اعتقال النساء الفلسطينيات: كسرٌ للنسيج العائلي تحت قبضة القمع وتصاعد غير مسبوق منذ الحرب على غزة

المسار: في عمق الليل، حين يظن الأطفال أن البيوت ملاذٌ أخير من الخوف، تقتحم قوات الاحتلال الأبواب المحطمة، وتسرق الأمهات من أسرّتهن، تاركة خلفها أطفالًا مذعورين، وبيوتًا معلقة بين الصدمة والانتظار.

ومنذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، تصاعدت حملات اعتقال النساء الفلسطينيات في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق، لتتحول الأم، والطالبة، والصحفية، والمريضة، وحتى الطفلة، إلى هدف مباشر لآلة القمع.

وخلف أرقام الاعتقال تقف حكايات موجعة لعائلات تمزقت، وأبناء حُرموا من أمهاتهم، ونساء يواجهن في السجون العزل والإهانة والتجويع والتعذيب.

واستكمالًا لسلسلة التقارير الخاصة بيوم الأسير الفلسطيني، تُسلّط هذه المادة الضوء على واقع الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال، والمعاناة الممتدة لأسرهن عقب اعتقالهن، ضمن ملف “الأسرى الفلسطينيون.. المعذبون المنسيون”.

حين يُقتلع قلب البيت فجرًا

يروي حازم الفاخوري، زوج الصحفية المعتقلة لمى خاطر، أن اعتقال زوجته شكّل صدمة قاسية للعائلة، كما هو حال كل أهالي الأسرى الفلسطينيين، لكن الصدمة هذه المرة كانت مضاعفة.

يقول إن اعتقال لمى لم يكن متوقعًا أصلًا في هذه المرحلة، كما أن الظروف الصعبة التي عاشتها العائلة سابقًا، ويعيشها الأسرى والأسيرات اليوم، جعلت وقع الاعتقال أشد قسوة.

ويضيف أن اعتقال لمى بعد السابع من أكتوبر ترك أثرًا بالغًا على الأسرة، وفرض ضغطًا نفسيًا كبيرًا على الأبناء، خاصة أن الاحتلال اعتقله هو الآخر في الفترة نفسها، ما اضطر ابنتهما الكبرى إلى ترك عملها كممرضة في المستشفى الاستشاري برام الله، والعودة إلى الخليل للبقاء في المنزل ورعاية إخوتها.

ويؤكد أن العائلة تعيش منذ أكثر من 20 عامًا حالة مستمرة من عدم الاستقرار، إذ لا يكاد يمر عام دون أن يُعتقل أحد أفراد الأسرة.

وفي تفاصيل ليلة الاعتقال الأخيرة، يقول الفاخوري إن الساعة كانت الثانية فجراً بتاريخ 23 مارس/آذار 2026، حين فوجئت العائلة بمجموعة من الجنود يحطمون باب المنزل ويقتحمونه بينما الجميع نيام، جرى عزله هو وأبناؤه في غرفة منفصلة، فيما قامت مجندات بتفتيش لمى وتقييدها وتعصيب عينيها واقتيادها بعد مصادرة هاتفها المحمول.

ويصف المشهد بأنه لحظة صدمة وذهول وخوف شديد على لمى، خاصة حين جرى تقييدها وعصب عينيها أمام أطفالها.

تهديد بالقتل والاغتصاب

يشير الفاخوري إلى أن الاحتلال لم يعد بحاجة إلى أي مبرر لاعتقال الفلسطينيين، فمجرد استياء ضابط أو مسؤول من شخص ما قد يكون كافيًا لإصدار أمر اعتقال، مستشهدًا بتوسع سياسة الاعتقال الإداري دون توجيه تهم معلنة.

ويقول إن لمى اعتُقلت مرة قبل أحداث السابع من أكتوبر، ثم اعتُقلت مجددًا خلال الحرب، لكن الفارق بين الاعتقالين كبير وواضح، ففي الاعتقال الأخير تعرضت للتهديد بالقتل والاغتصاب، وكان الاعتقال أكثر عنفًا، بينما تعيش العائلة اليوم ألمًا إضافيًا يتمثل في انعدام المعلومات عنها.

ويضيف أن المحامي تمكن من زيارتها في الأيام الأولى، وأبلغهم أنها تعاني من صداع شديد بعد مصادرة نظاراتها، إلى جانب تعرضها للقمع والشتم والإهانة.

ويرى الفاخوري أن الاحتلال يريد توجيه رسالة للفلسطينيين بأن صفقات الإفراج التي جرت خلال الحرب لا قيمة لها، بعدما أعاد اعتقال عدد كبير ممن أُفرج عنهم، وكانت لمى واحدة منهم.

ضرب متعمد للنسيج العائلي

ويتابع الزوج المعتقل سابقًا أن الأسرة اليوم تعيش ضغطًا نفسيًا خانقًا، خاصة بوجود ابن يستعد لامتحان الثانوية العامة ويحتاج إلى الاستقرار، وطفل في الصف الرابع يحتاج إلى متابعة يومية، فيما يحاول هو بعد انتهاء عمله أن يمنح أبناءه ما تبقى من وقته وجهده.

ويشدد على أن قضية لمى ليست إلا مثالًا فرديًا لمعاناة أوسع تعيشها الأسيرات الفلسطينيات وعائلاتهن، مضيفًا أن الحديث عنها هو محاولة لتوثيق هذه المرحلة القاسية التي يمر بها الأسرى والأسيرات.

