كتب سمير حمدان : الأجهزة تقود والتنظيم يتراجع… فهل بقيت فتح حركة تحرر أم أصبحت نظام سلطة؟؟

المسار: لم تكشف نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح فقط هوية اللجنة المركزية الجديدة، بل كشفت التحول العميق الذي أصاب الحركة نفسها، لأن القضية لم تعد تتعلق بمن فاز أو خسر داخل المؤتمر، بل بطبيعة القوة التي أصبحت تحكم فتح، وكيف انتقل مركز الثقل تدريجيًا من التنظيم السياسي إلى شبكات السلطة والأمن والإدارة، حتى بدا المؤتمر أقرب إلى إعادة ترتيب بنية الحكم منه إلى إعادة إنتاج مشروع وطني جديد .

إعادة انتخاب محمود عباس، وصعود شخصيات تجمع بين النفوذ الأمني والإداري والرمزية التاريخية، عكس محاولة للحفاظ على توازن حساس بين شرعية الثورة ومنطق السلطة، لكنه كشف أيضًا أزمة أعمق، فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود لم تعد تتحرك بالعقل السياسي نفسه الذي صنع حضورها التاريخي، بل بعقل سلطة تخشى الانفجار الداخلي أكثر مما تمتلك القدرة على إنتاج أفق جديد .

فتح في بدايتها لم تكن حزب حكم ولا جهاز إدارة، بل حركة تحرر نجحت في تحويل الفلسطيني من قضية لجوء إلى قضية وطنية حاضرة داخل النظام الدولي، وكانت شرعيتها تقوم على التعبئة والرمزية النضالية والقدرة على إنتاج معنى سياسي جامع، لا على البيروقراطية أو الأجهزة أو المصالح المرتبطة بالحكم، ولهذا امتلكت لعقود قدرة استثنائية على تمثيل الفلسطينيين داخل الوطن والشتات معًا .

لكن الدخول في معادلة الحكم بعد أوسلو غيّر طبيعة الحركة تدريجيًا، فمنذ أن بدأت فتح تتحرك بعقل الدولة قبل أن تمتلك دولة فعلية، تضخمت الأجهزة، واتسعت البيروقراطية، وتحول النفوذ من التنظيم إلى الإدارة، ومن السياسة إلى إدارة التوازنات اليومية تحت سقف احتلال وضغوط إقليمية ودولية معقدة، وهنا بدأت الحركة تفقد تدريجيًا قدرتها على إنتاج مشروع تحرري متجدد، مقابل صعود منطق الاستقرار والسيطرة والحفاظ على بنية السلطة القائمة .

المشكلة ليست في وجود أجهزة أمنية قوية داخل سلطة تواجه احتلالًا وانقسامًا، فهذا أمر طبيعي، لكن الخطر يبدأ عندما تصبح الأجهزة أقوى من التنظيم، وعندما يتحول المؤتمر الحركي من مساحة لإنتاج رؤية سياسية إلى آلية لإعادة توزيع النفوذ داخل بنية الحكم نفسها، لأن الحركة التي تعجز عن تجديد ذاتها سياسيًا تتحول تدريجيًا من حركة تقود المجتمع إلى سلطة تدير أزماته اليومية فقط .

ما كشفه المؤتمر الثامن أيضًا أن فتح لم تحسم سؤال المستقبل، فهي ما تزال تحاول الجمع بين منطق الثورة ومنطق الدولة، وبين شرعية التاريخ وضغوط الجيل الفلسطيني الجديد، لكن هذا التوازن يقترب من حدوده القصوى، لأن الفلسطينيين اليوم لا يعيشون فقط أزمة خلافة سياسية، بل أزمة ثقة عميقة بقدرة النظام الفلسطيني كله على إنتاج مشروع وطني واضح في ظل الحرب والانقسام وتآكل المؤسسات وانسداد الأفق السياسي .

الخطر الأكبر أن تتحول اللجنة المركزية الجديدة إلى مجلس لإدارة التوازنات الداخلية بدل أن تصبح مركزًا لإعادة بناء المشروع الوطني، لأن فتح لا تواجه اليوم خلافًا تنظيميًا عابرًا، بل سؤالًا وجوديًا يتعلق بوظيفتها التاريخية نفسها، هل ستبقى حركة تحرر قادرة على إنتاج رؤية وطنية جديدة، أم تتحول نهائيًا إلى عمود فقري لسلطة محدودة الصلاحيات تخشى انهيار بناها أكثر مما تخشى ضياع مشروعها السياسي .

ومع ذلك، ما تزال نافذة الفرصة مفتوحة وإن كانت تضيق سريعًا، ففتح ما تزال تمتلك تاريخًا ورمزية وحضورًا واسعًا داخل مؤسسات النظام الفلسطيني، لكن الحفاظ على هذه القوة يتطلب تحولًا حقيقيًا يبدأ بإحياء الحياة الداخلية للحركة، وفتح المجال أمام جيل سياسي جديد، وفصل القرار الوطني عن شبكات المصالح الأمنية والإدارية، وإعادة تعريف العلاقة بين الحركة والسلطة ومنظمة التحرير، بحيث تعود السلطة أداة في خدمة المشروع الوطني لا إطارًا يحدده ويقيده .

في النهاية، لم يعد السؤال بعد المؤتمر الثامن هل ستبقى فتح القوة الأكبر داخل النظام الفلسطيني، بل أي فتح ستبقى، فتح الحركة الوطنية القادرة على إعادة إنتاج مشروع تحرر في زمن الانهيار، أم فتح السلطة التي تواصل إدارة الحاضر بينما تفقد تدريجيًا القدرة على تخيل المستقبل نفسه.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسارالإخباري

Share This Article