19 آب في الذاكرة الفلسطينية.. من 1917 إلى 2026 ومسيرة المقاومة وقوات الشهيد عمر القاسم في مواجهة الاحتلال

المسار : يحمل التاسع عشر من آب/أغسطس محطات متعددة في تاريخ القضية الفلسطينية، تمتد من سنوات الانتداب البريطاني وما رافقها من تصاعد المشروع الصهيوني، مرورًا بالنكبة والاحتلال والمقاومة، وصولًا إلى الحروب والحصار والتهجير الذي يعيشه الفلسطينيون حتى عام 2026.

ففي 19 آب/أغسطس 1917، كانت فلسطين تعيش مرحلة مفصلية سبقت التحولات الكبرى التي مهّدت لفرض الانتداب البريطاني وتكريس المشروع الصهيوني، بعد أشهر من وعد بلفور، فيما كانت بريطانيا تمضي في ترتيباتها السياسية والعسكرية التي ستؤثر بصورة مباشرة في مستقبل البلاد.

وفي 19 آب/أغسطس 1948، كانت فلسطين في قلب حرب النكبة، بعدما أدى احتلال المدن والقرى الفلسطينية إلى تهجير مئات آلاف الفلسطينيين، فيما كانت الهدنة الدولية تحاول وقف العمليات العسكرية دون أن تنهي واقع الاقتلاع الذي تعرض له الشعب الفلسطيني.

ومع احتلال الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة عام 1967، دخلت القضية مرحلة جديدة من الاحتلال العسكري والاستيطان ومصادرة الأرض، قبل أن تتحول القضية الفلسطينية بصورة متزايدة إلى ملف حاضر في قرارات الأمم المتحدة ومؤسساتها.

وكان 19 آب/أغسطس 1982 إحدى أبرز المحطات الدولية في هذا التاريخ؛ إذ اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال دورتها الاستثنائية الطارئة السابعة، ثلاثة قرارات متعلقة بالقضية الفلسطينية في اليوم نفسه. فقد اعتمدت القرار ES-7/6 بأغلبية 120 صوتًا مقابل صوتين و20 امتناعًا، مؤكدًا حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال الوطني، وداعيًا إلى إشراك منظمة التحرير الفلسطينية، ممثل الشعب الفلسطيني، في الجهود الرامية إلى إيجاد حل للقضية.

وفي الجلسة ذاتها، اعتمدت الجمعية العامة القرار ES-7/7 بأغلبية 123 صوتًا مقابل صوتين و18 امتناعًا، بشأن عقد مؤتمر دولي حول القضية الفلسطينية، كما اعتمدت القرار ES-7/8 الذي أقر 4 حزيران/يونيو يومًا دوليًا للأطفال الأبرياء ضحايا العدوان، في سياق تداعيات العدوان الإسرائيلي على لبنان وما تعرض له المدنيون، ولا سيما الأطفال الفلسطينيون واللبنانيون.

وبعد ذلك، حمل 19 آب/أغسطس 2004 مشهدًا آخر من المواجهة، إذ وثقت مؤسسات حقوقية فلسطينية استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، بما شمل سقوط ضحايا وهدم منازل وتجريف أراضٍ زراعية واعتقالات.

وفي 19 آب/أغسطس 2005، كان قطاع غزة يعيش لحظة مفصلية مع اقتراب إخلاء المستوطنات الإسرائيلية ضمن خطة فك الارتباط. وأفادت الأمم المتحدة بأن عمليات إخلاء عدد من مستوطنات القطاع كانت تتواصل، بينما شهدت مناطق أخرى عمليات هدم وإزالة للمباني. وفي المقابل، تجمع آلاف الفلسطينيين لأداء صلاة الجمعة وصلاة شكر عقب بدء إخلاء المستوطنات.

لكن الانسحاب من المستوطنات لم ينهِ السيطرة الإسرائيلية على القطاع، إذ استمرت في اليوم نفسه عمليات الاقتحام والاعتقال وإغلاق الطرق والمعابر في الضفة الغربية، وفق تقرير دائرة المفاوضات الفلسطينية الذي سجل عشرات الاعتداءات والمداهمات خلال الفترة الممتدة من 19 إلى 20 آب.

وفي 19 آب/أغسطس 2006، اقتحمت قوات الاحتلال منزل نائب رئيس الوزراء الفلسطيني آنذاك ناصر الدين الشاعر في رام الله واعتقلته، ضمن حملة اعتقالات طالت مسؤولين ونوابًا فلسطينيين في أعقاب أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.

