منظمات حقوقية أميركية تقاضي ترامب بسبب عقوباته على الجنائية الدولية: «تعطّل محاسبة مرتكبي جرائم الحرب»

المسار :  – رفعت أربع منظمات حقوقية أميركية دعوى قضائية أمام محكمة في نيويورك ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للطعن في العقوبات التي فرضتها إدارته على المحكمة الجنائية الدولية وقضاة ومدعين مرتبطين بتحقيقاتها، ولا سيما الملفات المتعلقة بالجرائم المنسوبة إلى مسؤولين إسرائيليين على خلفية الحرب في قطاع غزة.

وتطالب المنظمات بإلغاء الإجراءات الأميركية، معتبرة أن العقوبات لا تستهدف المحكمة الجنائية الدولية فحسب، بل تمتد آثارها إلى عمل المدعين العامين والقضاة والمحامين والمنظمات الحقوقية، وتحد من قدرة الضحايا على الوصول إلى العدالة وملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

دعوى من 101 صفحة

وجاءت الدعوى، التي قُدمت أمام القضاء الأميركي، في نحو 101 صفحة، وشاركت في تقديمها أربع منظمات حقوقية، من بينها هيومن رايتس ووتش.

وترى المنظمات أن الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأميركية تمثل استخدامًا غير مشروع للسلطة التنفيذية، وأنها تتعارض مع ضمانات دستورية وقانونية، بينها الحماية التي يوفرها التعديل الأول للدستور الأميركي لحرية التعبير.

وتحاجج الدعوى بأن العقوبات المفروضة على جهات وأفراد يعملون في مجال العدالة الدولية يمكن أن تفرض قيودًا واسعة على التواصل والعمل الحقوقي، فضلًا عن تأثيرها في قدرة المنظمات والأفراد على متابعة القضايا المرتبطة بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.

العقوبات تستهدف قضاة ومدعين ومنظمات

وكان ترامب قد وقّع في شباط/فبراير 2025 أمرًا تنفيذيًا يفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة أعلنت الإدارة الأميركية من خلالها رفضها لسلطة المحكمة واختصاصها في قضايا مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.

وبموجب الإجراءات الأميركية، فُرضت قيود شملت حظر السفر وتجميد الأصول على عدد من الشخصيات المرتبطة بالمحكمة، بينهم ثمانية قضاة وثلاثة مدعين عامين، إضافة إلى خبير في الأمم المتحدة وثلاث منظمات حقوقية.

وبررت الإدارة الأميركية هذه الإجراءات بموقفها الرافض للتحقيقات والإجراءات التي اتخذتها المحكمة بحق مسؤولين إسرائيليين، معتبرة أن المحكمة تجاوزت صلاحياتها.

في المقابل، ترى المنظمات المدعية أن العقوبات تشكل محاولة للضغط على مؤسسة قضائية دولية بسبب ممارستها لاختصاصاتها، وأن السماح بمثل هذه الإجراءات يهدد استقلال القضاء ويضعف آليات المحاسبة الدولية.

تحذير من تقويض العدالة الدولية

وقالت المنظمات في شكواها إن العقوبات الأميركية تلحق ضررًا بالغًا بالجهود الرامية إلى محاسبة المسؤولين عن الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، معتبرة أن الإجراءات الأميركية تخلق عوائق أمام الضحايا الذين يسعون إلى استخدام الآليات القضائية الدولية للحصول على العدالة.

وتحذر الدعوى من أن استهداف القضاة والمدعين والمحامين والمنظمات الحقوقية يمكن أن يترك آثارًا تتجاوز القضية الحالية، إذ قد يؤدي إلى إضعاف استقلال المؤسسات القضائية الدولية وقدرتها على التحقيق في الجرائم والانتهاكات، خصوصًا عندما تكون أطراف النزاع مرتبطة بدول تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي كبير.

وترى المنظمات أن مبدأ سيادة القانون يقتضي عدم إخضاع القضاء للضغوط السياسية، وأن المؤسسات القضائية الدولية يجب أن تتمكن من التحقيق والنظر في القضايا دون الخوف من تعرض العاملين فيها لعقوبات بسبب طبيعة الملفات التي يتولونها.

