| الصحافة الاسرائيلية – الملف اليومي
افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
يديعوت احرونوت 3/8/2026
إسرائيل أصبحت جريرة للولايات المتحدة
بقلم: رون بن يشاي المحلل العسكري لصحيفة يديعوت احرونوت
من الشائع، وهذا صحيح، القول بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يمكن التنبؤ بتصرفاته. لكن قراره ليلة الأحد بالتراجع عن نيته المعلنة شن هجوم قوي على إيران لا ينبغي أن يكون مفاجئًا. كانت الأمور واضحة تمامًا: أولًا، لأن ترامب استحق بجدارة لقب “تاكو” (اختصار لعبارة “ترامب دائمًا يتراجع”) كلقب ساخر لضعف الرئيس، تمامًا مثل طبق التاكو المكسيكي الطري، أي أن ترامب يتراجع دائمًا في أي لحظة.
صاغ معلق اقتصادي أمريكي مصطلح “تاكو” أواخر العام الماضي لوصف استراتيجية ترامب التفاوضية، حيث يطلق تهديدات حادة ثم يتراجع عندما يحصل على ما يريد أو جزء منه، حتى عندما يرفض الشركاء على طاولة المفاوضات مطالبه رفضًا قاطعًا. وقد تجلى ذلك في قضية التعريفات الجمركية الدولية، وقضية غرينلاند، والحرب مع إيران. أحصيتُ ست مرات على الأقل هدد فيها ترامب “بإعادة الإيرانيين إلى العصر الحجري” ولم يفعل شيئًا في النهاية، أو أمر الجيش الأمريكي بالقيام بعمل رمزي.
تُعرف هذه الاستراتيجية التفاوضية بـ”السير على الحافة”، وقد جعلها ترامب الأداة الرئيسية لسياسته. تكمن المشكلة في أن السير على الحافة يتطلب دقةً وحذرًا حتى لا ترتد التهديدات على مُطلقها وتُلحق الضرر بسمعته وقدرته على الردع. ترامب لا يُجيد السير على الحافة، ودائمًا ما يُبالغ، وأول من يُدرك خداعه هم تجار السوق الإيرانيون الذين يُدركون جيدًا فن التفاوض والسير على الحافة، وهم على استعداد للمخاطرة والتعرض للضرب إذا أخطأوا في تقديراتهم.
لقد رُصد النمط المُتكرر في سلوك ترامب في طهران، وهو يُسبب الآن ضررًا، وذلك لأن الشعب الإيراني والمفاوضين تعلموا أيضًا كيفية إيقاف الرئيس ذي الشعر الأحمر عندما يُحاول. يكفي أن يُعطي الوسطاء الباكستانيين تلميحاتٍ غامضة حول استعداده للتفاوض حتى تُستبدل التهديدات من واشنطن بتغريدة تصالحية على حساب الرئيس الأمريكي على مواقع التواصل الاجتماعي.
لم يهاجم ترامب إيران هذه المرة، لأنه على الأرجح لم يكن ينوي مهاجمة منشآت الطاقة الإيرانية، وذلك لثلاثة أسباب معروفة: فهو لا يريد إحداث أزمة اقتصادية عالمية، بل إن أعضاءً من حزبه يتهمونه بالفعل بالتسبب في ركود عالمي مماثل لما حدث خلال “الكساد الكبير” في ثلاثينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة، حين أُلقي اللوم على الرئيس الجمهوري هربرت هوفر؛ كما أنه لا يريد ارتفاع أسعار الطاقة الأمريكية عشية انتخابات التجديد النصفي، الأمر الذي قد يتسبب في فقدان الجمهوريين لأغلبيتهم في مجلسي الكونغرس؛ والسبب الرئيسي هو دول الخليج العربي، التي حوّلها الإيرانيون إلى رهائن ويهددون منشآتها الطاقية، والتي توسلت إليه ألا يُقدم على أي خطوة متهورة. كل هذا بينما يدّعي ترامب نفسه أن المكالمة الهاتفية التي تلقاها من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يوم الجمعة كانت من بين العوامل التي أقنعته. وبهذا، أكد ترامب فعلياً سمة أخرى من سمات شخصيته، وهي أن من يؤثر فيه هو آخر من يهمس في أذنه.
لقد كانت كل هذه الحقائق معروفة حتى قبل أن يقرر ترامب التراجع عن تصريحاته العدائية، وكان الإيرانيون على دراية بأمر آخر: فبينما كان ترامب يهدد بشدة بمهاجمة البنية التحتية في إيران، كان رجاله يتفاوضون مع الإيرانيين عبر وسطاء باكستانيين. أدرك هؤلاء أن الأمر ليس سوى تكتيك تفاوضي، ولكن تحسبًا لأي طارئ، ردوا بتهديدات مماثلة. باختصار، لم ينجح هذا المسعى مع الإيرانيين. لكن إسرائيل هي من اتخذت حالة تأهب حقيقية.
لم ترفع إسرائيل حالة التأهب لأن القدس أو المؤسسة الأمنية كانت على علم بما ينوي ترامب فعله، بل لأن إسرائيل كان عليها أن تكون مستعدة، استخباراتياً ودفاعياً وهجومياً، لاحتمال ضئيل بأن ينفذ ترامب تهديداته، وعندها سيطلق الإيرانيون صواريخ وطائرات مسيرة على إسرائيل، وربما ينشطون وكلاءهم: حزب الله والحوثيين والميليشيات الشيعية الإيرانية.
عدم إطلاع إسرائيل
اقد كشف تراجع ترامب الأخير مجدداً عن حقيقة أنه لا يكتفي بعدم إشراك إسرائيل، وخاصة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في المشاورات قبل اتخاذ أي خطوات مهمة، بل إنه لا يتردد أيضاً في إجبار إسرائيل على الانصياع له دون عناء التنسيق مع رئيس الوزراء. ففي تغريدة أعلن فيها نيته التراجع عن نيته شن هجوم، أعلن ترامب أن إسرائيل ملزمة أيضاً بعدم الهجوم، دون أي تنسيق مسبق ولو بالتلميح. في القدس، كانوا على علمٍ بنيّة ترامب عدم شنّ هجومٍ من خلال التغريدة التي نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، تمامًا كما هو الحال مع أيّ مواطنٍ آخر في العالم. لقد أصبحت دولة إسرائيل مؤخرًا مثابة جريرة للولايات المتحدة. لم يكن هذا هو الحال حتى بداية هذا العام، ولكن منذ حزيران على الأقل، حين وُقّعت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، أصبحت إسرائيل دولةً تابعةً للولايات المتحدة، وليست شريكًا كاملًا في المشاورات على المستوى السياسي.
على المستوى العسكري، يتمتع الجيش الإسرائيلي بعلاقاتٍ جيدةٍ وتنسيقٍ فعّالٍ مع البنتاغون، وخاصةً مع القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، التي تُدير القوات الأمريكية في الشرق الأوسط. إلا أن الجيش الإسرائيلي كان يتخبط في الظلام لسببين: علاقة التنسيق، والتواصل بين المستويات السياسية، أي بين رئيس الوزراء ووزير الدفاع، وبين هيئة الأركان العامة ورئيس الأركان. لا يمكن وصف هذه العلاقة بـ”علاقة عمل”، إذ تتلخص في عبارة “أمرتُ الجيش الإسرائيلي” التي تتكرر مرارًا وتكرارًا في البيانات الصادرة عن رئيس الوزراء ووزير الدفاع. أما السبب الثاني فيتمثل في قناة التنسيق بين مكتب رئيس الوزراء والجيش الإسرائيلي: فعندما تم استبدال السكرتير العسكري في مكتب رئيس الوزراء، وتولى اللواء رومان جوفمان رئاسة الموساد، ثم حل محله اللواء غاي ماركيزانو، لم يعد الأخير يحظى بنفس الثقة التي كان يتمتع بها سلفه في هيئة الأركان العامة. ولذلك، عندما يستفسر جناح الجيش الإسرائيلي في مبنى وزارة الدفاع عما يجري، يضطر إلى الاعتماد، من بين أمور أخرى، على الجيش الأمريكي، وتحديدًا على قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر وضباطه، الذين يشاركون المعلومات مع إسرائيل متى ما رغب الرئيس الأمريكي في واشنطن في مشاركتها معهم.
