وفي مطالعة لأرشيف ذاك الزمن، بدا بارزا جدا التداخل في الهويات العربية، وكيف تجلى إبداعا في فلسطين. ومعه ذابت الزوايا الهوياتية دون تقصد، بل بانسياب تلقائي. وخير مثال على ذاك الحال العربي قبل غرس الكيان الصهيوني في فلسطين، الراحل الكبير حليم الرومي، الذي انشغل كثيرون بهويته: «لبناني.. فلسطيني»؟ وأظنه لو كان حيا لرفض منطق الحوار من أساسه، ولأعلن، هو الذي رافق والديه إلى فلسطين في عمر السنتين، ثم قصد مصر شابا يافعا للدراسة الموسيقية: «كل بلاد العرب أوطاني». الرومي مثال، وغيره كثيرون كانوا في فلسطين قبل النكبة، وبات صعبا بالنسبة لهم اختيار هذا الانتماء الهوياتي أو ذاك.
حليم الرومي.. من فلسطين إلى إذاعة لبنان
ولد حليم الرومي في صور سنة 1915 حاملا اسم عائلة البرادعي، وعاش في فلسطين ونطق بلسان أهلها، وفي مصر درس الموسيقى وعلق بشباك الغرام، واشتهر وقرر الاستقرار. ثم تلقى سنة 1950 دعوة لتنظيم الإذاعة اللبنانية، فأتى من القاهرة إلى بيروت. قرر المكوث ستة أشهر، لكنه استقر وبقي العمر كله. وحوّل الإذاعة إلى ما يشبه المعهد الموسيقي الصغير، وكان رئيسا للقسم الموسيقي لعقود، ومؤخرا أطلق اسمه على الأستوديو رقم 5 في الإذاعة.
فلسطين قبل النكبة… منارة للفن والعمل
الأثر الذي تركه حليم الرومي في الحياة الفنية العربية واللبنانية كبير. إنما اختياره الاسم الفني للشابة نهاد حداد، التي صارت فيروز، لا ينسى. وكان الرومي قد اكتشفها في فرقة الأخوين فليفل في الإذاعة، وسجّل معها ديو «عاشق الورد»، الأغنية التي لحّنها سنة 1950 من كلمات محمد السبّاع. كما لحّن لها «يا حمام يا مروح بلدك» من كلمات الشاعر المصري فتحي قورة سنة 1951، قبل انطلاقها مع الأخوين رحباني. وفي كلمات هذه الأغنية كم من الحنين والشوق، أثار أشجان الرومي الذي ألف مكانه الأول فلسطين، فأتى لحنه مغلفا بإطار من الوجد والتيه معا. والحضور المهم لحليم الرومي في رسم المسيرة الفنية المتصاعدة في لبنان ترك أثره في حياة وديع الصافي. فهو من نصحه بأن ينصرف للغناء الريفي. وهكذا صار ملكه المتوج، وما يزال رغم رحيله.
صبري الشريف.. الركن الثالث في التجربة الرحبانية
وإن كان لحليم الرومي أثره في بناء الأغنية اللبنانية، فإن ابن يافا صبري الشريف بنى، انطلاقا من بيروت، منارة ثقافية وفنية فلسطينية لبنانية وعربية. وله في حياة الأخوين رحباني وفيروز حكاية نجاح وتجارب فنية رائدة على مستويات كثيرة. وإلى جانب الأخوين، شكّل صبري الشريف الركن الثالث والمتين في مسيرة فنية متصاعدة على مدى سنوات.
