تفاعلاً مع الحرب على إيران: الجنوب السوري كمساحة لتطويق حزب الله

المسار : تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى إعادة صياغة العلاقة مع حزب الله ضمن إطار أمني مختلف عن المرحلة التي سبقت سقوط نظام الأسد، حيث كانت الأراضي السورية تشكل الامتداد اللوجستي والعسكري الأساسي للحزب…

تدخل سورية في لحظة الحرب الإقليمية الدائرة حول إيران بوصفها ساحة مركزية لإعادة ترتيب الجغرافيا الأمنية في المشرق، خصوصًا بعد التحولات السياسية التي أعقبت سقوط النظام السابق وصعود السلطة الجديدة في دمشق بإدارة أحمد الشرع.

تتحرك الإدارة السورية الجديدة ضمن تصور يقوم على إعادة بناء الدولة بوصفها مركز القرار الوحيد في المجال الأمني والعسكري داخل الحدود السورية، مع إعادة ضبط علاقتها بالفاعلين الإقليميين الذين تشكل حضورهم العسكري خلال سنوات الحرب السابقة. تكتسب هذه المعادلة أهمية مضاعفة مع توسع العمليات العسكرية في جنوبي لبنان ووصول القوات الإسرائيلية إلى مناطق جنوب نهر الليطاني، إذ يفرض هذا التطور إعادة قراءة شاملة لوظيفة الجغرافيا السورية في الصراع الإقليمي، ويضع دمشق أمام مهمة معقدة تتعلق بإدارة الحدود اللبنانية السورية، والتعامل مع شبكة المقاتلين المرتبطة بحزب الله، وإعادة تعريف موقع سورية في شبكة الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

إعادة ضبط الجغرافيا السورية

تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى إعادة صياغة العلاقة مع حزب الله ضمن إطار أمني مختلف عن المرحلة التي سبقت سقوط نظام الأسد، حيث كانت الأراضي السورية تشكل الامتداد اللوجستي والعسكري الأساسي للحزب. خلال سنوات الحرب السورية تشكلت شبكة واسعة من المعسكرات والمخازن والممرات العسكرية التي ربطت الحدود العراقية بالساحل السوري ثم بالبقاع اللبناني، وهو ما منح حزب الله قدرة كبيرة على التحرك داخل المجال السوري واستخدامه كعمق استراتيجي لعملياته العسكرية في لبنان. تعمل دمشق اليوم على تفكيك هذه الشبكات الداخلية بصورة تدريجية وإعادة إدخالها ضمن سيطرة المؤسسات العسكرية السورية، في إطار تصور يهدف إلى استعادة احتكار الدولة للقوة المسلحة داخل المجال الوطني؛ لا سيما بعد عدة عمليات نفذتها قوات الأمن العام السوري لتفكيك شبكات في ريف دمشق الغربي وأطراف القنيطرة مرتبطة بحزب الله، بينما تسعى إلى تطويق حزب الله من جهة الحدود الغربية.

يتجلى هذا التوجه في الإجراءات التي اتخذتها المؤسسات الأمنية السورية خلال الأسابيع الأخيرة، حيث جرى توسيع انتشار الوحدات العسكرية على الطرق الحدودية والممرات التي كانت تشكل خطوط إمداد للحزب، مع إعادة تنظيم نقاط التفتيش العسكرية في مناطق البادية والقلمون والحدود الشرقية للبنان في محيط قرى الزبداني ومضايا وسرغايا. تعكس هذه الخطوات تحولاً في طريقة إدارة العلاقة مع الفاعلين المسلحين غير السوريين، إذ تركز الإدارة الجديدة على تحويل المجال السوري من مساحة مفتوحة لشبكات الحرب الإقليمية إلى مجال سيادي يخضع لإدارة الدولة المركزية. يتحول هذا التوجه إلى عنصر أساسي في سياسة دمشق الإقليمية الجديدة، حيث تسعى الإدارة السورية إلى تقديم نفسها كشريك أمني قادر على ضبط حدوده وإدارة ملف الميليشيات العابرة للحدود ضمن رؤية تستند إلى استعادة الدولة لدورها السيادي.

أمن الحدود وإدارة ملف المقاتلين

يأخذ ملف الحدود اللبنانية السورية موقعًا مركزيًا في الإستراتيجية السورية الجديدة في ظل الحرب الدائرة على إيران، حيث تمثل هذه الحدود إحدى أهم نقاط العبور التاريخية للمقاتلين والسلاح بين سورية ولبنان. تمتد هذه الحدود عبر تضاريس جبلية معقدة تشمل جبال القلمون والبادية الشرقية وسلسلة من القرى المتداخلة التي شكلت خلال سنوات الحرب بيئة مناسبة لعمل شبكات النقل العسكري غير النظامي. تسعى دمشق في المرحلة الحالية إلى تحويل هذه الحدود من ممر مفتوح للحركات المسلحة إلى خط أمني يخضع لرقابة الدولة السورية بالتنسيق مع المؤسسات العسكرية اللبنانية؛ لا سيما بعد تطمينات من الرئيس الشرع للرئيس جوزاف عون بأن سورية مهتمة بنزع سلاح حزب الله؛ وبالتالي يمكنها ممارسة دور أكبر في تطويق الحزب وعملياته؛ مع التركيز على تطوير آليات التنسيق الأمني بين الجيشين السوري واللبناني، للعمل على ضبط حركة المقاتلين المرتبطين بحزب الله داخل المناطق الحدودية.