لم تكن دولة إسرائيل يومًا في وضعٍ تعجز فيه عن التأثير في مصيرها، ولأن الجيش لا يريد أن يُنظر إليه على أنه غير مستعد – لا سيما فيما يتعلق بحماية المدنيين – تُجرى الاستعدادات والتحضيرات مرارًا وتكرارًا بتكلفة باهظة، بما في ذلك تعبئة قوات الاحتياط والعمليات العسكرية التي كان من الممكن تجنبها لو توفرت المعلومات والتنسيق بين الجيش والقيادة السياسية.
أما فيما يخص الصراع مع الإيرانيين، فالوضع يبدو أكثر تفاؤلًا: فما دامت الولايات المتحدة لا ترفع الحصار البحري عن إيران وتحافظ على وجود قوة كبيرة ومهددة في الشرق الأوسط، فإن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في الجمهورية الإسلامية تتفاقم، وتتزايد احتمالات استبدال النظام أو انهياره في غضون عام أو أكثر، واستجابةً للمطالب الأمريكية.
يكمن الخطر الذي يهدد إسرائيل في حرب الاستنزاف بين إيران والولايات المتحدة في أن ينفد صبر ترامب ويستسلم للإيرانيين ويرفع العقوبات. هذا هو الوضع الذي تخشاه إسرائيل أكثر من أي شيء آخر، لكنه لم يحدث بعد. من وجهة نظر إسرائيلية، هذا أمر جيد، لكن العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة، وحقيقة أن إسرائيل مضطرة للتكهن في كل مرة تتحدث فيها الولايات المتحدة، بما في ذلك فيما يتعلق بقطاع غزة، تُشكل بالفعل مشكلة استراتيجية لا يمكن تجاهلها أو التوصل إلى حل لها مع مرور الوقت دون المساس بالأمن القومي وسيادة دولة إسرائيل.
——————————————
هآرتس 3/8/2026
في مواجهة ايران، تحتاج اسرائيل الى تحالفات استراتيجية
بقلم: حاييم تومر رئيس قسم المعلومات السابق في الموساد
بعد ثلاثة اشهر ستتوجه اسرائيل الى صناديق الاقتراع. وتشير الاستطلاعات الى ان الائتلاف الحاكم ستستبدله المعارضة التي اصبحت قريبة جدا من تشكيل الحكومة، وسيكون عليها صياغة اجندة سياسية واستراتيجية جديدة. وما يلي يهدف الى ان يكون اساس للتفكير في التحديات الامنية والسياسية التي تواجهها اسرائيل في المنطقة وفي الساحة الدولية منذ 7 تشرين الاول 2023.
تتمثل التحديات الرئيسية التي من المفروض ان تحدد نهج الحكومة الجديدة في تآكل مكانة اسرائيل الدولية، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث يبدو أنها تتحول من ذخر الى عبء. ايضا يشكل العبء الامني والتآكل الذي يعاني منه الجيش الاسرائيلي والمؤسسة الامنية وكل الدولة منذ ثلاث سنوات، نتيجة للنشاطات المتواصلة والكثيفة في ست جبهات.
ما زالت ايران تمثل التهديد الرئيسي لاسرائيل، وتتطلب نشاطاتها وضع ردود مناسبة على المستوى الاستراتيجي. يكمن جوهر التحدي في احتمال سعي طهران الى الوصول الى المجال النووي في المستقبل القريب واستخدام اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، الذي تمتلكه، لانتاج منشأة نووية عسكرية. من جهة اخرى، بعد حرب “زئير الاسد” و”شعب كالاسد” اصبح من الواضح ان اسرائيل وحدها لا تملك القدرة على هزيمة ايران.
من الجدير الاشارة الى ان هزيمة ايران تحتاج الى شراكة دولية واسعة، كانت حجر الزاوية في استراتيجية اسرائيل منذ العام 2002. وسيكون من الصحيح لاي حكومة جديدة اعادة تبني هذه الاستراتيجية. الخطوة التالية المطلوبة هي سلسلة اجراءات دبلوماسية، علنية وسرية، لتشكيل تحالفات تعمل على فرض نظام نووي جديد وتقييد قوة النظام في طهران. يجب التاكيد على وجود اجمال دولي حاليا حول الخطر الذي تشكله ايران للمنطقة، لا سيما في سياق طموحها لامتلاك سلاح نووي عسكري. وقد عزز سعيها الى السيطرة على مضيق هرمز وتاثير تحركاتها على سوق الطاقة العالمية هذا الفهم.
عمليا، من الضروري اعادة صياغة دوائر رئيسية للتحالف: تحالف دولي برئاسة الولايات المتحدة وبالتعاون مع عناصر اوروبية مثل مجموعة “5+1” التي تعمل ضد ايران منذ عقد ونصف، والتي اجبرتها على التوقيع على الاتفاق النووي في 2015، اضافة الى تحالف اقليمي يضم “ضحايا ايران”، بما في ذلك السعودية، دولة الامارات، البحرين، سلطنة عمان وقطر. في المرحلة الاولى من المناسب تعزيز تحالف امني اقليمي يشكل الاساس لنشاطات التحالف الاقليمي الذي يشمل ايضا مصر والاردن. وسيعمل هذا التحالف بالتعاون مع التحالف الدولي وسيركز على تعزيز الردع ضد ايران، وتعميق الاستقرار في المنطقة، وتقليص اخطار الارهاب والحرب.
تتمثل الخطوة الاولى في بناء مثل هذه التحالفات بصياغة مفهوم امني جديد يتناسب مع مستوى التهديدات التي تواجه اسرائيل، ومواقف الجهات الفاعلة المعنية. ومن شأن مبادرة اسرائيلية لاغلاق جبهات قتال ان تعزز بشكل كبير دوافع الجهات الاقليمية والدولية من اجل العمل مع اسرائيل ضد ايران.
في هذا السياق يبدو ان كل الاطراف تهتم باستعادة الاستقرار في سوريا وفي لبنان من خلال اتفاقات امنية، وربما حتى سياسية، تحد خيارات المنظمات الارهابية للعمل فيها. من غير الواضح اذا كان الاتفاق بين اسرائيل ولبنان سؤيدي الى نزع سلاح حزب الله، لكن هذا الاتفاق ستكون له اهمية كبيرة، لانه سيساهم في كبح تعزيز قدرته العسكرية. ويتحقق ذلك من خلال الالتزامات التي تمنعه من استخدام الموانيء والمطارات في هاتين الدولتين، وتقييد قدرته على استخدام نظام البنوك الوطني والدولي.
أما فيما يتعلق بغزة فلم تنجح اسرائيل والادارة الامريكية حتى الان في تحقيق “الحل الامثل”، وبالتالي، تبقى حماس على حالها وتحتفظ بقدرتها العسكرية. لا يمكن التوصل الى حل لهذه القضية، بما في ذلك نزع سلاح المنظمة، الا من خلال جهود مشتركة ومنسقة مع مصر وقطر والسعودية، وبدعم من امريكا واوروبا. ان هذا الحل الذي يمكن ان يتيح قيادة فعالة لقطاع غزة ليس بالامر السهل، وهو سيحتاج من اسرائيل ايضا معالجة حل سياسي للقضية الفلسطينية.
في الختام، تحتاج اسرائيل بشكل مستعجل الى اعادة تنظيم قواتها العسكرية بعد ثلاث سنوات من القتال المستمر، لاستعادة مكانتها كدولة عقلانية لا تعتمد على القوة وحدها، بل تلتزم بالسعي الى حلول سياسية شامل. ومن اجل تحقيق ذلك يجب عليها البدء في اغلاق الجبهات. وستساهم هذه الخطوة ايضا في تخفيف العبء الامني والسياسي والاقتصادي. يجب على أي حكومة جديدة يتم تشكيلها أن تبني قوة اسرائيل ليس فقط على القوة العسكرية، بل ايضا على التحالفات والشراكات الاستراتيجية التي تساعدها على تقديم استجابة امنية اكثر فعالية.
