أقصى طاقته، لن يُوفّر المسار الجديد بديلًا إلا لحوالي 60 في المئة فقط من صادرات النفط العراقي التي كانت تمر عبر المضيق، ولن يُلغي الاعتماد عليه تمامًا.
إضافةً إلى ذلك، لا يُعدّ هذا حلًا فوريًا لانقطاع صادرات النفط العراقي عبر مضيق هرمز. ووفقًا للتقديرات، من المتوقع أن تستغرق عملية إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس حوالي 36 شهرًا من تاريخ بدء العمل، نظرًا للحاجة إلى ترميم أجزاء من خط الأنابيب ومحطات الضخ وأنظمة التحكم التي تضررت على مر السنين. مع ذلك، قد تؤدي التأخيرات السياسية والأمنية والمالية إلى تمديد مدة المشروع.
ومع ذلك، يُمثل الاتفاق حلقةً مهمةً أخرى في جهود مُصدّري النفط في الخليج لتنويع مسارات تصديرهم عبر تطوير طرق بديلة جديدة إلى مضيق هرمز. ويتجلى ذلك في جهود المملكة العربية السعودية (زيادة تدفق النفط عبر خط الأنابيب الشرقي الغربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر) والإمارات العربية المتحدة (زيادة الاعتماد على خط أنابيب حبشان-الفجيرة، الذي يسمح بالتصدير عبر خليج عُمان)، مما عزز مرونة نظام التصدير لديهما في مواجهة أي اضطرابات في المضيق.
ومن الناحية الاستراتيجية، يهدف تنويع مسارات تصدير النفط من منطقة الخليج إلى زيادة مرونة سلاسل الإمداد والحد من قدرة إيران على التأثير في سوق الطاقة العالمية، سواءً من خلال السيطرة على مضيق هرمز أو التهديد به. وفي هذا السياق، يتزايد قلق المجتمع الدولي إزاء تعطيل التجارة البحرية في مضيق باب المندب من قِبل الحوثيين في اليمن، المدعومين من إيران.
الآثار المترتبة على إسرائيل
على الصعيد الإقليمي، لا تقتصر الأهمية الرئيسية لإسرائيل على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تشمل أيضاً الجانب الجيوسياسي.
فمن جهة، قد يكون لإسرائيل مصلحة غير مباشرة في نجاح المشروع، إذ يدعم هدفاً استراتيجياً مشتركاً يتمثل في إضعاف النفوذ الإيراني الإقليمي. يندرج خط الأنابيب ضمن مسعى أمريكي أوسع لتنويع مسارات تصدير الطاقة من الشرق الأوسط وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، مع الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.
ومن جهة أخرى، قد يؤدي تجديد خط أنابيب النفط بين العراق وسوريا إلى تقليص قدرة إسرائيل على أن تكون في المستقبل مركزاً محورياً لتصدير الطاقة من الشرق الأوسط إلى الأسواق الأوروبية. فقد بُذلت على مدى سنوات مبادرات عديدة لتحويله إلى محور لنقل الطاقة يربط دول الخليج والأردن وموانئ البحر الأبيض المتوسط في إسرائيل، بهدف تمكين تصدير الطاقة إلى الأسواق الأوروبية. على سبيل المثال، من خلال الاستفادة من بنية خط أنابيب إيلات-عسقلان (EAPC) وربطه مستقبلاً بشبكات الطاقة في دول الخليج (مع ملاحظة أن بعض هذه المبادرات تتطلب تطورات جيوسياسية، لا سيما تطبيع العلاقات مع السعودية ودول أخرى في المنطقة). لذا، فإن إنشاء مسار تصدير مباشر من العراق إلى ميناء بانياس في سوريا يوفر بديلاً برياً لا يمر عبر الأراضي الإسرائيلية، مما يقلل الحافز الاقتصادي والجيوسياسي لترويج بعض هذه المبادرات.
يأتي هذا في وقت يشكل فيه تحول سوريا إلى دولة عبور رئيسية للطاقة في الشرق الأوسط منافسة إقليمية لطموحات إسرائيل في هذا المجال. ومن المرجح أن تؤدي التدفقات الاستثمارية الدولية الواسعة إلى سوريا، بما يعزز مكانتها الاقتصادية والسياسية، إلى تقليل الأهمية النسبية لمسارات الطاقة البديلة التي تمر عبر إسرائيل، ومنح الأولوية لسوريا كدولة عبور. وفي هذا السياق، يغير المشروع خريطة المنافسة بين ممرات الطاقة الإقليمية، ويزيد من عدد بدائل النقل المتاحة لدول المنطقة والمستهلكين في أوروبا، مما قد يقلل من الميزة النسبية لإسرائيل كمسار عبور محتمل للطاقة.
*فيتا أبراهاموف خبيرة في شؤون الفضاء ما بعد الحقبة السوفيتية، والقضايا الاقتصادية والطاقة في أوراسيا والشرق الأوسط
——————————————
هآرتس/ ذي ماركر 27/7/2026
أزمة البنوك الفلسطينية
بقلم: ميراف ارلوزوروف
كان يجب ان يثير النبأ الذي نشر في هذا الاسبوع في “نيويورك تايمز”، شك كبير. فبعد عنوان “بنوك اسرائيلية تهدد بقطع علاقتها مع الاقتصاد الفلسطيني، الامر الذي يفاقم ازمته”، نشرت “نيويورك تايمز” ان بنك هبوعليم وبنك ديسكونت اعلنا بشكل غير متوقع عن نية قطع علاقتهما البنكية مع 13 بنك في السلطة الفلسطينية. هذا يأتي بعد سنوات كثيرة شكلت فيها هذه البنوك الصلة الوحيدة بين البنوك الفلسطينية والعالم، حيث كان من شأن قطع هذه الخدمات ان يفرض حصار خانق على الاقتصاد الفلسطيني.
وتفسر “نيويورك تايمز” كيف ستتوقف كل الواردات والصادرات الفلسطينية – الغذاء، الوقود، الكهرباء والادوية – نتيجة لذلك. ونقلت الصحيفة بعد ذلك رد وزارة المالية على هذا النبأ، واوضحت بان الوزارة تجري محادثات مع البنكين لايجاد حل مسؤول لهذا الوضع. في الواقع جاء رد وزارة المالية كما يلي: “ترى وزارة المالية اهمية كبيرة لاستمرار العلاقة بين النظام المصرفي في اسرائيل والسلطة الفلسطينية”، وأن توقف هذه الخدمات قد يؤدي الى “عواقب وخيمة على الاستقرار الاقتصادي في المنطقة، بل قد يؤدي ايضا الى زيادة خطر غسيل الاموال وتمويل الارهاب، نتيجة التحول الى قنوات مالية غير خاضعة للرقابة وتعتمد على النقد”.
مع ذلك فان وزارة المالية حرصت في ردها بعد ذلك على القاء كل المسؤولية على البنكين وعلى من يشرف عليهما، الذي يوجد في بنك اسرائيل. وجاء في الفقرة الاخيرة في رد الوزارة: “يجب التاكيد على ان هذا قرار يتعلق بهذين البنكين، ولا يخضع لسلطة أو مصادقة وزارة المالية”.
يعتبر رد وزارة المالية مضلل، لان المسؤولية الرئيسية عن حل الازمة مع البنوك الفلسطيني ملقاة عليها هي نفسها، وليس من مسؤولية بنك هبوعليم وبنك ديسكونت. والاسوأ من ذلك هو ان هذا رد غير مسؤول، لان الوزارة بتحويل المسؤولية عن نفسها والقائها على البنكين تخاطر بمقاطعة دولية. عمليا، هذا الرد يهدد استقرار بنكين من البنوك الخمسة الاكبر في اسرائيل. في الواقع تتهم صحيفة “نيويورك تايمز” نفسها البنكين بفرض حصار اقتصادي على الفلسطينيين، وهذا وصف يدعو الى مقاطعة دولية لهما.
