المسار : واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الثلاثاء، عمليات القصف وإطلاق النار واستهداف المناطق السكنية وخيام النازحين في أنحاء متفرقة من قطاع غزة، في خروقات متواصلة لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي والمسير، وسط تدهور متواصل في الأوضاع الإنسانية والصحية.
وأعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة وصول شهيد وإصابة إلى مستشفيات القطاع خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ليرتفع بذلك عدد الشهداء منذ بدء الحرب في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 73 ألفًا و387 شهيدًا، فيما بلغ عدد المصابين 174 ألفًا و257 مصابًا.
وأوضحت الوزارة أن حصيلة الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2025 ارتفعت إلى 1,259 شهيدًا، إضافة إلى 4,146 مصابًا، فيما جرى انتشال 807 شهداء من تحت الأنقاض.
وأكدت أن أعدادًا أخرى من الضحايا لا تزال تحت الركام وفي الطرقات، في ظل صعوبات كبيرة تواجه طواقم الإسعاف والدفاع المدني في الوصول إلى المناطق المتضررة وانتشال الضحايا، بسبب حجم الدمار ونقص المعدات والقيود الميدانية.
قصف متواصل في عدة مناطق
ميدانيًا، واصلت قوات الاحتلال خروقاتها لوقف إطلاق النار عبر القصف المدفعي وإطلاق النار واستهداف المناطق السكنية ومواقع إيواء النازحين.
وأطلقت الدبابات الإسرائيلية نيرانًا كثيفة باتجاه المناطق الشرقية لمدينة دير البلح وسط القطاع، فيما تعرضت مناطق جنوبي وشرقي مدينة خان يونس لإطلاق نار من الآليات العسكرية.
كما استهدفت القوات الإسرائيلية المناطق الشرقية لبلدة بيت لاهيا شمالي القطاع، إلى جانب إطلاق النار في منطقة مواصي رفح.
وفي شمال القطاع، تعرضت مدينة بيت لاهيا لقصف مدفعي، بينما طال القصف مناطق شرقي مدينة غزة، بالتزامن مع تحليق مكثف للطائرات الحربية والطائرات المسيرة على ارتفاعات منخفضة في أجواء خان يونس.
وفي مدينة غزة، استهدفت المدفعية الإسرائيلية محيط مفترق السنافور في حي التفاح شرقي المدينة.
كما أفادت مصادر ميدانية بقصف مدفعي طال مخيم البريج وسط القطاع وبيت لاهيا شمال غربي غزة.
الأمم المتحدة: 160 شهيدًا خلال يوليو
وتزامن التصعيد مع استمرار التحذيرات الدولية من تدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع.
ووفق معطيات أممية، أسفرت الهجمات الإسرائيلية خلال شهر تموز/يوليو وحده عن استشهاد 160 فلسطينيًا، رغم استمرار وقف إطلاق النار.
وأشارت المعطيات إلى أن أكثر من 1200 فلسطيني استشهدوا منذ بدء سريان الهدنة في تشرين الأول/أكتوبر 2025، فيما تواصلت الهجمات في مناطق مكتظة بالسكان والنازحين، بما فيها منطقة المواصي.
وبحسب الخبراء الأمميين، وقعت غالبية الوفيات الأخيرة خارج نطاق ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، فيما لم تستثنِ الهجمات النساء والأطفال وكبار السن، بمن فيهم الذين لجؤوا إلى الخيام والمناطق التي اعتقدوا أنها أكثر أمانًا.
وأكدت التحذيرات الأممية أن الظروف القائمة في القطاع جعلت المدنيين يواجهون خطرًا مستمرًا، في ظل غياب أماكن آمنة فعليًا للنازحين.
آلاف الجثامين لا تزال تحت الأنقاض
وفي جانب آخر من الكارثة الإنسانية، حذر الدفاع المدني في قطاع غزة من أن آلاف جثامين الشهداء لا تزال عالقة تحت أنقاض المباني المدمرة.
وقال الناطق باسم الدفاع المدني محمود بصل إن عمليات هدم ونقل ركام المباني المدمرة تتواصل، رغم وجود جثامين تحت الأنقاض.
وأوضح أن فرق الإنقاذ تواجه صعوبات كبيرة في الوصول إلى الضحايا وانتشال الجثامين، نتيجة نقص المعدات والإمكانات اللازمة، إلى جانب القيود المفروضة على حركة فرق الدفاع المدني والوصول إلى المناطق المتضررة.