——————————————
هآرتس 3/8/2026
رغم احداث 7 اكتوبر، حماس ما زالت تعتبر ذخر بالنسبة للحكومة
بقلم: ماتي شتاينبرغ وايلي بخر
“خطة الحسم” لسموتريتش استندت بشكل رئيسي الى تحديد اهداف رئيسية. الاول هو هدف جغرافي، ضم الضفة الغربية. والثاني هو هدف ديمغرافي، الهجرة الطوعية للفلسطينيين منها. كان الغرض من الهدفين هو القضاء على أي امكانية للتوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين وتخليد الصراع. مع ذلك، حتى الان تلاشى امل حكومة نتنياهو في الحصول على موافقة الادارة الامريكية على هذه الاهداف الرئيسية، حتى في قطاع غزة. على خلفية ذلك ركزت الحكومة على تسريع عملية الاستيلاء على الاراضي بوتيرة اسرع مما كان في السابق. فبعد ان اصبح من الواضح استحالة تحقيق الهيمنة اليهودية الديمغرافية تحول تركيز الجهود الى السيطرة على الفضاء الجغرافي واخراج الفلسطينيين منه، ليس فقط في المناطق ج، بل ايضا في المناطق ب وأ، التي تخضع حصريا للسلطة الفلسطينية. وتتمثل الطريقة لذلك في نشر المزارع والبؤر الاستيطانية من اجل السيطرة على “اراضي الدولة” والاراضي الفلسطينية الخاصة. لذلك، تم تاجيل الضم الرسمي حسب خطة سموتريتش بهدف تسريع عملية الضم الفعلي.
أما الهدف الثاني فهو اضعاف السلطة الفلسطينية، اقتصاديا وسياسيا وامنيا، والوصول الى درجة الانهيار. بل ان حكومات اسرائيل، لا سيما حكومات نتنياهو، عملت بجهد من قبل على اضعاف السلطة الفلسطينية و”ترويضها” بحسب مصالحها، وذلك اساسا للتنصل من المسؤولية المدنية عن الفلسطينيين الخاضعين للحكم العسكري. مع ذلك، في اعقاب حرب 7 اكتوبر، لا سيما في الفترة الاخيرة، اصبح هدف اضعاف السلطة الفلسطينية، وحتى انهيارها، هو الهدف الملح بالنسبة للحكومة.
كل من يرغب في دليل على ان السلطة الفلسطينية توصف كـ “عدو” بكل المقاييس، يجب عليه قراءة ما يبدو انه احاطة اعلامية متعمدة لرئيس الشباك دافيد زيني، التي قدمها لصحيفة “اسرائيل اليوم” في 17 تموز 2026. من الان فصاعدا، كما يتبين من تصريحات زيني ونائبه، فان كل شخص لم يقم بادانة مذبحة 7 اكتوبر يستحق أن يعتبر عدو. وهذه التصريحات موجهة في البداية للسلطة الفلسطينية، وايضا لمصر والاردن.
اولا، من منظار واقعي، انتقدت كل من مصر والاردن بشدة هجوم حماس في 7 اكتوبر خلال السنوات الثلاثة الاخيرة. ولكن قبل أي شيء آخر ادانت السلطة الفلسطينية، ممثلة بالرئيس محمود عباس وكبار المسؤولين فيها، حماس بكل الوسائل الممكنة. لم تكتف الحكومة بادانتها، بل لعنتها ايضا. فعلى سبيل المثال وصف محمود عباس حماس في مقابلة مع قناة “العربية” (23 نيسان 2026) بانهم “اولاد كلاب”، وهذا مثال من امثلة كثيرة.
اضافة الى ذلك خطورة تصريحات زيني ونائبه كبيرة. فهي تطمس التمييز بين الدول التي تعيش بسلام مع اسرائيل وبين اعداء اسرائيل، الامر الذي يضر بشكل مباشر بأمن الدولة. وبالنظر الى السلطة الفلسطينية بالتحديد، فان هذا ليس الا ذريعة مصممة لتلبية حاجة الحكومة الملحة في هذا الوقت لازاحة السلطة الفلسطينية عن مسار جهود الضم. لماذا هذا التوقيت وهذه الظروف ملحة جدا؟. أولا، لان الاستيلاء على مساحات كبيرة من المراعي ليست أمر لا رجعة عنه، ومن جهة اخرى، انهيار السلطة الفلسطينية امر لا رجعة عنه.
اضافة الى ذلك تعتبر الحكومة ان انهيار السلطة الفلسطينية سيجعل الانتخابات في تشرين الثاني 2026 لا فائدة منها. علاوة على ذلك، بسبب احتمالية تغيير الحكومة في الانتخابات القادمة، فانها بحاجة كبيرة الى اجراء طاريء يؤدي الى امر واقع، وهو الامر الذي سيغير الوضع كليا في نظر من يرغبون فيه. ايضا احتمالية التوصل الى تسوية قريبة في غزة حسب خطة ترامب، التي ستؤدي الى استبدال حكم حماس بلجنة تكنوقراط تابعة لحركة فتح والسلطة الفلسطينية، تدفع البعض الى اسقاط السلطة الفلسطينية. ففي نهاية المطاف اذا انهارت السلطة الفلسطينية في مركز ثقلها في الضفة الغربية فسيؤثر هذا ايضا على حليفها الجديد في غزة، وهكذا يمكن للترتيب غير المرغوب فيه من قبل حكومة اسرائيل في قطاع غزة، استبعاده من الضفة الغربية بشكل غير مباشر، وهذا سينقذ الحكومة. ومن اجل تجنب الانتقادات الدولية الشديدة ستفسر الحكومة انهيار السلطة الفلسطينية بانه ينبع بالدرجة الاولى من ضعفها، وليس باضعافها من قبل اسرائيل. أي أنه سيفسر كانهيار وليس تدمير.
لكن انهيار السلطة الفلسطينية يشكل خطر على اسرائيل من كل النواحي، وزيني أول شخص يعرف ذلك، اذا كان ينوي اداء دوره كرئيس لجهاز الشباك بمسؤولية. الانهيار سيؤدي الى فوضى كبيرة في الاراضي الفلسطينية، وتفكيك الاليات الامنية المتعاونة مع الشباك، وستبقى حماس هي القوة المهيمنة في الضفة الغربية. اضافة الى ذلك سيؤدي انهيار السلطة الفلسطينية الى انهيار ما بقي من ثقة دول العالم بحكومة اسرائيل، وتعريض اسرائيل لعزلة دولية اشد مما هي الان، بل وحتى الى خطر الغاء اتفاق السلام مع مصر ومع الاردن. والاهم هو وضع اسرائيل في حالة لا يمكن ان تكون فيها دولة يهودية وديمقراطية.
هل يعرف زيني ان قوانين انتخابات السلطة الفلسطينية تشترط موافقة القوائم المشاركة على تبني الاعضاء فيها لكل قرارات م.ت.ف والقرارات الدولية المتعلقة بالتوصل الى تسوية سياسية مع اسرائيل؟. وحتى لو كان يعرف، فانه من المفروض حسب منطقة، هذا يشكل خطر وجودي. مرة اخرى تعود النغمة التي لم يتنازل عنها أبدا. فرغم تغير الظروف منذ 7 اكتوبر، الا ان حماس ما زالت ذخرا بالنسبة للحكومة، حيث يمكن من خلالها افشال أي تسوية سياسية تشمل الضفة الغربية. ومرة اخرى يتبين أن “العدو المزعوم” الحقيقي للحكومة هو الذي يسعى الى تسوية سياسية لتقسيم البلاد، أي السلطة الفلسطينية. ان نهج رئيس الشباك الذي يدعم بالفعل انهيار السلطة يتعارض تماما مع مصالح اسرائيل ويخدم العناصر المتطرفة اكثر في الحكومة ويعرض امن الدولة للخطر.