يعكس هذا التنسيق تحولًا واضحًا في طبيعة العلاقة بين دمشق وبيروت، حيث تنتقل إدارة الحدود من مستوى الشبكات غير الرسمية إلى مستوى المؤسسات العسكرية للدولتين، ويهدف هذا التوجه إلى تقليص قدرة أي طرف مسلح على استخدام الحدود المشتركة بوصفها قاعدة خلفية للعمليات العسكرية، ويعزز في الوقت نفسه قدرة الحكومتين على إدارة الملف الأمني في المناطق الحدودية الحساسة.

ترافق هذا التنسيق مع خطوات ميدانية تمثلت في زيادة انتشار القوات السورية، لا سيما بعد سقوط قذائف من الجانب اللبناني على منطقة سرغايا، وإعادة تشغيل عدد من النقاط العسكرية التي كانت قد تعطلت خلال سنوات الحرب. يندرج هذا الانتشار ضمن تصور أوسع يقوم على تحويل الحدود السورية اللبنانية إلى جبهة أمنية منظمة تمنع انتقال المقاتلين والسلاح بصورة غير خاضعة لسلطة الدولة. يعزز هذا المسار قدرة دمشق على التحكم في تدفقات المقاتلين المرتبطين بحزب الله، ويمنحها في الوقت نفسه موقعًا تفاوضيًا مهمًا في إدارة التوازنات الأمنية في المشرق.

من جنوبي لبنان إلى جنوبي سورية

تفرض التوغلات الإسرائيلية المتزايدة في الجنوب السوري قراءة جديدة لدور هذه الجغرافيا في الحرب الإقليمية الدائرة حول إيران، خصوصًا في ظل التحولات العسكرية التي أعقبت توسع العمليات في جنوبي لبنان ووصولها إلى مناطق جنوب نهر الليطاني. تدفع هذه التطورات إسرائيل إلى توسيع مفهوم أمنها الحدودي ليشمل المجال الممتد من جنوبي لبنان إلى جنوب غربي سورية، حيث تسعى إلى بناء طوق أمني واسع يحد من قدرة أي فاعل مسلح على تشكيل بنية عسكرية قادرة على تهديد الجبهة الشمالية لإسرائيل. تندرج التحركات الإسرائيلية هنا ضمن إستراتيجية تقوم على المراقبة المستمرة والضربات الاستباقية وإدارة مساحة واسعة من الردع العسكري، وهو ما يمنح الجبهة الجنوبية السورية موقعًا حساسًا في معادلة الأمن الإقليمي الجديدة.

بالنسبة لدمشق، فإنها تتعامل مع هذه المعادلة عبر سياسة تقوم على إدارة الجنوب السوري بوصفه جبهة أمنية دقيقة تتقاطع فيها حسابات متعددة، تشمل العلاقة مع إسرائيل، والتوازنات الإقليمية المرتبطة بالحرب على إيران، لا سيما بعد سحب القوات الأميركية قواتها من قواعدها في سورية، إضافة إلى متطلبات إعادة بناء الدولة السورية بعد سنوات طويلة من التفكك العسكري.

تسعى الإدارة السورية الجديدة هنا إلى تعزيز حضور المؤسسات العسكرية النظامية في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، مع إعادة تنظيم البنية الأمنية في هذه المناطق بما يضمن تقليص حضور الشبكات المسلحة التي تشكلت خلال سنوات الحرب. يندرج هذا التوجه ضمن تصور أوسع يهدف إلى تقديم الجنوب السوري بوصفه مجالاً يخضع لإدارة الدولة المركزية، ويعمل على تفكيك البنية العسكرية غير النظامية التي قد تمنح إسرائيل مبررًا لتوسيع عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية.

تكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل سعي إسرائيل إلى تقويض أي نشاط عسكري يمكن أن يتشكل على امتداد الجبهة الجنوبية الغربية لسورية، إذ تنظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى هذه المنطقة بوصفها الامتداد الطبيعي لجبهة الجولان. يدفع هذا التصور تل أبيب إلى متابعة التحركات العسكرية داخل الجنوب السوري بصورة دقيقة، مع تنفيذ عمليات محدودة واستباقية تهدف إلى منع تشكل بنية عسكرية يمكن أن تهدد عمقها الإستراتيجي، ولا سيما في القنيطرة وريف دمشق الغربي. في المقابل، تدير دمشق هذه المعادلة عبر مقاربة أمنية تقوم على تعزيز انتشار القوات النظامية في الجنوب وضبط المجال الحدودي، مع تقليل مستويات الاحتكاك المباشر وتثبيت حضور الدولة بوصفها الجهة الوحيدة المسؤولة عن إدارة الأمن في هذه المنطقة الحساسة.

يعكس هذا التوجه تحوّلاً في موقع الجنوب السوري داخل معادلة الصراع الإقليمي، حيث تغدو هذه الجغرافيا مجالاً لإدارة توازن دقيق بين متطلبات السيادة السورية وحسابات الردع الإسرائيلية. يدفع هذا الواقع دمشق إلى ترسيخ نموذج أمني يقوم على احتكار الدولة للقوة المسلحة وتعزيز قدرتها على ضبط المجال الحدودي، بما يمنع استخدام الأراضي السورية كمنصة للصراعات الإقليمية.

وبهذا المعنى يتحول الجنوب السوري تدريجيًا من ساحة مفتوحة للتنافس العسكري بين الفاعلين الإقليميين إلى جبهة تخضع لإدارة الدولة السورية ضمن منظومة أمنية تهدف إلى ضبط التوترات وتقليص احتمالات التصعيد في هذه المنطقة الحساسة من المشرق.

Share This Article