المسار : مثل كل مواطني البلاد، أنا لم اشاهد فيلم “نازا” حتى الآن. ولكن مثل الجميع لدي رأي، ليس حول الفيلم نفسه، بل حول الضجة المبررة والمذعورة التي ثارت في إسرائيل في اعقاب عرضه، بدون اتاحة لأي معلق تقريبا الوقت لمشاهدته. الى حين يتم عرض الفيلم يمكن للمرء على الأقل البدء في فهم ما تتم مناقشته، استنادا للمقال الذي نشره رفيف دروكر في “هآرتس”، الذي شاهد الفيلم، والمقابلة التي اجراها دروكر في القناة 13 مع يوفال ابراهام، احد مخرجي الفيلم الإسرائيليين. أيضا تحدثت مع اشخاص شاهدوا كل الفيلم.
يبدو أنه، للمرة الثانية، هناك رد فعل مبالغ فيه ومتسرع من قبل المؤسسة السياسية والعسكرية وقطاعات واسعة في الاعلام الإسرائيلي. أنا اجد انه من الغريب ان يصدر رئيس الأركان ايال زمير بيان متسرع، اذ لم يكتف بالدفاع عن قواعد القتال في الجيش الإسرائيلي وإدانة صناع الفيلم، بل امر أيضا بفتح تحقيق لكشف هوية الـ 24 جندي وضابط، الذين معظمهم من الاستخبارات، الذين أجريت معهم مقابلات للفيلم بدون الكشف عن هويتهم، واخفاء وجوههم.
لعله كان يجدر بالجيش الالتزام بروحية بيان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الاولي: لم يتواصل معنا صناع الفيلم على الاطلاق للنقاش أو طلب رد قبل عرضه، ولم يسمح لنا بمشاهدته، وبعد مشاهدته سنفحص مدى صحة الادعاءات الواردة فيه.
لا توجد مصلحة للجيش الإسرائيلي بحملات التسهير وكم الافواه. من جهة أخرى، ليس من الغريب الغضب الشديد الذي ينتاب الحكومة ومتحدثيها منذ فوز الفيلم بجائزة في مهرجان فنيسيا السينمائي، الذي استقبل بتصفيق من الجمهور لمدة 25 دقيقة. هذه فرصة مثالية لنتنياهو كي يحول النقاش في الحملة الانتخابية من جديد عن اخفاقاته وتقصيره، التي سمحت بوقوع مذبحة 7 أكتوبر، الى جانب الفشل الذريع لقوات الامن، الى منافسة وطنية مزيفة، سيخسر فيها اليسار دائما، وسيتهم دائما بمساعدة العدو، بغض النظر عن المواقف التي يعلنها قادة كتلة المعارضة في الواقع.
في الخلفية تكمن مشكلة مزمنة، تفاقمت بسبب الحرب الحالية. يتركز النقاش الداخلي على مسائل الدعاية والضرر المحتمل الذي يلحقه الفيلم بإسرائيل في العالم. أولا، اذا تحدثنا عن الدعاية فان الضرر الرئيسي ناتج عن التصريحات المتهورة التي أصدرها الوزراء وأعضاء الكنيست منذ المذبحة، أيضا عن اضطهاد صناع الفيلم الان، الى درجة الدعوة الى اعدامهم بشكل علني. ثانيا، تكمن الحقيقة فيما يحدث على ارض الواقع، وليس بطريقة عرضه ومناقشته. وخلافا لما قد يفهم ضمنا من كلام ابراهام لرفيف دروكر، لم تتجاهل كل وسائل الاعلام في إسرائيل الامر. فقد نشرت تحقيقات مفصلة في “هآرتس” بقلم ينيف كوفوفيتش وبار بيلغ وتوم لفنسون وغيرهم، كشفت عن نتائج مقلقة حول الحرب والثمن الباهظ الذي دفعه الجنود الذين شاركوا فيها (من بين الأسباب لما يسمى الان “الضرر الأخلاقي”).
وتظهر اقوال ابراهام، حتى في رده على انتقادات الفيلم، طمس متعمد كما يبدو، بين الصحافة والتوثيق السينمائي والنشاط السياسي. فما هي المعايير المهنية التي يعتقد انه ملزم بها بحكم نضاله ضد احتلال الضفة الغربية، وبعد ذلك ضد حرب إسرائيل على غزة؟. على الأقل من خلال المقابلات، تثير تغطية الفيلم تساؤلات حول تجاهل مخرجيه للسياق العام (الفظائع التي ارتكبتها حماس في 7 أكتوبر)، وحول تعمدهم استخدام صور ومقارنات مع المحرقة. ويشتبه في ان اختيار الاحرف الأولى “نازا” لا يرتبط كثيرا بمعناها العسكري (ضرر عرضي، أي المس بمن لم يشاركوا في القتال)، بل لانها تذكر المشاهدين المتحدثين باللغة الإنجليزية بالدمج بين كلمتي نازيون وغزة.