*ماتي شتاينبرغ مستشرق، وايلي بخر المستشار القانوني في الشباك سابقا.
——————————————
يديعوت أحرونوت 3/8/2026
الجيش الإسرائيلي يجبر على القتال على جبهات العدو وعلى ميزانيته
بقلم: اليشع بن كيمون
بلغت تكلفة أيام الاحتياط منذ اندلاع حرب السيوف الحديدية أكثر من ثلث تكلفة الحرب بأكملها. هذا وفقًا لبيانات المؤسسة الدفاعية، التي تخوض أطول حملة عسكرية في تاريخ البلاد، وتنشغل أيضًا في الخفاء بصراعها على ميزانيتها، في ظل تزايد استهلاك المعدات العملياتية، وسباق التسلح العالمي الذي يُغير قواعد اللعبة.
في آذار 2026، أقرّ الكنيست قانون الميزانية المُعدّل، والذي خصّص ميزانية الدفاع بمبلغ ضخم قدره 143 مليار شيكل، وهو ارتفاع كبير مقارنةً بالخطة الأصلية. وللمقارنة، في السنوات التي سبقت اندلاع الحرب، كان حجم ميزانية الدفاع السنوية حوالي 68.5 مليار شيكل، أي أقل من نصف المبلغ المُعتمد هذا العام.
وشهد الطريق إلى اعتماد مبلغ 143 مليار شيكل تغييرات جذرية. ففي ليلة إعلان الميزانية في كانون الأول 2025، كان الطلب الأصلي للمؤسسة الدفاعية 144 مليار شيكل. واستند هذا الطلب إلى توقعات الإبقاء على 60 ألف جندي احتياطي للاستعداد لنشاط مكثف في جبهات قتال متعددة. بناءً على توجيهات القيادة السياسية، خُفِّضت الخطة إلى 40 ألف جندي احتياطي، وتمت الموافقة على ميزانية قدرها 112 مليار شيكل، وبعد تعديل حكومي، خُفِّضت الميزانية بمليار شيكل إضافي لتصبح 111 مليار. إلا أنه مع اندلاع عملية “زئير الأسد” في نهاية شباط – والتي نُفِّذت قبل الموعد المُخطط له – قدّمت المؤسسة الدفاعية تقديرًا أوليًا قدره 39 مليار شيكل لعملية مدتها 30 يومًا في إيران. لم يشمل هذا التقدير عملية مكثفة في لبنان، ولا تقدير الأضرار التي لحقت بالمنصات والقواعد.
إعادة النظر في الميزانية
بعد أن استمر القتال لفترة أطول من المُخطط لها ووصل إلى 40 يومًا، عُرضت على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الاحتياجات الفعلية حتى نهاية العام، والتي قُدِّرت بـ 177 مليار شيكل. نتيجةً لذلك، قررت القيادة السياسية الموافقة على تخصيص 143 مليار شيكل في المرحلة الأولى، على أن يُعاد النظر في استمرار الميزانية وفقًا للاحتياطيات في وقت لاحق من العام.
تشير البيانات إلى أن الخدمة الاحتياطية تُعدّ من أكبر بنود الإنفاق خلال الحرب، حيث تجاوزت مدتها 1020 يومًا. وتُشير مصادر في المؤسسة الدفاعية إلى بيانات غير مسبوقة، تُفيد بأن عشرات الآلاف من جنود الاحتياط يخضعون حاليًا للخدمة العملياتية الروتينية، بينما بلغ عددهم في ذروة عملية “زئير الأسد” حوالي 145 ألف مجند.
ووفقًا للمعادلة الاقتصادية في المؤسسة الدفاعية، يُكلّف كل 10 آلاف جندي احتياطي سنويًا الاقتصاد حوالي خمسة مليارات شيكل. ومع ذلك، في أشهر الذروة، تصل تكلفة رواتب جنود الاحتياط وحدها إلى ما بين ثلاثة وأربعة مليارات شيكل شهريًا. في الواقع، من أصل ما يقارب 280 مليار شيكل من تكاليف الحرب منذ 7 أكتوبر 2023، تم تخصيص حوالي 100 مليار شيكل لرواتب الاحتياط. ومن المتوقع أن تصل تكلفة الاحتياط في عام 2026 وحده إلى حوالي 30 مليار شيكل.
تُلحق الحملة العسكرية المطولة أضرارًا جسيمة بالمعدات العملياتية. ويكشف تحليل القوات البرية عن صورة مقلقة، إذ يتجاوز معدل التلف الناتج عن العمليات الجارية معدل الإصلاح والتزويد. ونتيجة لذلك، تتعطل مئات المركبات حاليًا بدون محركات بسبب نقص قطع الغيار وطول فترات الإصلاح، كما خرجت مئات المركبات الخفيفة عن الخدمة، في حين أن معدل توريد المركبات الجديدة لا يواكب هذا النقص.
في الوقت نفسه، يواجه قطاع الدفاع تحدي سباق التسلح العالمي، الذي يُعطّل سلاسل التوريد ويرفع الأسعار. وتُساهم المطالب الصعبة من أوكرانيا، وسعي دول الناتو لزيادة ميزانيات الدفاع إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، واستعداد تايوان لسيناريو نزاع مع الصين عام 2027، في خلق طلب فائض هائل. وقد أدى قرار الإدارة الأمريكية بمضاعفة معدل إنتاج الصناعات الدفاعية الأمريكية، إلى جانب صفقات ضخمة مثل صفقة صواريخ باتريوت البالغة 58 مليار دولار، إلى ارتفاع أسعار جميع مكونات المشتريات تقريبًا.
أكثر من 300 عملية اعتراض
على الرغم من ارتفاع أسعار المعدات، يؤكد المسؤولون الدفاعيون على أهمية الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ويصفونها بأنها لا تُقدر بثمن. ففي عملية “طيران البدء” التي انطلقت منها عملية “زئير الأسد”، مكّنت عملية تزويد جوي غير مسبوقة بالوقود نحو 200 طائرة مقاتلة إسرائيلية من التحليق فوق الأجواء الإيرانية.
وفي مجال الدفاع الجوي، نفّذت بطارية ثاد الأمريكية المنتشرة في إسرائيل، وفقًا لتقارير أجنبية، أكثر من 300 عملية اعتراض لصواريخ باليستية. وبالنظر إلى أن تكلفة كل صاروخ اعتراضي تُقدّر بنحو 20 مليون دولار، فإن هذه تُعدّ مساعدة دفاعية مباشرة بقيمة ستة مليارات دولار تقريبًا. وتُقدّر تكلفة استضافة القوات الأمريكية في إسرائيل بمئات الملايين من الشواكل، وهو مبلغ يُعاد معظمه إلى الاقتصاد المحلي من خلال الإنفاق الشخصي للجنود.
وبالنظر إلى الفترة 2027-2028، تُحذّر المؤسسة الدفاعية من أن الحفاظ على القطاعات الأمنية الثلاثة – التي تزيد مساحتها عن 500 كيلومتر مربع في لبنان، وأكثر من 220 كيلومتر مربع في غزة؛ وفي سوريا، إلى جانب التوترات على الحدود الشرقية، يتطلب الأمر إعدادًا ماليًا طويل الأمد. وللحفاظ على الاستقرار العملياتي والجاهزية العالية، تُقدّر المنظومة أن الميزانية السنوية في السنوات القادمة ستحتاج إلى ما بين 140 و150 مليار شيكل، وهو ما يتعارض مع طموح وزارة المالية للعودة إلى إطار الميزانية ما قبل الحرب.
