المسار : قال المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدكتور عزمي بشارة، إن التفاهمات الأميركية الإسرائيلية بشأن المنطقة باتت تحل عمليًا محل القانون الدولي، مشيرًا إلى أن ما يسمى بالترتيبات الدولية المتعلقة بفلسطين أصبح يُصاغ بين واشنطن ودولة الاحتلال، ثم يُفرض على المجتمع الدولي والدول العربية.
وأوضح بشارة، في مقابلة صحافية، أن أولوية المرحلة الحالية تتمثل في توصيف النظام القائم في فلسطين بوصفه نظامًا استعماريًا استيطانيًا يقوم على الفصل العنصري، مؤكدًا أن تحقيق العدالة يتطلب تفكيك هذا النظام.
وأضاف أن شكل التسوية السياسية المستقبلية، سواء أكانت دولة واحدة ثنائية القومية أم دولتين، يبقى مرتبطًا بقناعة الأطراف بأن الواقع الحالي غير قابل للاستمرار.
وأشار إلى أن دولة الاحتلال تعمل على تحويل القضايا الفلسطينية واللبنانية، وجزء من ملف جنوب سورية، إلى ملفات داخلية إسرائيلية، مستفيدة من تفوقها العسكري وتراجع أولوية القضية الفلسطينية لدى عدد من الأنظمة العربية.
وفي تقييمه للمسارين العسكري والتفاوضي، قال بشارة إن كليهما أخفق في تحقيق أهدافه، موضحًا أن الكفاح المسلح لم ينجح بوصفه استراتيجية للتحرير، فيما فشل مسار المفاوضات أيضًا، إلا أن المقاومة بأشكالها المختلفة ستبقى قائمة نتيجة استمرار الاحتلال.
وأكد أن المهمة الأساسية في المرحلة الحالية هي تعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم، عبر توفير مقومات الحياة وبناء المؤسسات والحفاظ عليها، محذرًا من أن أي تنازلات تقدم في ظل اختلال موازين القوى لن تؤدي إلى نتائج سياسية، بل ستُمنح مجانًا.
ولفت إلى أن دولة الاحتلال تواصل خطط ضم الأراضي المحتلة عام 1967، إلى جانب سياسات تستهدف دفع الفلسطينيين إلى الهجرة.
وفي ما يتعلق بالرأي العام العالمي، رأى بشارة أن هيمنة الرواية الصهيونية بدأت بالتراجع، بينما تلجأ دولة الاحتلال وحلفاؤها إلى وسائل الضغط والإكراه لفرضها، مشيرًا إلى أن القضية الفلسطينية تكتسب وزنًا سياسيًا متزايدًا في المجتمعات الغربية.
وعن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، قال إن رحيل بنيامين نتنياهو قد يخفف من نفوذ المستوطنين داخل الحكومة ويُحسن نسبيًا ظروف صمود الفلسطينيين، لكنه لن يقود بالضرورة إلى حل سياسي أو تحقيق العدالة.
وأضاف أن أي حكومة إسرائيلية تخلف نتنياهو قد تكون أكثر استعدادًا للحوار مع القيادة الفلسطينية، وأقل اندفاعًا نحو ضم الأراضي، لكنها ستظل محكومة بالتفاهمات الأميركية الإسرائيلية.
وفي الشأن العربي، قال بشارة إن الشعوب العربية ما زالت متمسكة بمطلب العدالة للفلسطينيين، رغم تخلي أنظمة عربية عن القضية ومحاولات قمع التضامن الشعبي معها.
واعتبر أن إيران حاولت احتكار القضية الفلسطينية تحت عنوان دعم المقاومة، بهدف توسيع نفوذها الإقليمي، إلا أنه شدد على أن ذلك لا يبرر التطبيع مع دولة الاحتلال، التي لا تسعى إلى بناء تحالفات متكافئة مع الدول العربية، بل إلى إقامة علاقات تبعية.
وحول حزب الله، قال بشارة إن الحزب حاول الجمع بين مقاومة الاحتلال والتضامن مع الفلسطينيين وولائه لإيران، لكنه لم يتمكن بعد تحرير جنوب لبنان عام 2000 من تجاوز الإطار الطائفي أو الاندماج الكامل في الحياة السياسية اللبنانية.
وأضاف أن الحزب لم ينجح في التوصل إلى تسويات حقيقية تتيح وضع سلاحه تحت تصرف الدولة، بالتوازي مع الحفاظ على موقف لبناني رافض للاحتلال والتطبيع.
وفي تقييمه لمشاركة حزب الله في المواجهة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، قال إن الحزب لم يكن شريكًا في قرار العملية، لكنه وجد نفسه مدفوعًا إلى المواجهة بسبب شعاراته وموقعه السياسي، معتبرًا أن النتائج كانت كارثية على لبنان، كما كانت تداعيات الحرب كارثية على قطاع غزة.
وأشار إلى أن القيادة اللبنانية تتجه نحو التفاوض مع دولة الاحتلال وفصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني، معتبرًا أن الاتفاق الإطاري المفروض على لبنان جاء نتيجة ضغوط وإملاءات أميركية.
وأضاف أن دولة الاحتلال تسعى إلى تحويل لبنان إلى منطقة نفوذ أمني وسياسي، وفرض سيطرة مباشرة على أجزاء من الجنوب.
وفي الشأن السوري، شدد بشارة على أهمية الحفاظ على وحدة سورية ومنع انزلاقها إلى الفوضى والحرب الأهلية، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب بناء دولة تقوم على المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات ومحاربة الفساد.
ودعا الحكومة السورية إلى كسب ثقة سكان محافظة السويداء وتغيير الخطاب الذي ينظر إليهم باعتبارهم غرباء، خاصة في ظل التدخل الإسرائيلي المتزايد في الشأن السوري.
وختم بشارة بالتأكيد على ضرورة استثمار هامش حرية التعبير القائم في سورية لمناقشة القضايا الوطنية ومستقبل البلاد، بما يساهم في إنجاح المرحلة الانتقالية والحفاظ على وحدة الدولة.