وفي 19 آب/أغسطس 2007، تزامنت التطورات السياسية الفلسطينية مع أزمة إنسانية متصاعدة في قطاع غزة؛ إذ أعلن نائب رئيس المجلس التشريعي حسن خريشة عزمه الاستقالة احتجاجًا على استمرار تعطيل المجلس، بينما كانت محطة كهرباء غزة قد توقفت عن العمل بسبب أزمة الوقود، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن مئات آلاف الفلسطينيين، وتضرر إمدادات المياه نتيجة توقف المضخات.

وفي 19 آب/أغسطس 2011، انتقلت ذاكرة هذا التاريخ من القرارات الدولية إلى الميدان، إذ أعلنت كتائب المقاومة الوطنية (قوات الشهيد عمر القاسم) قصف مستوطنات ومواقع للاحتلال بـ5 صواريخ، ردًا على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

وبعد ثلاث سنوات، وفي 19 آب/أغسطس 2014، كانت غزة تحت وطأة العدوان الإسرائيلي، وفي اليوم ذاته انهارت هدنة مؤقتة بعد تمديدها 24 ساعة، عقب إطلاق صواريخ من القطاع وشن الاحتلال غارات على مناطق مختلفة من غزة. وكان أكثر من 238 ألف فلسطيني يحتمون في 81 مدرسة تابعة للأونروا، فيما احتاج نحو 100 ألف شخص إلى مساكن بديلة بعدما دمرت منازلهم أو تضررت بشدة.

وفي اليوم نفسه، أعلنت قوات الشهيد عمر القاسم قصف مستوطنة سديروت بثلاثة صواريخ، واستهداف موقع كرم أبو سالم العسكري بقذيفتي هاون، في رد على المجازر التي ارتكبها الاحتلال خلال عدوانه على قطاع غزة.

وفي 19 آب/أغسطس 2022، وثقت الأمم المتحدة سقوط فلسطينيين في حادثتين منفصلتين في نابلس وطوباس، بالتزامن مع تصعيد الاحتلال حملته ضد المؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية، بعدما اقتحمت قواته وأغلقت مكاتب سبع مؤسسات مجتمع مدني فلسطينية في اليوم السابق.

أما 19 آب/أغسطس 2024، فجاء في ظل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث أعلنت الأمم المتحدة أن أوامر إخلاء جديدة أثرت في نحو 13,500 فلسطيني في 18 موقعًا، فيما كان إجمالي المساحة التي شملتها أوامر الإخلاء قد وصل إلى نحو 86% من مساحة القطاع. وفي اليوم ذاته، أكدت وزارة الصحة الفلسطينية تسجيل أول حالة شلل أطفال مؤكدة لطفل يبلغ عشرة أشهر. كما أحيت الأمم المتحدة اليوم العالمي للعمل الإنساني في ظل مقتل مئات العاملين في المجال الإنساني في غزة منذ بدء الحرب.

وفي 19 آب/أغسطس 2025، استمرت الحرب الإسرائيلية على غزة، بالتزامن مع تحذيرات أممية من تدهور الوضع الإنساني واستمرار استهداف المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، فيما تصاعدت العمليات العسكرية والاقتحامات في الضفة الغربية.

وفي اليوم نفسه، تواصلت قضية الأسرى الفلسطينيين إلى الواجهة، مع تحذيرات حقوقية وأممية من الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى، في وقت كانت فيه الحرب والحصار والتجويع تدفع القطاع إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه.

أما 19 آب/أغسطس 2026، فيأتي والفلسطينيون ما زالوا يواجهون تداعيات الحرب والحصار والاستيطان والاقتحامات في الضفة الغربية، بالتزامن مع استمرار التحركات السياسية الفلسطينية والدولية للمطالبة بالحقوق الوطنية، وفي مقدمتها تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.

وفي السياق الميداني، شهدت حوارة جنوب نابلس عملية إطلاق نار أسفرت، وفق ما أوردته مصادر إسرائيلية، عن مقتل مستوطنين اثنين، في تطور جديد يضاف إلى سجل المواجهة المتواصلة في الضفة الغربية.

وهكذا، تتقاطع محطات 19 آب عبر أكثر من قرن من تاريخ فلسطين؛ فمن مرحلة الانتداب والمشروع الصهيوني، إلى النكبة والاحتلال، ومن قرارات الأمم المتحدة التي أكدت حقوق الشعب الفلسطيني، إلى الاعتقالات والحصار والحروب والتهجير، وصولًا إلى المقاومة في غزة والضفة، يبقى هذا التاريخ شاهدًا على مسار طويل لم تنجح العقود المتعاقبة في إنهائه.

إنها ذاكرة تتغير فيها أسماء المواقع والسنوات، لكن يبقى جوهرها واحدًا: شعب فلسطيني متمسك بأرضه وحقوقه، في مواجهة احتلال لم يتوقف عن تغيير أدواته من الاستيطان والتهجير إلى الحصار والحرب.

Share This Article