وإلى جانب التحديات، ُشير منظومة الدفاع أيضًا إلى بصيص أمل اقتصادي: ففي عام 2025، حطمت صادرات الدفاع الإسرائيلية رقمًا قياسيًا وبلغت 19.2 مليار دولار. ويُشير هذا النمو المذهل، الذي حدث وسط قتال عنيف، إلى الطلب العالمي على التكنولوجيا الإسرائيلية، ويُؤكد على أهمية قطاع تكنولوجيا الدفاع كمحرك رئيسي للنمو الوطني في السنوات القادمة.
——————————————
إسرائيل اليوم 3/8/2026
العالم رهينة نظرة الفوضى الايرانية
بقلم: اودي ليفي
تعرف ايران بان في الحرب التقليدية المباشرة لا قدرة لها على أن تتشبه بالقدرة العسكرية، الاقتصادية والتكنولوجية للولايات المتحدة وحلفائها. جيشها يعاني من دونية بنيوية، اقتصادها منهك تحت العقوبات، والنظام يتصدى لضغوط اجتماعية وسياسية من الداخل.
غير أن طهران لا تبني استراتيجية بقائها على القدرة للنصر على الغرب في ميدان المعركة. هي تبنيها على القدرة للايضاح بان محاولة اسقاط النظام ستجر اثمانا لا يمكن للساحة الدولية ان تصمد امامها.
هذه “نظرية الفوضى الإيرانية”. لا يدور الحديث عن عقيدة رسمية تحمل هذا الاسم بل عن اطار تفسيري يربط بين أساليب العمل الإيرانية المختلفة: تفعيل الوكلاء، التهديد على مسارات الطاقة والتجارة، استخدام الإرهاب والجريمة المنظمة، حملات سايبر وتأثير، وكذا استغلال منظومات مالية غربية لغرض تجاوز العقوبات ولتمويل الاعمال السرية.
الرسالة الإيرانية بسيطة: اذا لم يبقَ النظام على قيد الحياة فان النظام الإقليمي والعالمي هو الاخر لن يبقى على حاله. وبكلمات النكتة المعروفة: “اذا لم اطير فاحد لن يطير”. الغرب، حسب هذا المفهوم، مطالب بان يختار بين معركة هدفها حسم النظام وبين التسليم بايران كقوة عظمى إقليمية تملك قدرة على المس بمصالح حيوية في ارجاء العالم.
الدائرة الأولى هي الاقتصاد العالمي. فموقع ايران الى جانب مضيق هرمز يمنحها قدرة على التأثير على احد شرايين الطاقة الأهم في العالم. وهي غير ملزمة بان تغلق المضيق تماما. يكفي تهديد على الناقلات، الاستيلاء على سفن، هجمات موضعية او خلق خطر امني كي ترفع أسعار النفط، النقليات والتأمين. ومن خلال الحوثيين في اليمن يمكن لإيران ان تمارس ضغطا موازيا في البحر الأحمر وفي باب المندب، تشوش التجارة الى قناة السويس وتؤثر على سلاسل التوريد العالمية.
الدائرة الثانية هي استقرار دول الخليج والعالم العربي. فالهجوم على قواعد أمريكية، منشآت نفط، موانىء وصناعات استراتيجية في دول الخليج لا يستهدف فقط الحاق ضرر مادي. هدفه خلق خوف في أوساط حكومات المنطقة ودفعها لان تضغط على واشنطن لوقف المعركة ضد ايران. طهران تقدر وهي محقة أيضا بان خوف السعودية، اتحاد الامارات ودول أخرى من الضرر على اقتصادها يؤثر على مستوى الإصرار الأمريكي.
لهذا الغرض بنت ايران شبكة من الوكلاء والمنظمات المسلحة في لبنان، في العراق، في سوريا، في اليمن وفي قطاع غزة. هذه الشبكة تسمح لها بان تهاجم قواعد، سفارات، سفن ومنشآت طاقة بعيدة عن حدودها في ظل الحفاظ على مجال النفي والتشويش على مسؤليتها المباشرة.
تمس بمناعة الدول
الدائرة الثالثة هي الامن القومي والمناعة الداخلية للدول الغربية. ايران، واحيانا بالتوازي مع المصالح الروسية تسعى لاضعاف وحدة الصف الغربي، اثارة الخوف من التصعيد وخلق خلافات بين أوروبا والولايات المتحدة. ولهذا الغرض فانها تمارس حملات التأثير وتطلق هجمات سايبر تستهدف ضعضعة الثقة بالحكومات، بالحملات الانتخابية، بوسائل الاعلام وبمؤسسات الدولة.
الى جانب ذلك اتسع الاستخدام لمنظمات الجريمة الدولية. فقد ربطت محافل استخبارات إيرانية بتجنيد مجرمين، تجار مخدرات وعصابات محلية لغرض المتابعة، الاحراق، الخطف والاغتيال لمعارضي النظام ولاهداف إسرائيلية وغربية. من ناحية طهران يدور الحديث عن أداة ناجعة: المجرمون متوفرون وباسعار زهيدة، يعرفون الساحة المحلية ويتيحون عرض اعمال لدولة كجريمة عادية. هذه الجهات ستشعل الغرب والولايات المتحدة في يوم الامر وتتسبب بفوضى ترغب ايران فيها جدا.
الدائرة الرابعة هي استغلال البنية التحتية المالية العالمية. شركات وهمية، صرافون، تبييض أموال، مخادعات تجارية، اسطول ظلال وشبكات وسطاء تستخدمهم ايران لتحول الأموال، بيع النفط، شراء العتاد وتمويل الوكلاء والاعمال السرية. وهكذا تتحول مواضع ضعف الرقابة في المنظومات المالية الغربية الى أداة تخدم بالذات من يعمل ضدها. في يوم الامر يمكن لهذه الشبكات أيضا ان تلحق ضررا كبيرا وتمس بمؤسسات مالية واقتصادية في الغرب.
ان عقيدة الفوضى لا تدل على أن ايران معنية بالضرورة بحرب عالمية او بانهيار تام للنظام القائم. الفوضى هي بالنسبة لها أداة ردع ومساومة. تسعى طهران لان تقنع خصومها بانه لا يمكن اسقاط النظام بثمن محلي ومحدود. الثمن سيتوزع على أسواق الطاقة، مسارات التجارة، دول الخليج، الامن الداخلي والمجتمع الغربي.
هذا مصدر القوة الحقيقي لإيران. ليس القدرة على الانتصار على الغرب بل القدرة على أن تتسبب له بان يخشى نتائج النصر عليها.
*اودي ليفي رئيس وحدة القتال الاقتصادي في الموساد سابقا، باحث كبير في معهد القدس للاستراتيجية والامن
——————————————
هآرتس 3/8/2026
خمسة مطلقي نار، اكثر من 30 رصاصة: توثيقات تصب الضوء على الاحداث في قرية تل
بقلم: متان غولان وبار بيلغ
حتى بعد مرور اكثر من اسبوع، ما زال الغموض يكتنف حادثة اطلاق النار في قرية تل، الذي أدى الى قتل اربعة فلسطينيين واسرائيليين اثنين، بنياهو ميلات، وهو عضو فرقة الاستعداد في بؤرة حفات جلعاد، والرائد يوفال عزرا، وهو ضابط في المدفعية. الى جانب ذلك تلقي ثمانية مقاطع فيديو صورها فلسطينيون واسرائيليون الضوء على تسلسل الاحداث. وما زال الجيش الاسرائيلي يجري التحقيق في الحادث وملابساته، ويفحص احتمالية أن يكون احد القتيلين الاسرائيليين قد اصيب برصاصة طائشة. خلال المواجهة اطلق ليس اقل من 30 رصاصة، بعضها في الهواء، من قبل اسرائيليين وفلسطيني اخذ سلاح مسؤول الامن في حفات جلعاد. وتظهر اللقطات المصورة ستة مدنيين وجنود من الجيش الاسرائيلي على الاقل يحملون السلاح. اضافة الى القتلى اصيب ثلاثة اسرائيليين واربعة فلسطينيين.
