عمالقة التكنولوجيا في خدمة الحرب.. كيف تُسهم شركات “الهايتك” العالمية في تعزيز الاقتصاد العسكري الإسرائيلي؟

المسار : في وقتٍ تئنّ فيه الميزانية الإسرائيلية تحت وطأة أضخم إنفاق عسكري منذ عقود، وتواجه فيه القطاعات التقليدية شللاً شبه كامل، يبرز قطاع التكنولوجيا المتقدمة “الهايتك” كطوق نجاة أخير في بحر من الأزمات المتلاطمة.

فبينما استنزفت جبهات غزة ولبنان وإيران خزينة الدولة بعشرات المليارات، يراهن صنّاع القرار في “تل أبيب” على “المرونة التكنولوجية” لانتشال الاقتصاد من نفق الركود المظلم، وتحويل “صناعة الحرب” إلى محرك لنمو مستدام يتجاوز تداعيات الصراع.

وشكّلت صفقات الهايتك الضخمة العمود الفقري الذي يغذي آلة الحرب، حيث تجاوزت البعد الاقتصادي لتصبح تمويلًا مباشرًا لعمليات القتل الممنهج وغطاءً تكنولوجيًّا للجرائم الميدانية؛ حيث تحوّل الابتكار الرقمي إلى أدوات فتاكة للرقابة والاستهداف، ما جعل الشركات التقنية العالمية شريكًا عضويّاً في استدامة العدوان تحت غلاف “الريادة والذكاء الاصطناعي”.

وتؤكد التقارير الاقتصادية لعامي 2025 و2026، أن الاقتصاد الإسرائيلي تكبد خسائر فادحة جراء الحروب في غزة ولبنان وإيران، والضربات المتوازية من جبهات أخرى في اليمن والعراق، لكن يُنظر إلى قطاع “الهايتك” كركيزة أساسية قد تقود مسار التعافي، رغم التحديات الهيكلية التي يواجهها.

أرقام صادمة وخسائر هيكلية

وتشير أحدث بيانات بنك إسرائيل والتقارير الدولية، إلى حجم الضرر الذي لحق بالبنية الاقتصادية.

وقدر بنك إسرائيل الخسائر التراكمية بين عامي 2023 و2025 بنحو 57 مليار دولار، أي ما يعادل 8.6% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتجاوز الإنفاق على الدفاع في عام 2024 وحده 31 مليار دولار، مرتفعاً إلى 8.4% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ 5.2% قبل الحرب.

وتسببت الحرب الأخيرة مع إيران، في ضغوط إضافية، حيث قدرت التقارير الاقتصادية مخاطر الخسائر الأسبوعية بنحو 3 مليارات دولار، وهو ما يضع ضغطاً هائلاً على الموارد الوطنية.

ووفق الأرقام؛ شهد قطاع السياحة تراجعاً بنسبة 82% في الزوار الدوليين، كما واجه قطاع البناء ركوداً حاداً.

تفاؤل غير متوقع

ورغم هذه الأرقام القاتمة، يبرز التفاؤل في توقعات المؤسسات الدولية؛ إذ يتوقع صندوق النقد الدولي (IMF) ارتداداً اقتصادياً ونمواً بنسبة 4.8% في عام 2026 بمجرد استقرار الأوضاع.

هذا التفاؤل مدعوم بتحركات وكالات التصنيف الائتماني مثل “موديز” بنك “جيه.بي.مورجان”، التي عدلت نظرتها المستقبلية للاقتصاد الإسرائيلي إلى “مستقرة”، في إشارة واضحة إلى الثقة العالمية في قدرة المحرك التكنولوجي على قيادة مرحلة التعافي الاقتصادي السريع، وتحمل تبعات الحرب بأقل الأضرار الممكنة.

ولا ينبع كل ذلك من فراغ، بل يستند إلى “مرونة هيكلية” أثبتها قطاع الهايتك في أزمات سابقة (مثل كورونا وحروب سابقة)، حيث يمتلك هذا القطاع قدرة فريدة على “الارتداد السريع.

اقتصاد عابر للحدود

على عكس السياحة التي تتطلب “أمناً في الموقع”، أو الإنشاءات التي تتطلب “عمالة ومواد في الموقع”، تعتمد تكنولوجيا المعلومات على رأس مال فكري وسحابة إلكترونية (Cloud) تتيح استمرارية الأعمال حتى تحت القصف أو في حالات الطوارئ القصوى.

وفي وقت تتراجع فيه قيمة الشيكل وتزداد الضغوط التضخمية، يتدفق الدولار واليورو إلى الخزينة عبر صادرات الهايتك، التي تمثل أكثر من 50% من إجمالي الصادرات، مما يمنع انهيار العملة المحلية ويؤمن السيولة اللازمة لتمويل المجهود الحربي.

ووفق اقتصاديين، تحولت الحروب مع غزة ولبنان وإيران، إلى “مختبر ميداني اقتصادي” ضخم، حيث أدى هذا إلى قفزة في الطلب العالمي على أنظمة الدفاع الجوي (مثل آرو وفلاينج سبايس) والذكاء الاصطناعي العسكري، مما حول “تكلفة الحرب” إلى “فرصة تصديرية” مستقبلية.

وشهد قطاع “الهايتك” نشاطاً استثنائياً تمثل في 118 صفقة بقيمة 17 مليار دولار في عام 2024، ومن أهم هذه العمليات:

  1. جوجل (Google) و “Wiz“: استحواذ ضخم بقيمة 32 مليار دولار في مارس 2025 شركة الأمن السيبراني.
  2. ميونخ ري و “Next Insurance“: صفقة بقيمة 2.6 مليار دولار لمنصة تكنولوجيا التأمين المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
  3. بلاك ستون و “Priority Software“: استحواذ على حصة أغلبية بتقييم 800 مليون دولار، وهي صفقة لافتة لاعتماد الشركة على السوق المحلي الإسرائيلي.
  4. سايبر آرك (CyberArk) و “Venafi“: توسع إسرائيلي عالمي عبر استحواذ بقيمة 1.5 مليار دولار.

ورسمت كل تلك الصفقات صورة غير متوقعة للقطاع، ليظهر أكثر من مجرد قطاع اقتصادي، بل هو المظلة المالية” التي تحمي الدولة من الإفلاس في وقت الحرب، وهو المحرك الوحيد الذي يمتلك طاقة دفع كافية لإعادة تشغيل بقية القطاعات بمجرد توقف المدافع.

وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد، والتي شملت قفزة في الدين الحكومي إلى 69.3% وعجزاً مالياً كبيراً، يظل قطاع الهايتك هو شريان” الصمود.

الخلاصة

يقف الاقتصاد الإسرائيلي في عام 2026 عند مفترق طرق؛ فإما أن ينجح قطاع “الهايتك” في جر القاطرة نحو التعافي الكامل، أو أن تستنزف الحروب المتعددة الجبهات هذا المحرك وتؤدي إلى انكماش طويل الأمد يطال جوهر “أمة الشركات الناشئة”.

Share This Article