خلفية مرتبطة بالحرب على غزة

وتأتي الدعوى في وقت تتواصل فيه تداعيات الحرب على قطاع غزة، وسط مطالبات دولية متزايدة بالتحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف الصراع ومحاسبة المسؤولين عنها.

وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد فتحت مسارًا للتحقيق في جرائم محتملة ارتُكبت في الأراضي الفلسطينية، فيما أثارت إجراءات المحكمة ضد مسؤولين إسرائيليين مواجهة سياسية وقانونية حادة مع الحكومة الإسرائيلية والولايات المتحدة.

وترى المنظمات الحقوقية الأميركية أن استخدام العقوبات ضد المحكمة بسبب هذه التحقيقات يبعث برسالة خطيرة بشأن حدود استقلال المؤسسات القضائية الدولية، خصوصًا في القضايا التي تتعلق بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

صراع بين السلطة السياسية والقضاء الدولي

وتضع الدعوى إدارة ترامب أمام اختبار قانوني جديد داخل الولايات المتحدة، إذ لا تقتصر القضية على الخلاف بشأن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وإنما تمتد إلى مدى قانونية استخدام السلطة التنفيذية الأميركية للعقوبات ضد أفراد ومنظمات بسبب أنشطتهم المرتبطة بالعدالة الدولية.

وتجادل المنظمات بأن الإجراءات الأميركية تمس مبادئ دستورية أساسية، من بينها حرية التعبير، إضافة إلى مبادئ أوسع تتعلق باستقلال القضاء وحق الأفراد والمنظمات في المشاركة في النقاشات والجهود الرامية إلى تحقيق العدالة.

وبحسب مضمون الدعوى، فإن العقوبات لا تؤثر فقط في المحكمة الجنائية الدولية، وإنما يمكن أن تمتد تداعياتها إلى المحامين والباحثين والمنظمات الحقوقية التي تتعاون مع المحكمة أو تدعم جهود التحقيق والمساءلة.

المنظمات: العقوبات تهدد مبدأ المساواة أمام القانون

وتؤكد المنظمات المدعية أن جوهر القضية يتمثل في حق جميع ضحايا الجرائم الخطيرة في الوصول إلى آليات العدالة، بصرف النظر عن هوية مرتكبي الجرائم أو الدول التي ينتمون إليها.

وتعتبر أن منع المؤسسات القضائية الدولية من أداء مهامها عبر العقوبات السياسية قد يؤدي إلى ترسيخ حالة من الإفلات من العقاب، ويضعف الثقة بالنظام القانوني الدولي وقدرته على التعامل مع الانتهاكات الكبرى.

كما حذرت من أن استهداف القضاة والمدعين بسبب الملفات التي يعملون عليها يمكن أن يشكل سابقة تشجع حكومات أخرى على ممارسة ضغوط مماثلة عندما تفتح المحاكم الدولية تحقيقات لا تتوافق مع مصالحها السياسية.

وتطالب الدعوى القضاء الأميركي بالتدخل وإلغاء العقوبات، معتبرة أنها تتجاوز الحدود القانونية للسلطة التنفيذية وتنتهك حقوقًا وحريات يكفلها الدستور الأميركي.

وتفتح هذه القضية بذلك مواجهة قانونية وسياسية حول حدود صلاحيات الإدارة الأميركية، ومستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، ومدى قدرة المؤسسات القضائية الدولية على ممارسة دورها في محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالحرب على غزة.

كما تعكس الدعوى انقسامًا متزايدًا داخل الولايات المتحدة نفسها بشأن سياسة إدارة ترامب تجاه المحكمة الجنائية الدولية، في ظل تصاعد النقاش حول استقلال القضاء الدولي، وضرورة ضمان عدم تحول الاعتبارات السياسية إلى وسيلة لتعطيل التحقيق في الانتهاكات الخطيرة أو حماية المسؤولين عنها من المساءلة.

Share This Article