رغم الشكوك حول الحادث الا ان التحقيق الجاري حاليا هو تحقيق عملياتي تماما، ويقوده قائد فرقة يهودا والسامرة، كوبي هيلر. ولا تجري أي جهة اخرى التحقيق في احتمالية ان يكون اطلاق النار من الطرفين، حيث ان شرطة التحقيق العسكرية تنتظر انتهاء التحقيق العملياتي. الشرطة والشباك يحققون في الحادث حسب اعتقاد ان الامر يتعلق بهجوم ارهابي: في الشرطة جمعوا شهادات لمدنيين وقاموا بمصادرة بندقية ومسدس لفحصها، ولم يستجيبوا لطلب الجيش التحقيق مع الاسرائيليين الذين دخلوا الى المنطقة أ بذريعة انهم كانوا في المنطقة ب. وذلك رغم ان الكثير من معالم الرحلة توجد في المنطقة أ.
يقتصر دور النيابة العسكرية حاليا على اصدار امر هدم لشقة احد منفذي اطلاق النار، فاروق رمضان، التي توجد في الطابق العلوي في بيت عائلته المكون من ثلاثة طوابق. ولم تقرر النيابة العسكرية اذا كانت ستحقق مع المتورطين في اطلاق النار، من الذين كانوا يحملون سلاح عسكري، الا بعد انتهاء التحقيق العملياتي. وقد يعقد عدم خضوع احد الضحايا الاسرائيليين لتشريح الجثة التحقيق في الحادث.
في نهاية الاسبوع الماضي قام مسؤول الدفاع القطري في القيادة المركزية بتحسين اجراءات المواطنين الذين يرغبون في حجز جولات سياحية في منطقة قيادته. وكتب انه سيبذل كل جهده للموافقة على الطلبات، وان دخول المنطقة ب، وبالتاكيد المنطقة أ، بدون تنسيق مسبق وبدون حماية مناسبة، يعرض الارواح للخطر. واضاف الضابط: “هذه الاحداث على الاغلب تتطلب تفعيل قوات الامن ودخولها الى المنطقة يتعقد بسبب ضيق الوقت وقلة الافراد، فضلا عن تعريضها لاخطار عملياتية، مثلما حدث في الحادثة السابقة”. واضاف: “كل من يفعل ذلك بدون الحصول على التصريح المطلوب يتحمل المسؤولية. دخول المنطقة أ بدون تصريح يعتبر جريمة جنائية”. مع ذلك،
نظمت مزرعة مغين يهودا جولة في الاسبوع الماضي لاحياء ذكرى ميلات. ونصت الدعوة على ان “الجولة هي على مسؤولية المتنزهين”. انطلقت الجولة من نقطة في المنطقة ب (حفات مغين يهودا) الموجودة تحت حماية االموقع العسكري “الصخرة”، ودخلت الى المنطقة أ. وقد وثق فلسطينيون شواهد قبور قالوا انها تعرضت للتخريب من قبل المستوطنين اثناء الجولة. وتظهر الوثائق قيام قوات الجيش الاسرائيلي بحماية المتنزهين، وقال الجيش الاسرائيلي بانه استعد مسبقا لوصول الاسرائيليين خشية من رشقهم بالحجارة من قبل الفلسطينيين. وتظهر وثائق من التاسعة صباحا قيام المستوطنين، بمرافقة قوات الجيش، بسرقة بضائع من سوبرماركت فلسطيني.
عودة الى حادثة اطلاق النار في تل: قامت مجموعة من المستوطنين بجولة في منطقة حفات جلعاد على خلفية الحريق الذي اندلع هناك قبل اسبوعين. وجاء في دعوة الجولة: “لانك يا الله اشعلتها بالنار، بالنار ستبنيها”. وقد مرت الجولة بالفعل في قرية تل. وحسب مصدر عسكري كانت المنطقة “على شفا الانفجار”. كان النقيب يوفال عزرا في اجازة في حينه، لكن بعد حادثة اطلاق النار وطعن اسرائيليين في الايام التي سبقت الحادث، قرر الانضمام لجنوده في ليلة الخميس. وحسب تقرير في “يديعوت احرونوت”، تحدث ضابط في اللواء القطري مع قائد حفات جلعاد بشأن الدورية، لكن الامر لم ينقل الى الميدان. لم تكن فرقة عزرا تعرف عن الدورية، لكنها سارعت الى المكان فور بدء المواجهة.
انطلق مسار الجولة في الصباح الباكر من جبل براخا الى مجرى وادي تسور وصولا الى عين البور. بعد ذلك تابع المسار الى جرف عراق بورين، ومن هناك الى خربة تسور وعين تسور. بعد ذلك سار المتنزهون الى عين القطيرة، حيث افادوا بتعرضهم لهجوم بقضبان الحديد والحجارة من قبل فلسطينيين اثنين. يتدفق النبع بين البساتين والبيوت على الاطراف الشرقية لقرية تل، على بعد مسافة حوالي نصف كم عن الموقع العسكري “الصخرة”. سكان تل قالوا لـ “هآرتس” بان الناس خرجوا لطرد المستوطنين من قرب البيوت، فاندلعت هناك مواجهة شملت رشق الحجارة. واضافوا بان احد المستوطنين اطلق النار على ساق احد السكان، الذي تم نقله على الفور الى المستشفى.
في الصورة التي نشرها المستوطنون من هذه المرحلة يظهر اسرائيلي وهو مصاب بوجهه الى جانب فلسطينيين، واحد منهما يحمل عصا والآخر قضيب. ورغم الاصابة والقرب من الموقع العسكري والبؤرة الاستيطانية واصلت المجموعة التي ضمت قاصرين التقدم نحو الجنوب الغربي على تلال الصخور التي توجد على مشارف القرية. في الجزء الغربي من تل توجد بيوت فلسطينية جديدة، وحسب سكان تل والتوثيقات فقد مر المستوطنون من امامها.
احد سكان القرية قال لـ “هآرتس”: “يأتي العشرات من الاشخاص. كيف يمكننا معرفة في هذه المرة انهم متنزهون وليسوا مستوطنين جاءوا لاشعال النار في البيوت مثلما حدث في الحريق الكبير قبل اسبوع؟”، وكان يشير الى احراق اسرائيليين ملثمين لبيت على مشارف القرية، في حين كانت طائرات الاطفاء تكافح حريق امتد الى حفات جلعاد. وفي شهر شباط اشعل المستوطنون النار في مسجد في القرية. واضاف: “يسمح للمستوطنين بدخول القرية والتجول بين البيوت، بحراسة الجيش، ونحن علينا الجلوس في البيوت”. احد السكان الاخرين قال ان “هدفهم واضح، هم يريدون طردنا. يجب ان يكون للناس الحق في حماية بيوتهم. ولكن حتى هذا الحق سلب منا”.
في لقطات مصورة في القرية قبل اطلاق النار ظهر مستوطنون قرب مبنى قيد البناء في حين يرشقهم الفلسطينيون بالحجارة. ويبدو انه في هذه الاثناء تم استدعاء شرطة حفات جلعاد الى المنطقة، وعندما وصلت اشتبك اليهود والفلسطينيون قرب الطريق في اسفل قرية تل. وحسب اللقطات حاولت الشرطة تفريق التجمع بمرافقة ميلات، مسؤول الامن في حفات جلعاد، وعدد من الاسرائيليين المسلحين. ويظهر فاروق رمضان في فيديو وهو يتحدث الى احد الجنود. وقال احد سكان تل لـ “هآرتس”: “لا احد يذكر انه في البداية حاول فاروق ابعاد الناس وتهدئة النفوس”.