“حوّل حليم الرومي الإذاعة اللبنانية إلى ما يشبه المعهد الموسيقي الصغير، وكان رئيسا للقسم الموسيقي لعقود”
ولد صبري الشريف في يافا سنة 1922، وكان يتمتع بثقافة فنية وموسيقية واسعة كوّنها في مسقط رأسه، يافا، عاصمة الثقافة الفلسطينية قبل النكبة، ومن خلال مطالعاته الكثيرة ودراسته في بريطانيا. شغل مهمة رئيس القسم الموسيقي في إذاعة الشرق الأدنى، وكان شغوفا بالبحث عن الفلكلور لتقديمه بحلة العصر، وفي الوقت نفسه محتفظا بأصالته. بعد النكبة انتقلت إذاعة الشرق الأدنى ومعظم العاملين فيها إلى قبرص، ومنهم صبري الشريف. وإثر العدوان الثلاثي على قناة السويس سنة 1956، والذي كانت تقوده بريطانيا «مؤسسة إذاعة الشرق الأدنى»، استقال معظم العاملين فيها، وكانوا فلسطينيين. اللقاء بين العقل الفني المدبر، وصاحب الإحساس الموسيقي المرهف صبري الشريف، والأخوين رحباني، بدأت بذوره تنمو قبل النكبة. فسنة 1948 أرسلته إذاعة الشرق الأدنى إلى بيروت في مهمة استطلاع وبحث عن من يحملان اسم «الأخوين رحباني». التقى عاصي أولا، وبينهما ولدت كيمياء سريعة، ومن ثم كل العائلة. عاصي كان منشغلا بالفلكلور ويتساءل عن كيفية تظهيره، وصبري الشريف كان مهتما بجمع فلكلور منطقة بلاد الشام وتظهيره أيضا، وبيده موازنة كبيرة رصدتها إذاعة الشرق الأدنى. وهكذا تلاقت الأهداف وتكاملت. صحيح أن معرفة شخصية عميقة جمعت بين صبري الشريف والأخوين، لكن التعاون الفني والمهني الموقع بالعقود الرسمية بدأ سنة 1959 وانتهى سنة 1973 مع ختام مسرحية «ناطورة المفاتيح». وطوال هذا الزمن، أسهم الشريف، المعروف بقلة الكلام وكثرة الأفعال، في تقديم فن الأخوين رحباني بأبهى صورة. كما قدم فيروز على خشبة المسرح، موليا اهتمامه لأدق التفاصيل والخطوات. ومع الأخوين حقق أحد أحلامه الفنية: البحث عن الفولكلور وتطويره وتقديمه بأبهى حلة.
أسس صبري الشريف مع الأخوين رحباني «الفرقة الشعبية اللبنانية»، وكان لهم مكتبهم المشترك في بدارو. تقاسموا إنتاج أعمالهم وأرباحها مثالثة. وبحسب تصريح صحافي لمنجد صبري الشريف، كان الفنانون المشاركون في المسرحيات الغنائية، بمن فيهم فيروز، يتقاضون أتعابهم عن كل عمل. علاقة عائلية وفنية متينة ربطت بين صبري الشريف والأخوين رحباني، ومن خلالهما مع الشاعر سعيد عقل. وكان الأخوان يطلقان على الشريف لقب «القائد»، فهما كانا يكتبان ويلحنان المسرحيات، ويتكفل «القائد» بكل ما تبقى. ولأن فيروز كانت شديدة الامتنان لصبري الشريف، طلبت في إحدى الجلسات من سعيد عقل أن يكتب قصيدة تغني ديانته، وهو الرجل الذي أولى كل اهتمام في تقديم ما أدته فيروز من أغنيات خاصة بالديانة المسيحية. وعلى الفور قال سعيد عقل «غنيت مكة»، وأكمل لاحقا أبيات قصيدته. إنها القصيدة / الأغنية الوحيدة التي أنشدتها فيروز لشخص وباسمه عربون وفاء، وهي التي لم تغن يوما لرئيس أو ملك أو أمير، ولم تزر قصر حاكم.
ولصبري الشريف حكايته مع رئيس الجمهورية الراحل كميل شمعون، الذي رغب مع زوجته زلفا في أن تكون الليالي اللبنانية في مهرجانات بعلبك سنة 1957 ذات نكهة لبنانية خالصة. اجتمع مع صبري الشريف وأبلغه بما يطمح إليه من ذاك الحفل في قلعة بعلبك. وكان اتفاق، وبدأ العمل. أسس الشريف فرقة رقص شعبي تولى تدريبها مروان ووديعة جرار، الفلسطينيان. وبعد شهرين من التمارين شهدت بعلبك حفلا من 40 دقيقة حمل اسم «الفن الشعبي اللبناني»، شارك فيه فيروز والأخوان رحباني، ووديع الصافي، ونصري شمس الدين، وفيلمون وهبي، وزكي ناصيف، وتوفيق الباشا وآخرون. حقق الحفل النجاح الذي تمناه شمعون وزوجته زلفا، التي كانت إلى جانب صبري الشريف طوال فترة التحضيرات. وهكذا «نيشن» شمعون صدر صبري الشريف بالجنسية اللبنانية، وهو الذي كان قد هدده ممازحا بالقتل أو الجنسية.