ويعبّر عن خيبة أمل عميقة من صمت المؤسسات الدولية والحقوقية، قائلاً إن العائلة وصلت إلى قناعة بعدم جدوى مخاطبتها، معتبرًا ذلك صرخة في وجوه تلك المؤسسات لعلها تدرك حجم الألم والإجحاف الواقع على الأسرى وذويهم.

86 أسيرة و700 حالة اعتقال منذ الحرب

من جانبها، تقول مديرة الإعلام في نادي الأسير أماني سراحنة، إن قوات الاحتلال صعّدت اعتقال النساء الفلسطينيات في الضفة الغربية منذ حرب الإبادة على غزة.

وبلغ عدد الأسيرات في سجون الاحتلال 86 أسيرة، وهو رقم سُجل في ذروة حملات الاعتقال التي أعقبت الحرب.

وتوضح أن أكثر من 700 فلسطينية من الضفة الغربية تعرضن للاعتقال منذ بداية الحرب، في ظل غياب إحصائية دقيقة لعدد المعتقلات من قطاع غزة والداخل الفلسطيني المحتل.

وتشير إلى أن الفئات العمرية المستهدفة تراوحت بين 18 و45 عامًا، لكن الاعتقالات طالت أيضًا مسنات وطفلات وحتى رضيعات كنّ برفقة أمهات معتقلات، خصوصًا من غزة، ما يعني أن الاستهداف طال مختلف الأعمار والمناطق الفلسطينية.

ذرائع جاهزة

وتبين سراحنة أن أبرز الذرائع المستخدمة لاعتقال النساء تتمثل في “الملف السري” ضمن سياسة الاعتقال الإداري، التي تستخدمها سلطات الاحتلال لتقويض أي حالة فاعلة في المجتمع الفلسطيني.

ويستخدم الاحتلال أيضًا تهمة “التحريض” على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع، وكانت من أبرز التهم الموجهة للفلسطينيات المعتقلات.

وتؤكد أن الأسيرات تعرضن لكل الانتهاكات التي يواجهها الأسرى الفلسطينيون، بدءًا من لحظة الاعتقال عبر الضرب والإذلال والإهانة والألفاظ الخادشة للحياء، وصولًا إلى حالات تحرش خلال الاعتقال.

عزل وتجويع وكلاب بوليسية

وتصف سراحنة ظروف احتجاز الأسيرات بأنها شديدة القسوة، إذ يعشن في عزلة شبه تامة، ولا توجد وسيلة للتواصل معهن إلا عبر الطرق القانونية وعلى فترات متباعدة.

وتضيف أن قوات الاحتلال تنفذ بحقهن عمليات قمع متكررة باستخدام الكلاب البوليسية، والغاز، والضرب، والتفتيش العاري، إلى جانب التجويع، والعزل الانفرادي، والتصوير أثناء الاقتحامات، وحرمانهن من أبسط الاحتياجات الأساسية مثل الفوط الصحية.

وتلفت إلى وجود 25 أسيرة معتقلة إداريًا بينهن طفلة، مؤكدة أن هذا الرقم لا يشمل جميع من اعتُقلن إداريًا منذ بداية الحرب، إذ يقدَّرن بالعشرات.

وتشير سراحنة إلى أن من بين الأسيرات 40 أمًا فلسطينيات، ما يجعل آثار الاعتقال تمتد إلى الأطفال والعائلة كاملة، خاصة مع وجود حالات سابقة لأمهات حوامل داخل الأسر.

وتوضح أن بين الأسيرات أيضًا طالبات جامعيات وصحفيات وقريبات شهداء وأسرى، إضافة إلى أسيرات يعانين من أمراض خطيرة، بينهن أسيرتان مصابتان بالسرطان.

وترى أن اعتقال النساء يهدف إلى ضرب النسيج الاجتماعي والأمان العائلي للبيت الفلسطيني، وجعل همّ كل عائلة هو معاناة أسيرتها بدل مواجهة الاحتلال.

ويُحيي الفلسطينيون كل عام ذكرى يوم الأسير الفلسطيني في 17 نيسان/أبريل، وهي مناسبة وطنية اعتمدها المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974. وتحل هذا العام بينما أُقر الكنيست الإسرائيلي “قانون إعدام الأسرى”، تزامنًا مع ممارسة سياسة “التجويع” بحق الأسرى.

ويمثل هذا اليوم رمزًا لنضال آلاف الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال، ويأتي هذا العام في ظل واقع هو الأكثر قسوة ودموية في تاريخ الحركة الأسيرة.

واختير هذا التاريخ تخليدًا لذكرى إطلاق سراح أول أسير فلسطيني، محمود بكر حجازي، في أول عملية تبادل أسرى عام 1971.

وتشير بيانات المؤسسات الحقوقية المختصة بأخبار وشؤون الأسرى إلى أرقام صادمة؛ حيث بلغ إجمالي عدد الأسرى في سجون الاحتلال نحو 9600؛ بينهم قرابة 3300 معتقل إداري، و73 أسيرة، ونحو 360 طفلًا.

وتستمر الفعاليات هذا العام تحت شعار “معًا لوقف إعدام الفلسطينيين”، بمسيرات مركزية في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، ووقفات تضامنية خارج فلسطين، للمطالبة بتدخل دولي عاجل لوقف الانتهاكات التي تصفها المنظمات الحقوقية بـ”جرائم حرب”.

المصدر: قدس الأنباء

Share This Article