تحتل اسرائيل الاراضي الفلسطينية، وبالتالي، تسيطر على اقتصادها، والشيكل هو العملة الرسمية في السلطة الفلسطينية. وعليه فان كل علاقات البنوك الفلسطينية مع العالم – استيراد وتصدير وكل العلاقات المالية – تمر عبر اسرائيل، بالتحديد عبر بنك ديسكونت وبنك هبوعليم. وبصفتهما الوسيط مع البنوك الفلسطينية فانهما مسؤولين ايضا عن التحقق من سلامة عملياتها والتاكد من ذلك. وهنا تكمن المشكلة، حيث ترفض البنوك الفلسطينية الامتثال لقواعد مكافحة غسيل الاموال وتمويل الارهاب، الامر الذي يعرض بنك هبوعليم وبنك ديسكونت لدعاوى قضائية بسبب النشاطات الفلسطينية التي تمر عبرهما.
حل مؤقت تحول الى دائم
يحظى نظام العلاقات مع البنوك الفلسطينية باهتمام دولي كبير. وتتدخل الحكومة الامريكية والاتحاد الاوروبي بشكل كبير في الازمة الحالية، خشية ان يؤدي قطع الخدمات البنكية الفلسطينية الى انهيار الاقتصاد والسلطة الفلسطينية. هذه قضية حساسة جدا، ولا ترغب البنوك التجارية في اسرائيل في تعريض سمعتها للخطر بسبب هذه التعقيدات.
بسبب ذلك، منذ العام 2015 يطالب بنك هبوعليم وبنك ديسكونت الدولة برفع هذه المسؤولية عنهما. وقد اعلنا دائما عدم الرغبة في استمرار التعاون مع البنوك الفلسطينية، في حين تتوسل اليهما الدولة دائما للاستمرار، لعدم وجود حل آخر.
هكذا ظهرت حلول للمشكلة. الاول هو حل مؤقت يتمثل في اعطاء المحاسب العام في وزارة المالية البنكين ضمانة ضد الدعاوى القضائية. ويهدف هذا الضمان الى اقناعهما بمواصلة التعاون مع البنوك الفلسطينية الى حين ايجاد حل دائم. الثاني، الحل الدائم، يتمثل بانشاء شركة حكومية تتولى ادارة العلاقات مع البنوك الفلسطينية بنفسها.
وقد اتخذ قرار انشاء الشركة الحكومية في العام 2018 في فترة ولاية رئيس الحكومة نتنياهو. وتتخلص الفكرة العامة في ابعاد البنوك التجارية عن الاخطار المترتبة على التعامل مع البنوك الفلسطينية – التي تعرضها من جهة للدعاوى القضائية، ومن جهة اخرى، للمقاطعة الدولية وتقويض استقرارها – وذلك من خلال تحميل وزارة المالية هذه المخاطر.
هكذا ولدت شركة المراسلات التي استثمر فيها المحاسب العام اكثر من 70 مليون شيكل، وهي جاهزة الان للعمل. ولكن التشريع المطلوب لبدء عمل الشركة لم يطرح حتى الان. ويرفض وزير المالية بتسلئيل سموتريتش طرحه لاسباب سياسية بالطبع. لا يرغب سموتريتش في التوقيع على نقل مسؤولية العلاقات المالية الفلسطينية مع العالم الى الحكومة الاسرائيلية.
يجب التاكيد على ان المؤسسة الامنية بكل فروعها تدعم انشاء شركة المراسلات، بسبب الاهمية الكبيرة للحفاظ على النظام البنكي الفلسطيني. لا احد ساذج كي يعتقد انه لا يوجد تمويل ارهابي يمر عبر البنوك الفلسطينية، لكن واضح للجميع ان البدائل اسوأ بكثير. فقطع الخدمات البنكية الفلسطينية سيؤدي الى انهيار السلطة الفلسطينية وانهيار الاقتصاد والتحول الى اقتصاد النقد أو الرقمي، الامر الذي يمكن ان يزيد خطر تمويل الارهاب، كما قالت وزارة المالية في ردها.
اضافة الى ذلك قطع الخدمات البنكية الفلسطينية يعتبر انتهاك لاتفاق اوسلو، وسيعطي السلطة الفلسطينية الدافع لاصدار عملتها المستقلة، وهي ليست الشيكل، وستكون هذه هي الخطوة الاولى نحو الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية المستقلة. باختصار، وزارة المالية محقة في رؤيتها لـ “الاهمية الكبيرة لاستمرار العلاقات بين النظام البنكي في اسرائيل والسلطة الفلسطينية”، وفي خشيتها من ان يؤدي توقف هذه الخدمات الى “عواقب وخيمة على استقرار الاقتصاد في المنطقة، بل وربما زيادة خطر غسل الاموال وتمويل الارهاب”. ومن اجل تحقيق ذلك يجب استقرار النظام البنكي، وهو ما تطلبه البنوك منذ عشر سنوات.
——————————————
هآرتس 27/7/2026
حماية دولية للفلسطينيين
بقلم: آساف بوندي وآدم راز
نشرت صحيفة “هآرتس” (بار بيلغ، 17/7) ان الجيش الاسرائيلي فتح عشرات ملفات التحقيق في موت فلسطينيين من قطاع غزة كانوا في المعتقل. ولم يتم تقديم أي احد للعدالة في معظم هذه التحقيقات، ولا يعرف الجيش هوية المشتبه فيهم أو وقت الوفاة. وكل ذلك في منشآت مغلقة ومسورة ومراقبة بالكاميرات، حيث يسجل الداخلون والخارجون ويخضعون لرقابة مشددة طوال فترة اعتقالهم. هذا ليس خلل أو “فشل بنيوي”. فالنظام الذي يعجز عن معرفة سبب وكيفية موت شخص في عهدته، لا يعتبر نظام تحقيق فاشل، بل هو نظام وظيفته نشر الجهل في اوساط مواطنيه. هم يعرفون انه من الافضل عدم معرفة ما حدث خلف الجدران العالية.
ان مكونات النظام الذي يسمح بارتكاب الجرائم، معروفة. فالجنود أو رجال الشرطة المتورطين ينسقون الشهادات، ويتم وصف شهود العيان الفلسطينيين بالكذب وتختفي الادلة، ويتم فتح التحقيق (هذا اذا تم فتحه اصلا) بشكل متأخر، بحيث ينتهي الى لا شيء، ويتعين على المدعي العام العسكري فقط انتظار الاعلان عن وجود صعوبة في ايجاد ادلة”.
هذه التقنية تميز الانظمة الاجرامية، حيث لم تعد هناك أي حاجة للتصريح بشكل واضح. فمن يصدر الامر يعرف كيف يقول أقل مما يعرف. والمتلقي يعرف كيف يفهم اكثر مما يقال. وقد نشر ينيف كوفوفيتش (“هآرتس”، 16/7): “لا يستطيع القادة التعامل مع جنود الاحتياط”. كتب واضاف “الغمزة كانت كافية. فقد عبرت عن عدم الانضباط، وعن الطريقة التي فيها قيادة رئيس الاركان لا تنجح في اجتياز حدود النظام لتصل الى منطقة القتال. الجنود في الميدان يختارون تجاهل اوامرها، والقادة يتجاهلون الامر حفاظا على الهدوء المصطنع”.