حكاية الإذاعة اللبنانية مع «صاحب الأمر»
يذكر الصحافي والكاتب الفلسطيني صقر أبو فخر، في أحد مقالاته، واقعة تشير إلى الاهتمام اللبناني بالنهل من التجربة الفلسطينية الرائدة، التي كانت تحتاجها إذاعة لبنان. فمع نهاية أحداث 1958 وصلت إلى منازل كل من غانم الدجاني، وصبحي أبو لغد، وعبد المجيد أبو لبن في بيروت سيارات جيب عسكرية، حيث طلب إليهم «صاحب الأمر»، الضابط اللبناني أحمد الحاج، العمل في الإذاعة اللبنانية والإشراف على تطويرها. وكان قد سمع عن تميزهم، وأراد أن تستفيد الإذاعة من خبراتهم التي اكتسبوها في إذاعة الشرق الأدنى.
“شكّل صبري الشريف، إلى جانب الأخوين رحباني، الركن الثالث والمتين في مسيرة فنية متصاعدة على مدى سنوات”
وتحدث الأخوان الياس وفكتور سحاب، «المولودان في يافا والمفتونان بمكانهما الأول»، بإسهاب عن الإسهام الفلسطيني في الإذاعة اللبنانية وفي الموسيقى اللبنانية تحديدا، وذلك في العديد من مؤلفاتهما المشتركة أو المنفردة، والتي تناولت الموسيقى والغناء والمسرح في لبنان وبلاد الشام. وذكرا أن كامل قسطندي، الذي كان مديرا لـ»فرقة الأنوار للفنون الشعبية»، ترك أثره المميز في نجاحها وتألقها، فيما تولى مروان ووديعة جرار تشكيل وتدريب الفرقة. ونجحت «فرقة الأنوار» في تظهير الدبكة الاستعراضية في لبنان، دبكة أصبحت شائعة في مهرجانات الغناء والاستعراض، وشكلت جزءا من النهضة الفنية والموسيقية الراقصة اللبنانية.
وفي مقالة لفكتور سحاب عنوانها «دور فلسطين بين مصر ولبنان»، ذكر أن لبنان كانت له الحصة الكبرى من اللاجئين الفلسطينيين الفنانين والإداريين والإذاعيين الذين اكتسبوا خبرات جمة في إذاعة الشرق الأدنى. وكتب: «استقر في لبنان حليم الرومي وصبري الشريف ومحمد غازي وغانم الدجاني وعبد المجيد أبو لبن وكامل قسطندي ومصطفى أبو غربية، وغيرهم».
كامل قسطندي.. راعي الفن وصانع الذوق
إذن، تجارب العاملين في إذاعة الشرق الأدنى من الفلسطينيين، والتي تميزت بالثراء، صبت بعد الاستقالات الجماعية، إثر العدوان الثلاثي على مصر، لصالح إذاعات الدول العربية، وبخاصة إذاعة لبنان. وتحول العاملون في تلك الإذاعة إلى رواد في العمل الإذاعي، وتوزعوا بين سوريا، والمملكة العربية السعودية والأردن، وكان للبنان الحصة الكبرى. وفي الإنتاج الإذاعي الدرامي والفني لا بد من التوقف عند اسم كامل قسطندي، الذي رحل في أوائل سنة 2019 في بيروت، حيث استقر بعد استقالته وزملائه من إذاعة الشرق الأدنى في قبرص. فكامل قسطندي كان له باع طويل في العمل الإذاعي على مختلف مستوياته. وهو من أسس «فرقة الأنوار» للرقص الشعبي بطلب من الصحافي سعيد فريحة. كما تعاون مع الثري الفلسطيني بديع بولس في تأسيس مصنع أسطوانات حمل اسم «الشركة اللبنانية للتسجيلات الفنية».
ويقول صقر أبو فخر في مقال كتبه إثر رحيل كامل قسطندي إنه «كان المنتج الأول لبرامج القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية في بيروت. وكان له فضل كبير في نشر أعمال الفنانين والمسرحيين والكتاب والمثقفين عبر الإذاعة البريطانية، والإذاعات العربية. وكان صانعا للذوق والثقافة، وراعيا للفن، خصوصا في لبنان الذي نقلت إليه النكبة الفلسطينية فرقة موسيقية كاملة، كان من بين أعلامها حليم الرومي وفرح الدخيل وعبد الكريم قزموز وميشال بقلوق ورياض البندك وإحسان فاخوري وحنا السلفيتي وفريد السلفيتي».
