المسار :تتجه منطقة الشرق الأوسط نحو واحدة من أخطر لحظاتها التاريخية مع تصاعد احتمالات المواجهة بين إيران من جهة، وكلٍّ من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال من جهة أخرى.
هذه الحرب لن تكون مجرد صراع عسكري تقليدي، بل زلزالاً سياسياً وأمنياً سيعيد ترتيب أولويات المنطقة والعالم، وسيترك بصماته العميقة على القضية الفلسطينية بوصفها قلب الصراع في الشرق الأوسط.
أول التداعيات المحتملة يتمثل في تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، ففي ظل الحرب ستتحول الأنظار والموارد الدبلوماسية والإعلامية نحو إدارة الصراع الأوسع، ما يمنح دولة الاحتلال هامشاً أكبر للتحرك على الأرض بعيداً عن الضغوط الدولية.
هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام تسريع مشاريع الاستيطان، وتكريس وقائع جديدة في الضفة الغربية والقدس، مستفيدة من انشغال العالم بأزمة أكبر وأكثر إلحاحاً.
لكن الوجه الآخر للعملة يشير إلى احتمال معاكس؛ إذ قد تؤدي الحرب إلى إعادة وضع القضية الفلسطينية في صلب المعادلة الإقليمية، خصوصاً إذا توسعت المواجهة إلى جبهات قريبة من الأراضي الفلسطينية أو ارتبطت بها سياسياً وعسكرياً.
في أوقات الحروب الكبرى، تميل الجبهات المشتعلة أصلاً إلى الانفجار، فالأراضي الفلسطينية — وخاصة قطاع غزة — قد تتحول إلى ساحة مواجهة مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر عمليات عسكرية أو ردود فعل متبادلة.
كما أن أي استنزاف عسكري لدولة الاحتلال قد يدفعها إلى تشديد قبضتها الأمنية في الضفة الغربية، ما يعني زيادة الاعتقالات والاقتحامات والقيود على الحركة، في محاولة لمنع فتح جبهة داخلية جديدة.
قد تستخدم دولة الاحتلال الحرب لتبرير سياسات أكثر صرامة تجاه الفلسطينيين تحت عنوان “التهديد الوجودي”، وهو خطاب يتكرر في لحظات الأزمات الكبرى. في المقابل، قد تسعى أطراف إقليمية إلى تقديم نفسها كمدافع عن القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيتها الشعبية والسياسية، وهنا تتحول القضية من ملف حقوقي وسياسي إلى ورقة ضمن صراع النفوذ، ما يهدد بتغييب جوهرها الأساسي المتمثل في حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير.
أي حرب واسعة ستنعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في الأراضي الفلسطينية، سواء بسبب تعطّل سلاسل الإمداد أو تراجع المساعدات الدولية أو تشديد القيود على الحركة والتجارة.
كما أن احتمالات النزوح أو تدهور الخدمات الأساسية تصبح أعلى في ظل بيئة إقليمية مضطربة، ما يفاقم معاناة مجتمع يعاني أصلاً من ظروف استثنائية منذ سنوات طويلة.
إذا أدت الحرب إلى إضعاف أحد الأطراف الرئيسية، فقد ينعكس ذلك على طبيعة الصراع الفلسطيني مع دولة الاحتلال. ضعف دولة الاحتلال — إن حدث — قد يفتح نافذة سياسية جديدة، لكنه قد يدفعها أيضاً إلى ردود فعل أكثر عنفاً لتعويض خسائرها واستعادة الردع.
أما إذا خرجت دولة الاحتلال من الحرب أكثر قوة، فقد يترجم ذلك إلى تشدد أكبر في فرض رؤيتها للحل، وربما تقليص فرص التسوية السياسية لسنوات طويلة.
الحرب بين إيران وأمريكا ودولة الاحتلال لن تكون مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل مستقبل الشرق الأوسط. وفي قلب هذه التحولات، ستظل القضية الفلسطينية الأكثر تأثراً، سواء عبر التهميش أو الاستغلال أو الانفجار الميداني.
إن مصير الفلسطينيين في مثل هذا السيناريو سيعتمد إلى حد كبير على مسار الحرب ونتائجها، لكن الثابت أن الشعوب — لا سيما الشعوب الواقعة تحت الاحتلال — هي التي تدفع دائماً الكلفة الأعلى لصراعات القوى الكبرى.
في عالم يشبه رقعة شطرنج مشتعلة، قد تتحرك القطع بسرعة، لكن المربعات التي تقف عليها الشعوب تبقى هي الأكثر احتراقاً. والدرس القديم الذي لا يشيخ: حين تتصارع الإمبراطوريات، يصبح الضعفاء وقود التاريخ لا كُتّابه.
![]()