لم يذكر كوفوفيتش نقطة مهمة في هذه العملية. فالجندي المجرم يعرف انه لن يتم استدعاءه للتحقيق معه، والمحقق يعرف انه لا أحد يتوقع منه ايجاد الجاني، والمدعي العسكري يعرف أي قرار سيحسن موقفه وأي قرار سيصفه بالخائن. ومع اتساع نطاق الجرائم التي يرتكبها الجنود في الميدان وازدياد عدد المتواطئين – من قادة ومحققين ومدعين – يصبح انفاذ القانون امر مستحيل من ناحية سياسية ومن ناحية اجتماعية. ولن يكشف فتح الملفات الفساد في “اكثر جيوش العالم اخلاقية”، بل عن بستان كامل نخرته الديدان. وينطبق هذا ايضا على قتل الفلسطينيين على يد المدنيين، أي المستوطنين. هؤلاء يأتون – مثلما فعلوا في نهاية الاسبوع الماضي – من اجل “التجول” في ضواحي القرى الفلسطينية لبث الرعب والفزع في نفوس سكانها، ويتم ذلك برفقة الجيش والتواطؤ بين المستوطنين والعسكريين.
في احلك الانظمة التي اتخذت من القتل اسلوب للحكم، سعت هذه الانظمة في احيان كثيرة الى محاكمة من ارتكبوا جرائم القتل والنهب، في انتهاك لـ “انظمتها” و”قوانينها”، ليس بدافع النزاهة، بل لانه حتى النظام القاتل يسعى الى احتكار الجريمة، لضمان ان يتم القتل بأمر أو وفقا لاهداف وخطط محددة، وليس بمبادرة فردية. اسرائيل 2026، التي شهدت حوالي ثلاث سنوات من الابادة الجماعية في قطاع غزة، تنازلت حتى عن هذا المظهر. لم تعد الجريمة بعيدة عن العدالة فقط، بل باتت يحتفى بها علنا.
اما الاقلية من المجرمين الذين ادينوا في الحقبة السابقة، مثل اليئور ازاريا، فلا حاجة الى العفو عنهم. فكما قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس مؤخرا: “ازاريا هو مقاتل بارز ما زال يدفع الثمن”. لقد دفع الثمن لانه تم توثيقه وهو يرتكب جريمة، وليس بسبب الجريمة نفسها. الان يظهر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وهو يبتسم بتفاخر ويحمل تقرير “حركة السلام الان” حول المذابح في المناطق الفلسطينية وتسريع وتيرة الضم. لقد اصبح الاتهام بمثابة شهادة جدارة، واصبح المجرم قدوة يحتذى بها.
في غضون ذلك يواصل سلاح الجو في قطاع غزة قتل طفل فلسطيني واحد كل يوم بالمتوسط. ولا يتم اجراء أي تحقيق حول هؤلاء الضحايا، وهو تحقيق محكوم عليه بالفشل. فليس هناك حاجة الى ذلك، لان قتل الاطفال لم يعد بالفعل يستحق التحقيق فيه، بل هو اصبح روتين.
ان دولة تجاوزت الخطوط الحمراء التي التزمت بها حتى احلك الانظمة في القرن العشرين، لا تحتاج الى “آلية رقابة” اخرى، بل الى من يوقفها عن تطبيق النظرية العنصرية التي تقوم عليها. وبينما يعلق الكثير من مواطني الدولة الآمال على النظام القضائي، تظهر نظرة واقعية بان النظام القضائي في اسرائيل ليس الا حلقة اخرى في آلة الجريمة التي تسمى دولة اسرائيل. المجتمع الاسرائيلي عاجز، بل ان كثيرين فيه لا يرغبون حتى في وقف ما يحدث.
وقد اثبت التاريخ كيف انتهى الامر: لم يتعافى المجتمع الالماني من تلقاء نفسه، بل بدأ يتعافى فقط بعد الهزيمة والاحتلال الاجنبي، التي اجبرته على تفكيك النظام واجهزته وتقديم بعض مجرميه للعدالة. عندها فقط، ببطء كبير ومؤلم، بدأ المجتمع الذي استبدت به كراهية اليهود في اعادة تعلم معنى القانون والاخلاق. نحن لا نكتب ذلك باستخفاف، لكن لا طريقة اخرى للتعبير عنه: التدخل الاجنبي ضروري، والا سيزداد عدد الضحايا الفلسطينيين بشكل كبير.
——————————————
إسرائيل اليوم 27/7/2026
العاب التفاوض الإيرانية في مسألة هرمز هي مجرد المقدمة للنووي
بقلم: مئير بن شباط رئيس مجلس الامن القومي الاسرائيلي السابق، رئيس معهد مسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية
“… الجواب الأفضل لكل المشاكل التي خلقتها ايران هو تغيير النظام. عندما يحصل هذا سيكون شرق أوسط جديد”، هذه الاقوال التي قالها السناتور الراحل ليندسي غراهام في اثناء حملة “زئير الأسد”، يجدر بها أن تقال في مراسم جنازته حتى وان كان يبدو في هذه اللحظة بان الإدارة الامريكية تعمل في اتجاهات أخرى لحل الازمة مع ايران.
يقلع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الى واشنطن على خلفية الفرصة الإضافية التي يعطيها الرئيس ترامب للمسار السياسي. هذه المرة أيضا اقتراح الوساطة تعمل عليه الباكستان بتشجيع واسناد من الصين، لاجل احياء الاتفاق المرحلي واستئناف المحادثات المباشرة بين الولايات المتحدة وايران. صحيح ان الهجمات الامريكية علقت، لكن الحصار البحري مستمر وهكذا أيضا اضراره الاقتصادية على ايران. في هذه المرحلة لا تزال صخرة الخلاف الأساس هي مضيق هرمز. فالرئيس ترامب لا يمكنه أن يسمح لنفسه بالتنازل عن حرية الملاحة، وبالمقابل لا يمكن للايرانيين أن يتنازلوا عن رافعة الضغط هذه.
ان المناورات التي يتخذها الإيرانيون في مسألة هرمز هي المقدمة لما سيكون في مسائل النووي المعقدة. فدافع القيادة في طهران للحصول على سلاح نووي ازداد في اعقاب الحرب، والاحتمالات في ان تسمح لترامب بالنصر الذي يسعى الى تحقيقه في هذه المسألة، طفيفة.
على هذه الخلفية يفهم البيت الأبيض اكثر من أي وقت مضى اقوال ليندسي غراهام عن الحل الحقيقي، غير ان المخاوف حول فرص تحققه وأثمانه توجه الجهود الى المسار التفاوضي عديم الجدوى.
ان مهمة نتنياهو الأولى ستكون اقناع الرئيس ترامب وفريقه بتقويم الوضع وبانعدام جدوى مسار المفاوضات. فمواقف نائب الرئيس الأمريكي ستضع امامه تحديا غير بسيط. اذا نجح في ذلك، فان استمرار البحث سيعنى بالبدائل الاستراتيجية لمواصلة الحرب.
ينبغي الافتراض بان إسرائيل، في تطلعها لان تتسبب باستبدال النظام تفضل بديل الضغط العسكري والاقتصادي المتواصل على اشتعال محدود في الزمن. وبينما يعمق الضغط المتواصل الازمة الاقتصادية في ايران ويشجع الاضطراب الداخلي، فان الاشتعال المؤقت – حتى لو دمر قدرات أخرى للايرانيين – سيعيد أخيرا العلاقات الى مسار المفاوضات ويسمح بانتعاش النظام.
مع ذلك، ليس مؤكدا أن الرئيس ترامب سيكون مستعدا لان يتحمل الاثمان الاقتصادية لهذا البديل، الذي لا يضمن أيضا جوابا واضحا لمشكلة النووي. في وضع كهذا فان التخوف هو ان يكون من شأن ترامب أن يغويه “اتفاق سيء” – اتفاق يوفر حلولا سطحية او للمدى القصير. عندما يكون الاختيار هو بين اتفاق كهذا وبين اشتعال محدود يخيل ان موقف إسرائيل واضح.