تجارب العاملين في إذاعة الشرق الأدنى من الفلسطينيين، والتي تميزت بالثراء، صبت بعد الاستقالات الجماعية، إثر العدوان الثلاثي على مصر، لصالح إذاعات الدول العربية، وبخاصة إذاعة لبنان
وفي ظهور لكامل قسطندي في فيلم وثائقي حمل عنوان «الفلسطينيون في لبنان: التأثيرات المهمشة» للمخرج غابي الجمال، ذكر أن اللبنانيين «صابر الصفح، وفيلمون وهبي، وأيليا بيضا، وعازف البزق محمد عبد الكريم، وعازف الكمان إحسان فاخوري، وفرح الدخيل عازف التشيللو» عملوا جميعهم في فلسطين ولسنوات طويلة. وهم نزحوا إثر النكبة عائدين إلى لبنان. وهنا نعود إلى بدايات هذه الأسطر، حيث كان من الصعب إيجاد التأطير أو الانتماء الهوياتي بين فلسطيني، لبناني، مصري أو سوري. فما جمعهم كان الفن والإبداع والإحساس.
هامة فلسطينية أخرى كان لها أثرها في تلفزيون لبنان هو أستاذ اللغة العربية رشاد البيبي. كان سباقا في تقديم برامج الهواة عبر الشاشة الصغيرة. «الفن هوايتي» برنامجه الذي قدمته الراحلة الممثلة والمذيعة نهى الخطيب سعادة على مدى عامين، وغيره من البرامج.
“كان لفلسطين، إلى جانب كونها منارة للثقافة والفنون، أن تمثل قبلة للعمل والتجارة واستقرار العائلات”
بولس وبيدس واستوديو بعلبك
وشكل تأسيس استوديو بعلبك كمركز سمعي بصري أول في الشرق استثمارا رائدا في صناعة الثقافة من قبل الممولين الفلسطينيين ورجلي الأعمال بديع بولس ويوسف بيدس. وكان بديع بولس، كما سبق وذكرنا، قد أسس «الشركة اللبنانية للتسجيلات الفنية». في منطقة سن الفيل وبين أشجار الصنوبر كان استوديو بعلبك وما يزال، إنما غائبا عن السمع منذ الحرب الأهلية اللبنانية. في حينه كانت تجهيزات ذلك الأستوديو توازي أو تفوق كبريات الأستوديوهات في أوروبا. وشكل أول معمل سينمائي في الشرق. وكان كامل قسطندي من أوائل من عملوا مع بديع بولس ويوسف بيدس في تأسيس هذا الأستوديو. وفيما شغل صبري الشريف مهمة الإشراف والمسؤولية الموسيقية فيه، فهو كذلك أنجز تسجيلات كل أعمال الأخوين رحباني وفيروز في هذا المكان.
وفي الإنتاج الإذاعي الدرامي والفني لا بد من التوقف عند اسم كامل قسطندي
وهكذا ولد استوديو بعلبك من رحم تجربة مجموعة من المتميزين في إذاعة الشرق الأدنى، كان طموحهم استثمار الأولى وتطويرها سمعيا، وإضافة الجانب البصري إليها، والذي كان قد بدأ يتخذ مكانته الواسعة عالميا. وهكذا بات استوديو بعلبك مكانا للتسجيل والتصوير بأحدث التقنيات. استقبل هذا الأستوديو مشاهير كبارا من العالم العربي، بينهم محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، اللذان أنجزا فيه الكثير من التسجيلات. وكان للأخوين رحباني وفيروز حضور شبه دائم في هذا الأستوديو، نظرا للأعمال الفنية الكثيرة التي كانا يبدعانها وتسجلها فيروز بصوتها.
أسماء فلسطينية في نهضة الموسيقى اللبنانية
ومن الموسيقيين الفلسطينيين الذين أسهموا في نهضة الموسيقى في لبنان: جورج أبيض، عبد الكريم القزموز، مصطفى بكري هلال، ميشال بقلوق، إبراهيم عبد العال، عبود إبراهيم عبد العال، حنا السلفيتي، فريد وريشار السلفيتي، ويوسف الصفدي، عديل حليم الرومي، عازف الكمان والماندولين، وهو والد روبير الصفدي، صاحب أكبر مكتبة موسيقية عربية في العالم العربي. ومن الإذاعة اللبنانية ثمة صوت صباحي ذو نكهة واثقة دافئة كان ينتظره الكثيرون، إنه صوت ناهدة فضل الدجاني، وقد سمعناه لسنوات طوال، وتوقف مع الحرب الأهلية.