في فيديو آخر ظهر مسؤول الامن الجاري في حفات جلعاد، ميلات، والمسلحين، وهم يقتربون من الفلسطينيين. وقد تم توثيق مسؤول الامن وهو يضرب رمضان بفوهة البندقية. عزرا اقترب من الفلسطينيين وامرهم بالابتعاد، لكن المواجهة بين الطرفين تصاعدت. وبعد ان ابعد ميلات وعزرا الفلسطينيين بدون استخدام القوة، ظهر ان السيطرة على المواجهة تحققت، لكن بعد ذلك سمع صوت اطلاق نار في مكان قريب. وحسب احد سكان تل فقد اطلق مسؤول الامن النار في هذه الاثناء على اثنين من السكان واصابهما، لكن لا يمكن تاكيد هذا الادعاء بناء على الصور المتوفرة. بعد لحظة شوهد مسؤول الامن في حفات جلعاد وهو يخلع حزام البندقية ويقترب من احد الفلسطينيين وفي يده سلاح مصوب. الفلسطيني الذي وقف بجانب رمضان امسك حزام البندقية واخذها.
بعد ان اطلق عزرا ثلاث رصاصات في الهواء سمع صوت اطلاق رصاصتين، وهتف شباب اسرائيليون بحماس: “لقد اصيب عربي”. في صور في نفس الوقت ظهر رمضان وهو يواجه مسؤول الامن في حفات جلعاد، في حين كان فلسطينيان آخران يحاولان اخذ بندقية ميلات. وظهر عزرا في الصور وهو يندفع نحوهما وهو يصوب سلاحه. وحسب مصدر في الجيش الاسرائيلي اطلق عزرا النار على احد الفلسطينيين اللذين كانا يحاولان اخذ السلاح. ولكن ذلك لم يسجل في الفيديوهات التي نشرت حتى الان. عند هذه النقطة قطع التوثيق. وفي الفيديو التالي ظهر رمضان وهو يطلق النار في الهواء، وظهر مسؤول الامن في جفات جلعاد وهو يسقط على الارض اثناء الاشتباك مع فلسطيني، وبعد ذلك امتشق البندقية ووجها نحو رمضان الذي كان يقف فوقه. وشوهد الاثنان وهما يوجهان السلاح على بعضهما، بعد ذلك سمع صوت اطلاق النار. في صور لاحقة ظهر مسؤول الامن في حفات جلعاد وهو مصاب برصاصة في يده. وبعد انتهاء الحادث ظهر وهو يترك المكان مشيا على قدميه.
في صور لاحقة صورت من اعلى القرية ظهرت مجموعة من الاسرائيليين والفلسطينيين على الارض. وحسب شهود عيان كان شجار بينهم على السلاح. ويبدو ان هذا الفيديو صور عندما كان عزرا يسقط على الارض. في تلك اللحظة كانت الحجارة ترشق من جهة في القرية. وظهر في الفيديو مواطن اسرائيلي مسلح يقف في وسط الحقل. وحسب مجلس السامرة الاقليمي فان هذا الشخص هو س.، مقاتل من غولاني شارك في الجولة اثناء اجازته. وذكر المجلس انه بينما كان حاخام حفات جلعاد يوثق وهو يقاتل الفلسطينيين وهو مصاب، ظهر س. وهو يطلق النار على فلسطينيين حاولا اخذ سلاح الحاخام، الامر الذي ادى الى قتلهما. تمكن الحاخام من الهرب وركض نحو السيارة العسكرية. أما ميلات، الذي كان مصاب بالفعل حسب المجلس، فقد استل مسدسه واطلق ثلاث رصاصات على الفلسطينيين المستلقين على الارض.
في نهاية الفيديو يظهر جندي وهو يركض من جهة السيارة العسكرية نحو س. الذي كان يركع قرب المصاب. ثم يظهر جندي آخر وصل الى المكان. ويظهر رمضان وهو ينهض ويسير نحو السيارة العسكرية بدون ان يظهر بانه يحمل سلاح، واخيرا انهار. سمعت صرخة: “اطلقوا النار عليه، ماذا تنتظرون؟”. في اعقاب ذلك سمع صوت اطلاق رصاصة اخرى على الفور.
بعد بضع ساعات اقتحم الجيش الاسرائيلي مستشفى في نابلس، وحسب تقرير فلسطيني قام باعتقال مصابين. وحسب افلام فيديو من ليلة الجمعة فقد تم نقل جثامين الفلسطينيين الاربعة الذين قتلوا الى مثواهم الاخير. وحسب التقارير الفلسطينية فقد حددت السلطات الاسرائيلية عدد المشاركين في الجنازة، واعلن الجيش بانه طوق بيوت اثنين من سكان تل بسبب تورطهما بحيازة سلاح واطلاق النار على الاسرائيليين. تم اصدار امر بهدم الطابق العلوي في بيت عائلة رمضان.
في الايام التالية نفذت قوات الجيش الاسرائيلي عمليات في القرية وفي ضواحيها وعلى طول الشارع 60، واقتلع الجيش الكثير من اشجار الزيتون. وحسب السكان حقق الجنود في الـ 24 ساعة الاولى مع 70 شخص، تم تجميعهم في مبنى، واعتقل 16 شخص منهم. حتى يوم السبت كان هناك 28 معتقل من القرية، بينهم طبيب له بيت بدأ الجيش باستخدامه. وفي اليوم التالي للحادثة عاد المستوطنون الى اطراف القرية واقاموا مركز امني في مكان الحادث، تحت المباني التي استولى عليها الجيش، ومركز آخر في جنوب القرية على بعد مسافة 200 متر عن بيوت السكان.
اجريت مقابلة مع بوعز، والد ميلات، في يوم الخميس، من قبل القناة 7، في قرية تل في نقطة مراقبة تطل على موقع اطلاق النار حيث اقيمت خيمة. ودعا في تصريحاته الجيش الى الاستيلاء على قرية تل واقامة “مستوطنة يهودية” هناك. وجاء في بيان نعي ابنه ان “بنياهو هو مؤسس منتدى النضال من اجل كل دونم”، الذي اسسه بهدف التحذير من السيطرة العربية على الارض. وحسب البيان فقد ادرك ميلات انه لا يجوز التمييز بين المناطق ج والمناطق أ وب، وعمل على اقامة بؤر استيطانية في هذه المناطق”.
تعتبر نزهات المستوطنين في ايام الجمعة في المناطق التي تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية ظاهرة معروفة في الضفة الغربية، ويطلق المستوطنون على هذه الظاهرة اسم “احتلال الارض بالاقدام”، بالاشارة الى الآية “كل مكان تدوسه اقدامكم اعطيه لكم” (سفر التثنية، والذي يتكرر في سفر يهوشع). وقد صرح احد مؤسسي مجموعة “دافيد واحيكام”، الذين قادوا الجولة، في مقابلة: “بالنسبة لنا لا يوجد تقسيم للمنطقة الى أ وب وج، بل هي ارض اسرائيل واحدة، ونحن نتجول في كل مكان”.
في قرية تل غادرت اكثر من 30 عائلة بيوتها بشكل مؤقت، الموجودة قرب مكان الحادث، حيث ما زال الجنود والمستوطنون يتواجدون. “من الخطر الاقتراب”، اوضحوا وسألوا عن الفترة التي سيبقى فيها المستوطنون في القرية. “المستوطنون يريدون منا مغادرة بيوتنا وقريتنا. أنا لا اعرف، هل يعتقدون انه يمكنهم طردنا جميعا. نحن مثل السجناء في اراضينا، ولكننا ما زلنا نأمل عيش حياة كريمة، نحن بحاجة الى السلام، عندما يسود السلام ستكون الحياة جميلة”، قال احد سكان تل.
وقد جاء من الجيش: “يشارك الجيش الاسرائيلي العائلات الثكلى حزنها وسيواصل دعمها، ويجري الجيش الاسرائيلي تحقيق معمق في تفاصيل الهجوم والحادث، وسيتم عرض النتائج بشفافية على العائلات الثكلى”.
——————————————
هآرتس 3/8/2026
قد تغير خطوة “راعم” قواعد اللعب، هل يسعى سيغلوفيتش الى تحسين مكانه؟
بقلم: جاكي خوري
تمت مناقشة امكانية انضمام نائب وزير الامن القومي السابق، يوآف سيغلوفيتش، الى حزب “راعم” (القائمة الموحدة)، قبل بضعة اشهر. وقد تكرر ذكر اسمه في المقابلات والنقاشات السياسية وفي اروقة الكنيست. وسئل كل من سيغلوفيتش ورئيس الحزب منصور عباس عن ذلك أكثر من مرة. وفي كل مرة اكتفيا باجابة حذرة، لا تؤكد ولا تنفي.