النووي السعودي
ينبغي الافتراض بان نتنياهو سيرحب مرة أخرى ببيان الرئيس ترامب الذي جاء فيه ان الاتفاق النووي الذي وقع بين الولايات المتحدة والسعودية لن يتضمن التخصيب وسيكون “خاضعا لانضمامها الى اتفاقات إبراهيم”. هذا البيان يمكنه أن يهدىء بضع المخاوف التي ثارت في اعقاب المنشورات المسبقة عن الاتفاق بين الدولتين، لكنه يثير التساؤلات أيضا.
أولا، ليس واضحا كيف يستوي مع البند الذي في الاتفاق ويبقي خيار التخصيب في السعودية خاضعا لفحص مشترك للدولتين. على فرض ان في واشنطن سيعرفون كيف يتصدوا لهذا، فالتساؤل الأكبر هو ما هي الحوافز التي للاسرة المالكة في الرياض للانضمام الى اتفاقات إبراهيم، بخاصة في ضوء المقاومة الواسعة التي توجد في الرأي العام السعودي لمثل هذه الخطوة.
ان التطبيع مع السعودية وان كان هدفا هاما لإسرائيل، لكن لا ينبغي أن ندفع عليه اثمانا سياسية أو امنية. فالعلاقة معها يجب أن تكون مصلحة واضحة لكل دولة تبحث عن شريك قوي، ذي عظمة امنية، تكنولوجية واقتصادية.
لا تغويكم سوريا
لا حاجة للتأثر بتصريحات الجولاني عن رغبته في تحقيق اتفاق امنية، يشق الطريق لاتفاق سياسي مع إسرائيل. يمكن الشك فيه في أنه وكيل اردوغان او جهادي يرتدي بدلة؛ لن يكون هذا شكا بالمؤهلات. فمثال عربي ذكي يحذر من ان “الكلام ما عليه جمرك”، كلمات تلقى الى الفضاء ولا تنطوي على دفع جمرك. يجب قياسه وفقا لافعاله على مدى السنين وليس وفق أقواله في فترة حكمه القصيرة.
——————————————
هآرتس 27/7/2026
ترامب يعرف ان نتنياهو يحتاجه في الانتخابات وسيستغل ذلك
بقلم: ليزا روزوفسكي
من المتوقع ان يسافر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو اليوم الى واشنطن في زيارة تستغرق يومين، ومن المقرر ان يلتقي خلالها الرئيس الامريكي دونالد ترامب في الغد، وان يشارك في جنازة السناتور لينتسي غراهام. ويتوقع ان يعقد الاجتماع قبل بضع ساعات من الجنازة، التي يتوقع ان يشارك فيها ترامب ايضا. ومن المقرر ايضا ان يلتقي الرئيس ترامب مع الرئيس الاوكراني فليدمير زيلنسكي في البيت الابيض في نفس اليوم. ويبدو ان ضيق الوقت لن يسمح لترامب ونتنياهو بقضاء وقت طويل معا.
كان من المقرر عقد الاجتماع بين ترامب ونتنياهو في الاسبوع الماضي، لكنه الغي في اللحظة الاخيرة بمبادرة من الامريكيين. افادت مصادر لـ “هآرتس” ان البيت الابيض يتوقع من نتنياهو احراز تقدم في ملف لبنان. ففي الاسبوع الماضي انسحبت اسرائيل من قرية في جنوب لبنان بعد اعلان الولايات المتحدة عن اطلاق عملية تجريبية لدخول الجيش اللبناني الى المنطقة. امس، بعد اشهر من المماطلة، وافق الكابنت على توقيع الاتفاق الذي من المفروض ان يسمح لقوة حفظ السلام الدولية بدخول منطقة محدودة في قطاع غزة وتولي مسؤوليتها الامنية.
يبدو ان هذه بادرة حسن نية من نتنياهو تمهيدا للاجتماع. وقال مصدر مطلع لصحيفة “هآرتس” بان الاجتماع تم ترتيبه بمساعدة آريه لايتستون، كبير مستشاري مجلس السلام والشخص الذي كلفته ادارة ترامب بدفع خطة العشرين نقطة لقطاع غزة قدما. ويعتبر لايتستون، وهو يهودي متدين يعيش في رعنانا، مقرب ايديولوجيا من نتنياهو، وقد تعاون مع السفير الاسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر لترتيب هذا اللقاء.
يتوقع ان يعقد اللقاء بعد اسابيع من توتر العلاقات بين القدس وواشنطن، وسط فشل محاولة اسقاط النظام في ايران، والتصعيد الاخير مع الجمهورية الاسلامية، والجهود الدبلوماسية لكسر الجمود. ونشر براك ربيد في “اكسيوس” ان ترامب تعامل مع نتنياهو بازدراء في مكالمة هاتفية، ووجه اليه اهانات بسبب تصميمه على توسيع الضربات في لبنان.
وقالت مصادر لـ “هآرتس” بان ترامب يعرف حاجة نتنياهو الى دعمه قبل الانتخابات في اسرائيل. وحسب تقييم هذه المصادر فقد عرف الرئيس الامريكي ايضا كيف يستغل اعتماد نتنياهو شبه الكامل عليه. ورغم انه ظهر في الاسابيع الاخيرة ان أي قرار ملزم لدفع خطة ترامب في غزة عالق في مكتب نتنياهو، فان قرار المجلس الوزاري المصغر الذي دفع به قدما الان يشير الى ان رئيس الحكومة يعرف جيدا انه لا يمكنه الذهاب الى البيت الابيض وهو خالي الوفاض.
حسب كل التقارير ما زال نتنياهو يهتم بالدفع قدما بسيناريو عسكري في ايران رغم الاخطار الواضحة، سواء شمل هذا السيناريو مشاركة هامشية للجيش الاسرائيلي في القتال، أو هجوم شرس اكثر لتحقيق الاهداف التي تسعى اسرائيل الى تحقيقها، وفي مقدمتها تدمير المشروع النووي الايراني. مع ذلك وحسب مصدر مطلع، فان القوة التي تعارض هذا السيناريو هي دولة الامارات بالتحديد، التي شهدت علاقتها مع اسرائيل توتر غير مسبوق في حرب آذار ونيسان. وقال المصدر ان دولة الامارات تحاول اقناع الادارة الامريكية بعدم اقحام اسرائيل بشكل فعلي في الصراع.
واشارت مصادر اخرى الى ان دولة الامارات توصلت الى تفاهم مع ايران نتج عنه انخفاض ملحوظ في هجمات ايران ضدها في جولة التصعيد الاخيرة، ناهيك عن تخفيف شدة الخطاب. وتربط هذه المصادر ذلك بلقاء عقد في بداية شهر حزيران بين مسؤولين ايرانيين واماراتيين رفيعي المستوى برئاسة مستشار الامن القومي طحنون بن زايد. وحسب مصدر مطلع فقد غاب سفير الامارات في واشنطن عن لقاء مع احد اعضاء طاقم التفاوض الامريكي مع ايران قبل عشرة ايام.
خلال اللقاء الذي شارك فيه سفراء دول عربية، قال مسؤول امريكي بان شن هجمات محدودة وفرض حصار بحري يمكن ان يؤدي الى تعزيز موقف المعتدلين في النظام الايراني. وحسب هذا المسؤول تنوي الولايات المتحدة التوصل الى اتفاق مع ايران بحلول انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني. وقال مصدر مطلع على تفاصيل اللقاء لـ “هآرتس” بان دول الخليج قدمت مقاربات مختلفة. فقد اتخذت الكويت والبحرين، اللتان تعرضتا مؤخرا لهجمات ايرانية واسعة النطاق، موقف اكثر عدائية، وقامتا بدعم استمرار الهجمات على ايران. في المقابل، تساءل سفير السعودية في واشنطن في اللقاء عن الاهداف الامريكية، واشار الى عدم وجود اتفاق في الولايات المتحدة بشان الحرب ايضا.
