“التهور”.. بند قضائي إسرائيلي لتخفيف جرائم قتل الفلسطينيين وإفلات المستوطنين والشرطة من العقاب

تتكرر في المنظومة القضائية والتنفيذية الإسرائيلية آلية ممنهجة لتفريغ جرائم قتل الفلسطينيين من مضمونها الجنائي، سواء بالضفة الغربية أو داخل أراضي عام 1948، وذلك عبر إعادة تكييف التهم الجنائية وتخفيفها لمنع إدانة المستوطنين وجنود الاحتلال أو أفراد الشرطة.

وبرز مؤخراً، الاستخدام المكثف لبند “التسبب بالموت بتهور” أو “الإهمال” كغطاء قانوني يُسهم في محو معالم الجرائم وتبرئة الجناة وإفلاتهم من العقاب.

وتعتمد هذه السياسة القضائية على تحويل فعل إطلاق النار المباشر والاعتداء القاتل إلى مجرد تصرف “غير مسؤول” أو “حادث غير مقصود”، وهو ما يقلص الأحكام الصادرة بشكل حاد أو يمهد للإفراج عن القتلة بكفالات وإقامة جبرية.

وتتجلى هذه الآلية بشكل واضح في قضية أم الخير بمسافر يطا، حيث وُجهت للمستوطن ينون ليفي تهمة مخففة تتمثل بـ “التسبب بالموت بتهور”، بعد قتله للناشط عودة الهذالين أثناء تصديه لعمليات التجريف.

كما تكرر السيناريو ذاته، في النقب مع توجه قسم التحقيق مع أفراد الشرطة “ماحاش”، لتقديم لائحة اتهام مخففة بتهمة التسبب بالموت بتهور ضد الشرطي قاتل الشاب محمد الترابين، مسقطةً ركن القتل القصد أو الاستخدام غير المبرر للقوة القاتلة.

تصنيفات مخففة بالقانون الجنائي

وفي هذا السياق، يوضح المختص في علم الجريمة ضياء حاج يحيى، أن هذا البند يندرج ضمن التصنيفات المخففة في القانون الجنائي الإسرائيلي مقارنةً بالجريمة الأعلى والأشد خطورة وهي “القتل مع سبق الإصرار والترصد والتخطيط”.

ويشير حاج يحيى، إلى أن اختيار البند الأخف، يأتي نتيجة مسار متكامل تبدأه شرطة الاحتلال في مسرح الجريمة، مروراً بالنيابة العامة التي تقدم لائحة الاتهام.

ويصل الأمر، إلى المحكمة التي تقرر قبول هذه الأدلة أو جزء منها.

تخاذل وتساهل

ويرى حاج يحيى أن المؤسسات الإسرائيلية -من شرطة وجيش ونيابة ومحاكم- تبدو متخاذلة ومشهورة بالتساهل مع المستوطنين، خاصة بعد التغيرات السياسية الأخيرة ودخول حكومة اليمين، وما رافقه ذلك من انقلاب قضائي.

الانقلاب القضائي الذي أدى لتعيين قضاة يحملون أيديولوجيات يمنية متطرفة تشارك في التمييز وضمان التهاون مع الجناة، رافقه خضوع بعض القضاة لخوف وحملات تحريض وتخويف.

وحسب حاج يحيى، فإن هذه الكلمات تقودها الماكنة الإعلامية لليمين المتطرف، في حال صدور أحكام مشددة.

وتظهر المتابعة القانونية تفاوتاً صارخاً في تعامل جهاز النيابة والمحاكم، إذ يُلاحق الفلسطيني بتهم الإرهاب والقتل المباشر في أضيق الشبهات.

وفق ذات الوقت، تُمنح المنظومة الأمنية والمستوطنون، حصانة شبه كاملة عبر إغلاق الملفات لـ “عدم كفاية الأدلة” أو توجيه تهم لا تتناسب مع حجم الجريمة، يقول المختص بملفات الجرائم.

وفي هذا السياق، يؤكد حقوقيون ومتابعون قانونيون بالداخل، أن إدراج جرائم القتل المباشر تحت بند “التسبب بالموت بتهور” ليس مجرد خطأ في التقدير القانوني.

ويشددون على أن هذا البند، نهج سياسي لمنح الحصانة للمستوطنين وعناصر الشرطة، وهو ما يحول الجريمة إلى حادث عرضي، يكرس سياسة الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار الاعتداءات.

Share This Article