بعد صدمة المذبحة، يفضل كثير من الإسرائيليين التظاهر بالانتماء والشعور بالانفصال. يتجاهلون ما يرتكب باسمهم في غزة، ويخترعون رؤية بديلة، ثم يتفاجأون عندما يرفض العالم قبولها بدون نقاش. لقد اعتبر الجيش الإسرائيلي المذبحة في الغلاف، لا سيما الوحشية التي ارتكبها قتلة حماس، حدثا له ابعاد كارثية. شاهد الكثير من القادة والجنود الذين قاتلوا بعد ذلك في غزة هذه المشاهد بأنفسهم، في البيوت المحترقة في الكيبوتسات، حفلة نوفا، اوفكيم وسدروت، حتى قبل ان تجف الدماء. لقد غذت هذه التجارب الرغبة في الانتقام، بل والقناعة بضرورة رد مستوحى من الكتاب المقدس، لان هذه هي الطريقة الوحيدة لبقاء إسرائيل، من خلال إعادة فرض الردع على جيرانها.
في نفس الوقت غذى السياسيون والجنرالات والمعلقون الكراهية والانتقام بتصريحات تحريضية، يضاف الى ذلك، عند بدء العملية البرية، ضرورة حماية القوات التي تعمل في منطقة ماهولة مكتظة ومواجهة المسلحين الذين يختبئون وراء وتحت السكان المدنيين.
أدت هذه الظروف الى عدة خطوات: تعليمات متساهلة نسبيا باطلاق النار نظرا للخطر الذي يهدد القوات (في حالات كثيرة قتل فلسطينيون لمجرد اجتيازهم، أحيانا بدون معرفتهم، لخط وهمي لم يتم رسمه على الأرض)، تصاريح واسعة بارتكاب اضرار جانبية (الهجوم تمت المصادقة عليه أحيانا حتى عندما كان شك في ان يقتل 100 مدني، وليس مثلما جاء في الفيلم، 500)، والتدمير المنهجي للمباني.
يستمر تدمير المباني والبنى التحتية حتى اليوم. وهناك مبررات لذلك، تستند الى استخدام حماس للمساحات الحضرية، حيث يستخدم عدد كبير من الشقق لتخزين السلاح ونصب الكاميرات وزرع العبوات. ولكن هناك أيضا اعتبار آخر يهدف الى ابعاد إعادة بناء الفلسطينيين عن خط الاستيطان الإسرائيلي الأول. في المقابل، أصبحت إجراءات الموافقة على تصاريح الاضرار العرضية الان اكثر صرامة، وانخفض عدد المدنيين الذين قتلوا في قطاع غزة في هذه السنة بشكل ملحوظ. في الأشهر الأولى للحرب سادت حالة من الهياج، بعضها ينبع من القاعدة الشعبية، وبعضها مفروض من جهة معاكسة. في محادثات لم يكشف عن هوية أصحابها، اكد الكثير من الضباط هذا الامر.
خلاصة ما وصف هنا واضحة تماما: ارتكبت إسرائيل جرائم حرب في غزة، سواء على يد جنود يعملون بشكل فردي، أو من خلال عمليات لوحدات وفرق كانت جزء من منظومة أوسع. توجد أوجه تشابه في هذا مع طريقة عمل الأمريكيين في المعارك الحضرية في العراق وسوريا (وخاصة في الحملة ضد داعش). ان طريقة تصرف حماس، بدرجة كبيرة، جرت الجيش الإسرائيلي الى هذا الفخ، حيث سقط المدنيون الفلسطينيون ضحايا له.
أنا لست خبير في الإبادة الجماعية، لكن الادعاءات التي يتم طرحها بثقة حول ارتكاب الإبادة الجماعية لا تبدو مقنعة. لقد تكبد الجيش الإسرائيلي 472 قتيل في العملية البرية في قطاع غزة وآلاف المصابين، وعدد اكبر من المقاتلين الذين يعانون من صدمة نفسية. هذه ليست نتائج حققها جيش قوي منخرط في اعمال تدمير متعمدة. توجد شهادات كافية من مقاتلين وطيارين تم منعهم من اطلاق النار في مواجهة الخطر خشية من الاضرار بالمارة. ولا يشير معدل الخسائر الفلسطينية – 74 الف قتيل تقريبا، ثلثهم على الأرجح من عناصر حماس والجهاد الإسلامي – الى وجود عملية إبادة منهجية ومخطط لها.
ان ما حدث في قطاع غزة خلال أجزاء من القتال هو امر صعب ومقلق بحد ذاته، ويتطلب نظرة فاحصة ومراجعة ذاتية، لتجنب تكرار الأخطاء والتجاوزات في الحروب التي قد تندلع هنا في المستقبل. بدلا من ذلك تنشغل إسرائيل باثارة الفوضى وملاحقة مخرجين في الداخل وإظهار التظاهر بالاستقامة في الخارج. قد يساعد كل ذلك نتنياهو على ايقاظ قاعدته الشعبية قبل الانتخابات، لكن يصعب تصديق انه يوجد لذلك أي فائدة أخرى.
بقلم: عاموس هرئيلِ المحلل العسكري لصحيفة هآرتس