ويرى نتنياهو بان مجرد اللقاء مع ترامب هو نجاح، بعد محاولات استمرت لاسابيع من اجل اقناع وسائل الاعلام الامريكية بعدم وجود خلافات بينهما. وحتى كتابة هذه السطور فانه لا يتوقع ان يكون اللقاء مفتوح للغطية الاعلامية، وبالتالي، يجب حماية نتنياهو من الاحراج الذي على الاغلب يرافق تواجده بجانب ترامب في المكتب البيضوي. مع ذلك، يتوقع ان لا يكتفي ترامب بالهدايا الرمزية التي يقدمها نتنياهو في لبنان وقطاع غزة، وان يطالب بخطوات اكثر جدية.
من غير المستبعد ان يطلب من نتنياهو تقديم تضحية كبيرة فيما يتعلق بالمساعدات الامنية الامريكية لاسرائيل، حيث ستنتهي صلاحية الاتفاق الذي ينظمها والذي وقع عليه في ولاية اوباما، في غضون سنتين تقريبا. ورغم ان نتنياهو صرح عن نيته خفض المساعدات، فقد يتعين على البيت الابيض تقديم خطة عملية تمكن ترامب من اظهار نتائج واضحة وسريعة لدافع الضرائب الامريكي المحبط.
——————————————
معاريف 27/7/2026
دولة في العناية المكثفة
بقلم: افرايم غانور
لو كان نصب جهاز تصوير اشعاعي فوق إسرائيل لصدرت صورة حالة رهيبة كل طبيب كان سيقلق منها ويوصي على الفور بترتيب علاجي طارئ وإدخال الى المستشفى. هذه صورة وضع مجنونة، فيها ما يصف بشكل واضح ومقلق حالة دولة إسرائيل في صيف 2026، حين يكون الملايين من مواطنيها يعيشون حالة انعدام للوسيلة، انعدام للمعرفة، انعدام لليقين وبالاساس هم وقلق على ما سيأتي، فيما ان في الجو يحوم السؤال: هل الإيرانيون سيهاجمون؟ اذا كان نعم فمتى؟ وهل ستهاجم إسرائيل ردا على ذلك وهل سنتلقى الصواريخ الفتاكة التي ستتسبب مرة أخرى بالضحايا، الدمار والخراب؟ هل سنمضي هذا الصيف مرة أخرى في الغرف الأمنية، في المناطق المحمية، فيما ان الاعمال التجارية مغلقة، المصانع معطلة والحياة تتوقف. وبالاساس ما يعني الشعب هو متى لهذا الكابوس الرهيب الذي يتواصل منذ ثلاث سنوات ان ينتهي. متى سنعود لنكون شعبا طبيعيا، يعيش حياة طبيعية في دولة طبيعية؟
واضح لكل عين ناظرة بان الدولة غارقة في وضع صعب لم تشهد مثيلا له هنا منذ يوم قيامها. فالشعب منقسم وممزق الى شظايا وقطاعات، الشعب في حالة صدمة قاسية، تلفه كراهية داخلية ترافقها جريمة وعنف متصاعد، مع عشرات المقتولين دون جواب. واقع يثبت ان الامن الداخلي يهدد الحياة بقدر لا يقل عن التهديد الخارجي.
هذه دولة ينتشر جيشها ويتأهب على طول الحدود وهو منهك ومتآكل حتى آخر قواه. جيش يصرخ “النجدة” في الوقت الذي يتجاهل فيه جمهور حريدي غفير، برعاية الحكومة ومؤيديها صرخاته. جيش يحتاج اكثر من أي شيء آخر وعلى عجل الى الراحة، الانتعاش، إعادة التنظيم. في صورة الوضع الناشئة من الصعب تجاهل سلوك الحكومة على مدى السنوات الأخيرة. حكومة قادة الدولة بعدم مسؤولية ان لم نقل باهمال اجرامي، الى واقع قاس يظهر واضحا في هذه الساعات. كل هذا يجري امام عيوننا في الوقت الذي لا يدعها أعداء إسرائيل ولا يعتزمون أن يدعوها للحظة. العكس هو الصحيح، التهديدات تتعاظم ومثلها الكراهية المستشرية في العالم ضد اليهود.
عندما تكون دولة إسرائيل امام استحقاق انتخابات قريبة وعاصفة، ستكون كالزيت على النار المشتعلة، فان الاستنتاج الوحيد الناشيء هو وقف كل شيء والاعلان عن مهلة لاعادة التنظيم، لحساب النفس، لمعالجة كل الأوبئة التي خلقتها هنا الحكومة المنصرفة، كي نعيد هذه الدولة الى سواء العقل ونجلب نماء متجددا. المشكلة هي انه يوجد هنا غير قليلين، ممن هم لاسباب سياسية واضحة يفضلون استمرار القتال حتى تحقيق النصر المطلق، على امل أن ينقذهم هذا من وضعهم السياسي الصعب. في جهاز الصورة الاشعاعية الذي يبث لها صورة الوضع الحالي تلمع الأضواء الحمراء كاشارات تحذير: “رجاء عالجوا على عجل مشاكل الجيش الإسرائيلي، غلاء المعيشة، جهاز التعليم، جهاز الصحة، المجتمع الإسرائيلي”.
كما يبدو، فان المسيح لن يأتي الى هنا قريبا. والخلاص هو الاخر لا يبدو في الأفق. الشرق الأوسط هو بالفعل جديد لكن ليس كما توقعنا. واكثر من أي شيء آخر تعلمنا مؤخرا المرة تلو الأخرى بان ليس لنا من نعتمد عليه غير أنفسنا، لكن كي يحصل هذا، مطلوب شعب موحد، مصمم وشجاع، مستعد لان يضحي بكل شيء كي يبقى على قيد الحياة في وجه أعداء كثيرين ينتظرون اللحظة التي نبدي فيها ضعفا كي يجسدوا حلمهم: إبادة دولة إسرائيل.
——————————————
هآرتس 27/7/2026
في جسر اللنبي الفلسطينيون بلا أب
بقلم: عميره هاس
أليس هناك موضوع آخر للكتابة عنه الا جسر اللنبي، خاصة الان، في ظل ما تشهده الضفة الغربية من تدهور؟. نعم، يجب اعادة النظر في جسر اللنبي (الكرامة) الحدودي الدولي، لان السفر الى الخارج والعودة الى الضفة الغربية ما زال ضرورة حيوية وطبيعية وملحة بالنسبة لمئات آلاف الفلسطينيين سنويا، ولان المحكمة العليا ستنظر في الغد في التماس يطالب بجعل ساعات العمل فيه مشابهة لأي معبر حدودي آخر، لا سيما انه المعبر الوحيد المتاح امام الفلسطينيين. ومن المثير للاهتمام ايضا هوية مقدمي الالتماس: رجال اعمال قرروا التحرك في قضية تهم كل الشعب الفلسطيني، وليس مصالحهم الشخصية فقط.
يجب الكتابة عن هذا المعبر حتى في ظل الاشتعال في الضفة الغربية، لان الجهة التي تشغله هي سلطة المطارات الاسرائيلية، التي قلصت ساعات العمل فيه لاسباب امنية مختلفة. فلا يسمح للمسافرين بدخول قاعة المعبر الا بين الساعة الثامنة صباحا والساعة الواحدة والنصف ظهرا. وتتولى فرق الامن (المراقبون على الحدود والجمارك وما شابه) أمر من حالفهم الحظ بالدخول، ويتم اغلاق المعبر في يوم السبت، بعد ان كان مفتوح في السابق حتى منتصف الليل أو الساعة العاشرة مساء. ويحد تقليص ساعات العمل من عدد القادمين والمغادرين كل يوم، الامر الذي يسبب ازدحام شديد في الخارج ووقت انتظار متعب. وقد شجع هذا الازدحام والانتظار على تجارة ابتزاز الاموال من المسافرين.