ازدادت الانباء في الاسبوع الماضي حول هذه الاتصالات والتوقيت لم يكن صدفيا. ففي “راعم” يستعدون للانتخابات التمهيدية في غضون ثلاثة اسابيع. لاول مرة سينتخب الحزب ممثليه للكنيست بشكل مستقل عن الحركة الاسلامية ومجلس الشورى. وقد زادت حدة هذه الانباء في الاسبوع الماضي بسبب الردود الرسمية. فقد اوضح سيغلوفيتش الذي يوجد حاليا في اجازة في الخارج، بواسطة متحدثه الرسمي بأنه ما زال جزءا من حزب “معا” برئاسة نفتالي بينيت ويئير لبيد، ولكن المقربين منه لم ينفوا وجود هذه الاتصالات. وأكد عباس على انه لا يمكن القيام بأي خطوة كهذه قبل انتهاء الانتخابات التمهيدية في 22 آب الحالي، لكنه لم يقم بنفي ايضا اجراء محادثات مع سيغلوفيتش. في عالم السياسة حتى التاكيد الجزئي يعتبر تاكيد على وجود امر قيد الفحص.
السؤال المطروح هو هل هذه خطوة كان يعد لها من اسابيع، منذ التواصل بين بينيت ولبيد، وتهدف الى احداث تغيير استراتيجي، أو انها فقط جس نبض يهدف الى اختبار ردود فعل الرأي العام والنظام السياسي؟. اذا كانت هذه خطوة حقيقية بالفعل فيصعب اعتبارها خطوة سياسية ذكية من ناحية منصور عباس. رئيس حزب “راعم” يعمل منذ فترة الى اعادة تشكيل حزبه ليصبح حزب مدني وعملي، غير تابع للتيار الاسلامي. وهو يؤكد في كل مقاربة تقريبا على ان الحزب يعمل باستقلالية، وان مؤسساته هي التي تتخذ القرارات، وأن بابه مفتوح امام كل مواطن، يهودي أو عربي، يتبنى برنامجه.
لذلك فان الاجندة التي يروجها مدنية تماما: مكافحة الجريمة والامن الشخصي (هذه من القضايا الملحة في المجتمع العربي)، والتنمية الاقتصادية، بل وحتى الاستعداد لمناقشة الخدمة المدنية في المجتمع العربي. وهو لا يخفي رغبته في الانضمام للائتلاف الحاكم القادم، ولا يخفي خوفه من ان يحاول اليمين ومعسكر نتنياهو من شطب حزب “راعم” قبل الانتخابات.
هنا بالتحديد يبرز دور سيغلوفيتش، المفتش المتقاعد ومن ابرز الاصوات الداعمة لمكافحة الجريمة والعنف ونائب وزير الامن القومي السابق. وانضمامه الى القائمة لا يعزز فقط الرسالة المدنية لـ “راعم”، بل يصعب ايضا على خصومها تصويرها كحزب متطرف أو حزب غير شرعي للمشاركة في الائتلاف.
أما فيما يتعلق بالسياسة الداخلي للحزب فقد اصبح عباس الان في وضع مريح اكثر مما كان في السابق. فبعد ان كان عليه في السابق التعامل مع مؤسسات التيار الاسلامي لتمرير الاجراءات المختلفة، اصبح القرار الان يتم اتخاذه بشكل حصري في داخل مؤسسات الحزب. ويمتلك منصور عباس سيطرة شبه كاملة على آلية الحزب، لذلك فانه اذا قرر السير قدما في هذه الخطوة فمن غير المرجح ان تتمكن أي معارضة داخلية من وقفه.
لكن هذه الخطوة يوجد لها ثمن ايضا. فاذا تم وضع سيغلوفيتش في المكان الثاني في القائمة، كما يقول المقربون منه، فان المرشحين الحاليين للحزب الديمقراطي الجديد، بمن فيهم ممثلون عن النقب – المنطقة التي تعتبر قاعدة انتخابية مركزية للحزب – سيتراجعون مرتبة واحدة. مع ذلك، سيتمكن منصور عباس من القول بان هذا استثمار مربح. اذا احضر سيغلوفيتش لراعم مقعد آخر، وربما مقعدين، فسيجد المرشحون الذين تم دفعهم خطوة الى الخلف، انفسهم في الكنيست.
لكن لا يمكن استبعاد احتمال آخر. فكل الامر ليس الا اختبار للسوق. قد يسعى سيغلوفيتش الى اختبار رد فعل الجمهور، وتحسين مكانه في “يوجد مستقبل”، وربما حتى الاشارة الى الاحزاب الاخرى، بما في ذلك “الديمقراطيون”، الى انه لاعب مطلوب في الساحة السياسية. ولا يقل اهمية السؤال المطروح على الجانب الاخر للمعادلة: لماذا يقدم سيغلوفيتش الى هذه الخطوة؟. حسب من تحدثوا معه هناك عدة تفسيرات محتملة. الاول، سياسي. فمنذ تحالف “يوجد مستقبل” مع بينيت يشعر سيغلوفيتش بانه لن يحقق مكاسبه المطلوبة من القاعدة الشعبية العربية، رغم انه برز في السنوات الاخيرة كشخص يعمل على مكافحة الجريمة في الوسط العربي. ويقدر عدد غير قليل من الناخبين العرب جهوده، ولكنهم يجدون صعوبة في التصويت لقائمة بينيت بسبب مواقفه اليمينية من القضية الفلسطينية، ومن مواقفه بشكل عام.
في داخل حزب “يوجد مستقبل” توجد ايضا اصوات تنتقد التحالف مع بينيت. وقد اشتكى المقربون من سيغلوفيتش، بمن فيهم صديقه في الحزب عضو الكنيست الذي انتخب حديثا محمد أبو الهيجا، مؤخرا من تهميش اصوات العرب في الحزب وتراجع مكانتها نتيجة هذا التحالف.
ايضا يوجد اعتبارات شخصية. يعتقد سيغلوفيتش ان الانتخابات القادمة قد تكون فرصته الاخيرة من اجل الوصول الى منصب وزير الامن القومي. ضمن قائمة كبيرة مثل “معا”، يتوقع ان تكون المنافسة على الحقائب الوزارية شرسة. في حين انه اذا اصبح حزب “راعم” شريك في الائتلاف، فان قوة مساومته ستكون اعلى بكثير.
مع ذلك يبقى السؤال المطروح حول ما اذا كان يئير لبيد ونفتالي بينيت هما شريكان في خطوة شرعنة “راعم”، أو أنهما متفاجئين ويحاولان افشالها. في كل الحالات، تظهر هذه الخطوة المثيرة للاهتمام، التي اثارت ردود فعل واسعة في اوساط اليسار – وسط، بان “راعم” يسعى الى اعادة تعريفه كحزب مدني وجذب اشخاص من خارج الوسط العربي، في حين يكتشف سيغلوفيتش مسار غير تقليدي قد يعطيه تاثير اكبر.
في هذه المرحلة من السابق لاوانه تحديد اذا كانت هذه الخطوة ستغير جذريا خارطة القوائم، لكنها قد تغير قواعد اللعب في الوسط – يسار. يتوقع ان تأتي الاصوات التي سيجذبها سيغلوفيتش بشكل رئيس من حزب “يوجد مستقبل” وحزب “الديمقراطيين” أو من الذين خاب املهم من الائتلاف الثلاثي (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي و”تاعل”)، التي لم تتمكن من جسر الهوة حول توزيع المقاعد. اذا تمت هذه الخطوة بالفعل فستكون من اهم الخطوات السياسية في الحملة الانتخابية القادمة.
—————-انتهت النشرة—————–

