تهجير 30 تجمعًا وهدم 800 منشأة منذ 2023.. الاستيطان الرعوي يلتهم الأغوار ويدفع الفلسطينيين قسرًا نحو التهجير

المسار : لا تتوقف عجلة الاستيطان في الأغوار الفلسطينية عند حدود المستوطنات القائمة، بل تتسع يومًا بعد آخر عبر إقامة بؤر استيطانية جديدة، تتخذ غالبيتها طابعًا رعويًا، باتت تتمدد فوق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، لتفرض واقعًا جديدًا على الأرض.
ومع تسارع هذا التوسع، تتحول أجزاء من الأغوار إلى ساحة مفتوحة لمشروع استيطاني يسعى إلى تغيير ملامح المنطقة وفرض السيطرة الكاملة عليها، بالتوازي مع إجراءات عسكرية وأوامر تهدف إلى مصادرة مزيد من الأراضي وتوسيع المستوطنات وشرعنة البؤر القائمة.
وتسعى سلطات الاحتلال إلى ربط البؤر الاستيطانية بعمق الضفة الغربية، بما يعزز سيطرتها على الأحواض المائية والأراضي الخصبة الاستراتيجية في الأغوار الشمالية، فضلًا عن تقليص المساحات الرعوية ومنع الرعاة الفلسطينيين من الوصول إلى مراعيهم.
وتتخذ البؤر الرعوية في الأغوار من التوسع التدريجي وسيلة للاستيلاء على مساحات أكبر من الأراضي، مستفيدة من اعتداءات المستوطنين والقيود المفروضة على الفلسطينيين، ما يهدد التجمعات البدوية والزراعية ويدفع سكانها نحو الرحيل القسري.
ولا يقتصر خطر هذه البؤر على وجود مبانٍ متناثرة في مناطق رعوية، إذ سرعان ما تتحول إلى نقاط انطلاق لشبكة من الطرق والمسارات ومناطق النفوذ، بما يكرّس واقعًا استيطانيًا متصلًا يعزز السيطرة على مساحات جديدة من الأغوار، التي تشكل نحو ثلث مساحة الضفة.
هجمة شرسة
رئيس مجلس قروي فصايل في مدينة أريحا إبراهيم عبيات يقول إن مناطق الأغوار تتعرض لهجمة استيطانية شرسة، وعمليات هدم واقتلاع لا تتوقف، بهدف تهجير السكان الفلسطينيين وطردهم من أراضيهم.
ويوضح عبيات في حديث له  أن سلطات الاحتلال تسعى إلى زيادة عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وخاصة الرعوية، ومصادرة مساحات شاسعة من أراضي الفلسطينيين، بهدف منع  المزارعين من الوصول إلى أراضيهم ومصادرة رزقهم.
ويشير إلى أن عشرات البؤر الاستيطانية الرعوية الجديدة تتركز في مناطق أريحا، العوجا، والأغوار الشمالية، والتي يستخدمها المستوطنون كنقاط انطلاق للسيطرة على المراعي الفلسطينية وطرد رعاة الأغنام منها، والذين يتعرضون باستمرار لاعتداءات وملاحقة من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين.
ويوجد في محافظة أريحا، وفقًا لعبيات، أربع أو خمس قرى عربية أُقيمت فيها مستوطنات إسرائيلية قديمة، وليست جديدة، ويجري العمل عليها حاليًا والتوسع في البناء فيها.
وبعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يقول عبيات إن اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه في مناطق الأغوار شهدت تصاعدًا غير مسبوق، ما فاقم من معاناة السكان الفلسطينيين، فضلًا عن تهجير عشرات التجمعات البدوية بفعل تلك الاعتداءات.
ويؤكد على ضرورة دعم ومساندة صمود أهالي الأغوار في مواجهة مخططات الاقتلاع والتهجير القسري، وتوفير الحماية الكاملة لهم من اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه.
ورغم التوسع الاستيطاني، إلا أن السكان ما زالوا يتمسكون بمساكنهم ومنشآتهم وما تبقى من أراضيهم ومراعيهم، التي باتت محاصرة بالبؤر الاستيطانية ومهددة بالمصادرة والاستيلاء عليها.
تقويض الوجود
وأما المشرف العام لمنظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو المحامي حسن مليحات فيقول إن الأغوار، ولا سيما الأغوار الشمالية تشهد تصعيدًا غير مسبوق في وتيرة الانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال والمستوطنون بحق السكان الفلسطينيين.
ويوضح مليحات في حديثة  أن هذه الاعتداءات تأتي في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى تقويض الوجود الفلسطيني، وفرض وقائع جديدة على الأرض من خلال التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي والموارد الطبيعية، وخلق بيئة طاردة للفلسطينيين.
وتمثل هذه الاعتداءات والممارسات، وفقًا لمليحات، جزءًا من سياسة ثابتة تستهدف تغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للأغوار، وخاصة الشمالية التي تعد من أكثر المناطق الفلسطينية أهمية من الناحية الزراعية والاقتصادية والاستراتيجية.
انتهاكات متصاعدة
ويشير إلى أن الفترة الممتدة من عام 2023 وحتى عام 2026 شهدت تصعيدًا واسعًا في حجم الانتهاكات المرتكبة في الأغوار الشمالية والوسطى، إذ سجلت أكثر من 2,500 اعتداء على السكان والأراضي.
وحسب مليحات، فإنه جرى خلال تلك الفترة إنشاء وتوسيع نحو 50 بؤرة استيطانية رعوية في الأغوار الشمالية والوسطى، والسيطرة على 300 ألف دونم من الأراضي أو منع الفلسطينيين من الوصول إليها.
ويلفت إلى تضرر أكثر من 50 ألف دونم من الأراضي الزراعية والرعوية، وتعرض أكثر من 5,000 رأس من الأغنام والماشية للسرقة أو المصادرة أو الفقدان نتيجة الاعتداءات.
ويبين أن أكثر من 30 تجمعًا بدويًا ورعويًا تعرضوا لخطر التهجير أو الإخلاء الجزئي أو الكامل، فيما تأثرت أكثر من 1,000 عائلة فلسطينية نتيجة سياسات التضييق والتهجير.
ومنذ عام 2023، هدمت سلطات الاحتلال وصادرت أكثر من 800 منشأة، إضافة إلى إصدار أكثر من 1,200 إخطار وأمر هدم وإجراء إداري بحق منشآت أخرى، ومصادرة أكثر من 300 معدة زراعية وصهريج مياه وآلية مرتبطة بمصادر رزق السكان.
ويتابع أن سلطات الاحتلال تُواصل تنفيذ إجراءات عسكرية وإدارية تستهدف الوجود الفلسطيني، من خلال إصدار أوامر الهدم ووقف البناء، وتنفيذ عمليات هدم للمنازل والمنشآت، وإغلاق الطرق بالسواتر الترابية والحواجز العسكرية، ومنع حرية الحركة والتنقل، وإعلان مساحات واسعة كمناطق تدريب عسكري، وإجبار العائلات على إخلاء مساكنها بشكل مؤقت أو دائم، ما يفاقم من معاناة السكان.
ويؤكد مليحات أن التوسع في البؤر الاستيطانية الرعوية أصبح من أخطر أدوات السيطرة على الأراضي في الأغوار، وخاصة الشمالية، إذ يعمل المستوطنون على الاستيلاء التدريجي على الأراضي الرعوية ومنع وصول أصحابها إليها بالقوة، بما يؤدي إلى فرض واقع جديد يحد من قدرة الفلسطينيين على استغلال أراضيهم ويقوض وجودهم التاريخي في المنطقة
Share This Article