ومع ضعف السلطة الفلسطينية وم.ت.ف سياسية واقتصاديا، وتراجع مكانتها الى المستوى الادنى، يظهر دور القطاع الخاص. “نحن كفلسطينيين لا نملك الان أب”، هكذا عبر نصار نصار، وهو صاحب المحاجر في الضفة الغربية والاردن وسلطنة عمان، ببساطة. “بسبب ذلك نحن قمنا بتبني هذه المشكلة”. مشكلة معبر حدودي دولي تحول الى رحلة آلام.
لم يرث نصار اعماله بل هو بناها بنفسه. يعيش في بيت في بيت جالا ولكنه ولد في العام 1961 في يطا. وحسب شهادته فقد تعلم حتى الصف السادس وبعد ذلك عمل مع والده كعامل في المحاجر، وهكذا تعلم معرفة المواد والاسواق والمستهلكين. ويقول انه يصدر الان الحجارة والرخام الى 76 دولة. وهو رئيس مجلس تنسيق قطاع الاعمال الفلسطيني، وبمبادرة منه قدم المجلس التماس للمحكمة العليا من اجل فتح المعبر 24 ساعة، أو على الاقل مثلما كان في السابق.
ورغم ان جسر اللنبي، الكرامة، يشمل قسم لعبور البضائع، الا ان الالتماس، الذي قدمه المحامي شلومو مناحيم من مكتب بيت شيمش للمحاماة، لا يركز على العقبات التي تعترض التصدير الفلسطيني. كان القطاع التجاري الفلسطيني يعتمد بشكل كبير بعد اتفاق اوسلو على توسيع النشاطات الانتاجية وتسويق المنتجات للخارج، لا سيما من الحدود الشرقية. ويقول نصار: “اسواقنا الطبيعية في دول عربية مختلفة، ولكن الطلب من قبل هذه الدول تراجع بشكل كبير مع مرور السنين لان الشحنات كانت تتاخر في كل مرة لاسباب خارجة عن ارادة المنتجين”. قبل حرب غزة لم تكن تغادر جسر اللنبي كل يوم الا 30 شاحنة محملة بالمنتجات الفلسطينية، بينما كان يدخل من الاردن 500 شاحنة محملة بالبضائع المستوردة. وحتى مع ذلك كان الفرق يظهر تبدد الامال. وحسب نصار فانه يوجد الان 13 شاحنة فقط تصدر المنتجات و200 شاحنة تستورد البضائع.
اذا كان الوضع قابل للاصلاح فان هذا سيستغرق عدة سنوات. لذلك، ما يثير القلق في الوقت الحالي هو حركة المسافرين من والى الضفة الغربية. ولا يتحدث نصار عن نفسه. فهو ينتمي لشريحة ضيقة جدا من رجال الاعمال غير المرتبطين بجسر اللنبي. ولكن عندما يتحدث عن هذه الصناعة – الابتزاز الذي تفشى – يغضب وكأنه تضرر هو شخصيا منها.
ويقول نصار ان التعريف الساخر لهذه الصناعة هو “خدمة كبار الشخصيات”، ولا وجود لكبار الشخصيات فيها الا بالاسم. ثلاث شركات مجهولة – واحدة بملكية شخص اردني والثانية بملكية فلسطيني والثانية بملكية اسرائيلي – تقدم ثلاثة انواع من الخدمة، ولا يوجد فرق كبير بينها الا في الاسعار – 120، 138 و180 دولار، هذا اضافة الى رسوم السفر الثابتة التي تبلغ 178 شيكل. وغير معروف اذا كانت هذه الشركات تنسق فيما بينها وكيف. ومع تقليص ساعات العمل زادت شهيتها وظهر المزيد من المقاولين الفرعيين بحثا عن الزبائن، وازدادت سيارات الاجرة التابعة لها.
من يدفعون يتجاوزون طابور الناس العاديين الذين يجبرون على التجمع لساعات، واحيانا يبيتون خارج المجمع. يحصل من يدفعون على معاملة اسرع في المعبر، ويقطعون مسافة 2 كم بين القاعتين في سيارة اجرة منفصلة. في المقابل، ينظر اليهم الناس من الحافلات العادية التي تجبر على التوقف والانتظار لساعات طويلة في منتصف الطريق القصيرة، حسب تعليمات افراد الامن الاسرائيليين. مستخدمو خدمة كبار الشخصيات ليسوا من كبار الشخصيات، بل هم اشخاص عاديين تماما، لكن رحلتهم ضرورية جدا لسبب ما. وهكذا قد تصل تكلفة رحلة لعائلة تتكون من ستة افراد الى ألف دولار في مسافة 71 كم فقط.
ويقول المحامي مناحيم في الالتماس الذي قدمه: “مثلما هي الحال في أي مكان يعاني من نقص العرض وارتفاع الطلب، يعرض اصحاب المصالح ومن لديهم مصلحة اقتصادية واضحة، سد هذه الفجوة باسعار باهظة تفرض على الركاب. الوضع الحالي ليس غير قانوني فقط ولا يفيد أي احد، بل هو يسبب ايضا احباط كبير في اوساط السكان ويفاقم الوضع الذي هو صعب اصلا”.
——————————————
يديعوت احرونوت 27/7/2026
الحكومة تقود إلى انتفاضة
بقلم: ناحوم برنياع
لا أدري إن كانت أحداث نهاية الأسبوع في الضفة الغربية مجرد شرارة يمكن احتواؤها أم أنها الشرارة الأولى للانتفاضة الثالثة. المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ليست بارعة في التنبؤ بالانتفاضات: فقد رفضت بغطرسة رؤية الانتفاضة الأولى عام 1987. ذهب الكاتب دافيد غروسمان إلى الميدان، ورأى وحذر في سلسلة مقالاته “الزمن الأصفر”، لكن القيادات السياسية والجيش الإسرائيلي فضّلوا غض الطرف. كان الجيش مستعدًا للانتفاضة الثانية عام 2000، لكن الاستعدادات لم تُجدِ نفعًا يُذكر في ظل موجة إرهاب يومية اجتاحت البلاد.
أما الانتفاضة الثالثة، إن اندلعت، فستكون مختلفة عن سابقتيها: ستكون الأولى التي تنطلق بمبادرة من الحكومة الإسرائيلية ووفقًا لرؤيتها. غالبًا ما تُتهم الحكومة الحالية بانعدام المبادرة، والجمود الفكري، والعجز عن التنفيذ. أما بالنسبة للعرب، فهذه تهمة باطلة. لقد كانت الحكومة الإسرائيلية هي من أشعلت فتيل عودة حزب الله في لبنان. لقد استدرجناهم، وأوقعناهم في فخ، والآن سنقضي عليهم نهائيًا، هكذا تباهى الوزراء. كانت هذه إشارة البدء لهجوم الحوامات المسيّرة الذي أعاد الأمن إلى حزب الله، وتسبب في مقتل مقاتلينا دون مبرر، وأثار قلق سكان الشمال مجددًا، وأدى إلى إصدار أوامر تقييدية من ترامب ونائبه فانس.
لستُ متأكدًا مما إذا كان ترامب يُدرك ما يقوله في يوم حميد، ولكن لا سبيل لتفسير كلماته إلا على النحو التالي: إما أن تُنفّذوا ما يطلبه الرئيس اللبناني، أو سأدخل في علاقة عاطفية عاصفة مع حزب الله. هذه هي الصورة الكاملة. قلبي يفيض احترامًا لكل مقاتل يقضي على إرهابي من حزب الله أو يكشف نفقًا سريًا، لكن الحسم لم يكن ولن يكون بأيديهم. سيدركون ذلك يومًا ما.