ودعا إلى تمكين فرق الإنقاذ من الوصول إلى جميع المناطق المدمرة وانتشال الجثامين، بما يضمن دفن الضحايا والحفاظ على كرامتهم وفق القواعد الإنسانية.
الحرب تضرب تعليم الأطفال
ولم تقتصر آثار الحرب على الخسائر البشرية والدمار المادي، إذ امتدت إلى قطاع التعليم، ولا سيما مرحلة الطفولة المبكرة.
وتشير بيانات وزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2022/2023 إلى أن قطاع رياض الأطفال في غزة كان يضم 619 روضة، تستقبل نحو 65 ألفًا و969 طفلًا وطفلة، بينهم 38 ألفًا و632 طفلًا في مرحلة التمهيدي و27 ألفًا و337 طفلًا في مرحلة البستان.
وأدى توقف معظم رياض الأطفال وتعطل برامج التهيئة المدرسية إلى حرمان أعداد كبيرة من الأطفال من مرحلة تعليمية أساسية، الأمر الذي قد يترك آثارًا طويلة الأمد على مسارهم التعليمي وقدرتهم على الاندماج في المراحل الدراسية اللاحقة.
إجلاء مرضى عبر معبر رفح
وفي ظل تدهور الوضع الصحي، غادر 72 فلسطينيًا قطاع غزة عبر معبر رفح، بينهم 34 مريضًا و38 مرافقًا، بهدف تلقي العلاج خارج القطاع.
وتأتي عمليات الإجلاء الطبي في ظل استمرار الحاجة إلى تسهيل خروج المرضى، خصوصًا الحالات الحرجة، لتلقي خدمات طبية غير متوفرة داخل غزة بسبب الأضرار التي لحقت بالمنظومة الصحية ونقص الإمكانات الطبية.
تهديد يطال الصحفيين
وفي تطور آخر، أطلقت الآليات العسكرية الإسرائيلية نيرانًا مكثفة في المناطق الجنوبية من مدينة خان يونس، بالتزامن مع توجيه إشارة لإخلاء مجمع “خير الصحافيين” داخل مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة.
ويثير ذلك مخاوف متزايدة بشأن سلامة الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي الذين يواصلون أداء عملهم في ظل ظروف أمنية وإنسانية بالغة الخطورة.
الاحتلال يبرر إطلاق النار قرب “الخط الأصفر”
من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه رصد شخصًا قال إنه “قناص من حماس” قرب “الخط الأصفر” شمالي قطاع غزة، وادعى أنه شكّل “تهديدًا فوريًا”، قبل إطلاق النار باتجاهه.
وقال الجيش الإسرائيلي إن قواته تنتشر في المنطقة وفقًا للاتفاق، وإنها ستواصل التعامل مع ما تصفه بـ”التهديدات الفورية”.
ويأتي ذلك في وقت تتواصل فيه الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار واستمرار العمليات العسكرية في مناطق مختلفة من القطاع.
هدنة تتعرض لخروقات متواصلة
وتستمر الخروقات الإسرائيلية للهدنة وسط حصار مشدد، وقيود على دخول المساعدات الإنسانية، وتعطيل جهود الإغاثة وإعادة إعمار المناطق التي تعرضت لدمار واسع.
وتتزامن هذه التطورات مع حديث أميركي عن التوصل إلى “اتفاق جديد” للشروع في المرحلة الثانية من خارطة الطريق، في حين تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية على الأرض.
وكان اتفاق إنهاء الحرب والتهدئة في قطاع غزة قد أُعلن في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 بمدينة شرم الشيخ المصرية، بوساطة عربية وأميركية.
لكن استمرار القصف وإطلاق النار، إلى جانب سقوط ضحايا ووقوع أضرار في المناطق السكنية ومواقع النزوح، يعكس اتساع الفجوة بين الإعلان عن التهدئة وبين الواقع الميداني الذي يعيشه سكان القطاع.
ومع استمرار الخروقات، يبقى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح المعابر أمام المساعدات والإجلاء الطبي، إلى جانب بدء عملية إعادة الإعمار، من أبرز التحديات المطروحة أمام الأطراف والجهات الدولية، في وقت يواجه فيه سكان غزة أزمة إنسانية متفاقمة بعد حرب خلفت عشرات آلاف الشهداء ومئات آلاف المصابين ودمارًا واسعًا في مختلف القطاعات الحيوية.