الضربة في لبنان لا تُقارن بما يحدث في الضفة الغربية. فبعد اشتباكات نهاية الأسبوع الماضي، سادت ثلاث روايات في إسرائيل: الأولى، أن نزهة مدنية بريئة لمُحبي أرض إسرائيل قد أُفسدت بهجوم دموي؛ والثانية، الرواية العسكرية، أن غارة شنّها مستوطنون دون تنسيق مع الجيش واجهت تجمعًا فلسطينيًا عنيفًا؛ والثالثة، أن مجموعة من الخارجين عن القانون اليهود اقتحموا قرية فلسطينية ووقعوا في مشكلة.
كل رواية من هذه الروايات تُروى مصحوبة بطلب عملي. يقول يوسي داغان، رئيس المجلس الإقليمي ومأمور يهودا والسامرة، إنه يجب تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق فورًا لإخراج السلطة الفلسطينية وفرض الواقع على الأرض. ويقول اسرائيل كاتس، وزير الدفاع، إنه يجب إنشاء مزرعة على كل تلة. ويقول يئير غولان وبقية المتحدثين باسم المعارضة إنه يجب وضع مثيري الشغب اليهود رهن الاعتقال الإداري.
يتبنى كل طرف في النقاش اليهودي الداخلي روايته الخاصة. كل طرف يروي لنفسه قصة، وهي في أحسن الأحوال ليست صحيحة تمامًا. وهذا ملائم. أقترح رواية رابعة: ليست نزهة بريئة ولا هجومًا إرهابيًا، وليست غارة غير منسقة ولا عصابة خارجة عن القانون. المواجهة قرب حفات جلعاد هي معلم من بين معالم كثيرة، فصل في الرؤية التي تبنتها الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهي في الواقع رؤية دينية وأيديولوجية وسياسية وعسكرية. المتنزهون، مثل مثيري الشغب في القرى، هم مبعوثو الحكومة. تُوفر لهم الحكومة احتياجاتهم، وتحميهم من العقاب، وتُبعد عنهم الجيش وجهاز الأمن العام (الشاباك)، وتُغدق عليهم المديح. إنهم جيش الخلاص.
الخطة مُعقدة: فهي تُحوّل البؤر الاستيطانية غير القانونية إلى مزارع غير قانونية تُصبح قانونية بقرار حكومي. هذه المزارع، بمساعدة الجيش، تُسلب المزارعين المحليين مصادر رزقهم. أعمال الشغب جزء من هذا التوجه: فهي تُجبرهم على الفرار إلى المدن، حيث سيُصبحون بلا مأوى. ستكون عملية ترحيل جماعي إلى الشرق هي الخطوة التالية. بإذن الله، ستكون هناك حرب، ونهاية العالم، وبعدها مجيء المسيح.
كل هذه الأمور قيلت علنًا، من قِبل سموتريتش، وزير الضفة الغربية في حكومة نتنياهو، ومن قِبل آخرين. هناك من يزرعون الريح على أمل أن يحصدوا عاصفة. ما يثير الغضب هو أن الجيش الإسرائيلي، صاحب السيادة الشرعية في الأراضي المحتلة، يدفن رأسه في الرمال: فالحكومة تتخذ خطوة تاريخية، بينما تتستر قيادة المنطقة الوسطى على نفسها بالحديث عن حوادث معزولة، كل منها مأساة بحد ذاتها. في نظر قادة الجيش الإسرائيلي، لا يملك سوى الطرف الآخر، الطرف العربي، رؤية واضحة (وهي كذلك بالفعل، ولا تقل دموية وفتكًا عن رؤية الحكومة الحالية).
إذا ما تحولت جولة العنف في نهاية الأسبوع إلى انتفاضة ثالثة، فلن يُعفى الجيش الإسرائيلي من مسؤولية إراقة الدماء. مهمة القائد هي حماية الإسرائيليين المقيمين في المنطقة (ج)، لكن لديه مهمة أسبق، متجذرة في قوانين البلاد والقانون الدولي: أن يكون صاحب السيادة، وأن يفرض حكمه على المنطقة، وأن يضمن أمن جميع السكان. هذا واجبه العسكري والقيادي والقانوني، هذه وظيفته – سواء ارتدى الكيباه المحبوكة أم لا. واجبه القانوني يعلو على أوامر الوزراء وأحلام الحاخامات. آراؤه السياسية، إن وجدت، لا قيمة لها، وكذلك مشاعره. لم يتبقَّ للقائد آفي بلوط سوى بضعة أشهر قبل تقاعده المقرر في نهاية العام. هذا هو الوقت المناسب له ليعود إلى رشده.
——————————————
يديعوت احرونوت 27/7/2026
يلعبون بالنار في الضفة الغربية
بقلم: يوسي يهوشع
تشهد الضفة الغربية حالة من التوتر الأمني والعملياتي غير المسبوق. في رأيي، إن احتمالية وقوع انفجار كبير اليوم أعلى من احتمالية عودة القتال مع إيران، ليس لأن الإرهاب الفلسطيني قد عاد بالضرورة إلى مستويات السنوات الماضية، بل لأن اجتماع الواقع الأمني، والتغيير الجذري في خريطة الاستيطان، ونقص القوات، واحتمالية اندلاع دوامة من الانتقام بين اليهود والفلسطينيين، يُشكل مادة متفجرة يصعب السيطرة عليها.
لقد وقع هجوم إطلاق نار خطير على مشارف قرية تل، أسفر عن إصابة أحد أعضاء فريق التأهب في “حفات جلعاد”، الرقيب (احتياط) بنياهو ميلات، وقائد بطارية المدفعية، الرائد يوفال عزرا، الشرارة التي أشعلت فتيل الأزمة. ففي غضون ساعات، تحولت المنطقة من صراع ضد الإرهاب الفلسطيني إلى خوف من حرب شاملة: سلسلة من الهجمات الإرهابية اليهودية وعمليات “دفع الثمن”، وإحراق المساجد والمركبات، وكتابة عبارة “ثأر بنياهو” على جدران قرية قصرة.
هذا هو السيناريو الذي تخشاه المؤسسة الأمنية: ليس هجومًا آخر واعتقالًا آخر، بل حلقة مفرغة من الانتقام. هجوم يؤدي إلى عملية دفع الثمن، والتي بدورها تؤدي إلى هجوم آخر، لا قدر الله. بمجرد أن تبدأ هذه الآلية بالعمل، يصعب إيقافها.
يدرك الجيش الإسرائيلي هذا الأمر جيدًا، ولذا فهو يحاول تهدئة الوضع في المنطقة. 26 كتيبة – وهو عدد غير مسبوق – نصفها تقريبًا من القوات النظامية، تتواجد حاليًا في الضفة الغربية. منعت لقيادة المنطقة العمال الفلسطينيين من دخول المستوطنات، باستثناء المناطق الصناعية، بهدف الفصل بينها وتقليل الاحتكاك. وفي الوقت نفسه، أكملت قوات لواء السامرة إغلاق منزل منفذ الهجوم في كفر تل، تمهيداً لهدمه.
لا مجال للتنفس
لكن هنا تحديداً تبدأ المشكلة الأكبر: لمنع اندلاع حرب في الضفة الغربية، نحتاج إلى قوة. قوة هائلة. والجيش الإسرائيلي حالياً في وضعٍ تُفتح فيه جميع الجبهات تقريباً – غزة، لبنان، سوريا، والضفة الغربية. أما من يغادرون للاستراحة، فيتم نقلهم إلى مواقع أخرى. لا مجال للتنفس تقريباً.
في نهاية الأسبوع، اضطر الجيش إلى سحب سرايا من مرحلة التدريب في لواءي الكوماندوز وكفير لتعزيز الجبهة. هذا قرار مفهوم في ظل الظروف الطارئة، ولكنه يُظهر التكلفة التراكمية للحرب الطويلة: فالجيش يستخدم قواتٍ كان من المفترض أن تتدرب وتتُحسّن وتُجهّز للحرب القادمة لسدّ الثغرات العملياتية هنا والآن.
ولم يعد الأمر مجرد مسألة قوى بشرية، بل أصبح مسألة بناء قوة. بالكاد يستطيع الجيش الإسرائيلي التدرب بالقدر المطلوب، لانشغاله الدائم بتوفير الكوادر للجبهات. في النهاية، قد يجد الجيش نفسه أمام عدد كبير من المقاتلين يُنفّذون مهامًا، ولكن بوحداتٍ أقل فأقل تُمنح الوقت الكافي للاستعداد لها.
ويدخل في هذه المعادلة أكبر تغيير شهدته المنطقة في السنوات الأخيرة: التوسع العمراني. فخريطة يهودا والسامرة تتغير بشكل جذري. فقد تمت الموافقة على إنشاء 80 مستوطنة، بُني منها 34 بالفعل. إلى جانب ذلك، أُنشئ أكثر من 100 مزرعة رعوية وعدد مماثل من البؤر الاستيطانية، بعضها يخضع حاليًا لإجراءات التسوية. ما بدأ كمبادرة من “رجال وحيدون على الجبل” تحوّل إلى حركة واسعة النطاق تُغيّر الخريطة الجغرافية والمساحة التي يتعين على إسرائيل حماية مواطنيها فيها. ومن المهم الفهم أن كل مستوطنة جديدة ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل تتطلب حماية. فهي تُنشئ طرقًا للتنقل، ونقاط احتكاك، ومهامًا أمنية، وروتينًا دفاعيًا. ومع توسع الأراضي الإسرائيلية، تتسع المساحة التي يتعين على الجيش الإسرائيلي حمايتها.
لذا، فإن النقاش حول يهودا والسامرة ليس سياسيًا فحسب، بل له أيضًا أهمية عسكرية مباشرة. فعندما يُطلب من الجيش الإسرائيلي حماية مساحة أكبر، في خضم حرب متعددة الجبهات، ومعاناته من نقص في القوى البشرية، لا يقتصر السؤال على عدد الكتائب التي يمتلكها، بل على عدد المهام التي يمكن تكليفها بها قبل أن تُستنزف.
ومن هنا يبرز احد أكثر الأرقام إثارة للقلق في الوضع الراهن: فإلى جانب التراجع الحاد في نطاق الإرهاب الفلسطيني، شهدت جرائم القوميين اليهود ارتفاعًا ملحوظًا. ووفقًا لبيانات المؤسسة الأمنية ولواء “شاي” الشرطي، سُجِّلَت 660 حادثة من الجرائم القومية في النصف الأول من العام 2026، بزيادة قدرها 63 في المئة مقارنةً بالنصف الثاني من العام 2025، حيث سُجِّلَت 405 حوادث. كما ازدادت حدة هذه الحوادث: فقد قُتل ستة فلسطينيين وأُصيب 140 آخرون في النصف الأول من العام، مقارنةً بصفر وفيات و82 إصابة في النصف السابق. وفي الوقت نفسه، سُجِّلَت 45 حادثة اعتداء متعمد على جنود الجيش الإسرائيلي وعناصر شرطة حرس الحدود من قِبَل نشطاء اليمين المتطرف. هذه هي المفارقة الأمنية في الضفة الغربية: ففي الوقت الذي يتراجع فيه الإرهاب الفلسطيني، تتصاعد جرائم القوميين اليهود. وبدلاً من أن يُسهم انخفاض الإرهاب في تخفيف حدة التوترات، ينشأ نوعٌ آخر من التهديد، قد يُشعل فتيل الصراع في المنطقة من الداخل ويُؤدي إلى دوامة من الانتقام.
نقطة الاشتعال التالية
من جهة أخرى، لا يُمكن إغفال الجانب الآخر من المعادلة. فمنذ بداية العام، قُتل ثلاثة إسرائيليين في هجمات إرهابية في الضفة الغربية. وفي العام 2025، بلغ عدد القتلى 21 إسرائيليًا، وفي العام 2024، تجاوز العدد 30.
بمعنى آخر، هناك انخفاض في عدد القتلى، لكن هذا لا يعني أن المنطقة قد هدأت. بل على العكس: لا يزال التوتر قائمًا، والتحريض مستمرًا، وقدرة أي حدث على إشعال فتيل صراع واسع النطاق قائمةٌ بقوة.
يُضاف إلى ذلك القلق الأمني إزاء تسليح عشرات “لجان الحراسة” الفلسطينية المحلية، التي قد تتحول من عنصر دفاعي محلي إلى عنصر مسلح ذي تأثير كبير، مما يُغير ديناميكيات الصراع ويجعل المنطقة أكثر تعقيدًا من الناحية العملياتية.
وفي خضم كل هذا، فإن الادعاء بأن المشكلة تكمن في انعدام الهجومية لدى قادة الجيش الإسرائيلي ليس ادعاءً جديًا في رأيي. فعلى رأس المنظومة حاليًا قائد المنطقة الوسطى، اللواء آفي بلوط، خريج أكاديمية مستوطنة عاليه العسكرية، وقائد فرقة يهودا والسامرة، العميد كوبي هيلر، الذي نشأ في كارني شومرون، ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)، دافيد زيني. من الصعب الادعاء بأن هؤلاء يجهلون الواقع أو لا يدركون ضرورة التحرك الحازم ضد الإرهاب.
وإذا كان هؤلاء المسؤولون الثلاثة الكبار – المطلعون جيدًا على الاستيطان والمنطقة والتهديدات – لا يدركون خطر أحداث 7 أكتوبر في يهودا والسامرة، كما تدعي بعض العناصر اليمينية، فمن إذن سيدركه؟ ولأنهم على دراية تامة بالمنطقة، تقع على عاتقهم مسؤولية رصد المؤشرات المبكرة، والتحرك بحزم ضد الإرهاب الفلسطيني، ومنع أي تدهور قد يؤدي إلى دوامة من الانتقام وتصعيد واسع النطاق.
لكن المشكلة أكثر تعقيدًا: فالجيش الإسرائيلي مُطالب بمحاربة الإرهاب الفلسطيني، ومنع الإرهاب اليهودي، وحماية المستوطنات المتنامية، وتجنب دوامة انتقامية قد تُشعل الشارع الفلسطيني – وكل ذلك باستخدام حجم قوات الأمن نفسه، تقريبًا. لذا، فإن وجود 26 كتيبة في الضفة الغربية، نصفها من القوات النظامية، ليس مجرد رقم مُلفت، بل هو أيضًا مؤشر تحذيري. فالجيش مُضطر لاستخدام قوات التدريب لسدّ الثغرات، ما يعني أن النظام مُعرّضٌ بالفعل لوضعٍ يكون فيه أي تعزيز في قطاعٍ ما على حساب قطاعٍ آخر.
المفارقة أن الضفة الغربية قد لا تكون حاليًا ساحة سقوط أكبر عدد من القتلى الإسرائيليين، لكنها قد تكون بالتأكيد ساحة اندلاع المواجهة القادمة. الخطر ليس بالضرورة هجومًا آخر، بل هو مزيج من الهجوم، والانتقام، والتوسع الاستيطاني، والاحتكاكات اليومية، وتراكم الأسلحة لدى الجانبين، ونقص القوات القادرة على الفصل بينهما.
في الشرق الأوسط، أحيانًا تبدأ حربٌ كبيرة بحادثة صغيرة. في يهودا والسامرة، يتمثل التحدي الذي يواجه الجيش الإسرائيلي في التأكد من أن عود الثقاب القادم لن يلتقي أبخرة الوقود الموجودة بالفعل على الأرض.
—————-انتهت النشرة—————–

