من إيران إلى المجر والبابا ليو.. ترامب وفريقه يكتشفون حدود قوتهم ويواجهون عالما يزداد تحديا وليس خانعا لإرادتهم

المسار : نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعدته نحال توسي قالت فيه إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بات يواجه عالما أكثر تحديا.

ويظهر هذا خطأ الطريقة التي يتعامل فيها ترامب وفريقه مع العالم وكأنه حافل بالشخصيات الخانعة. فعلى مدى شهور طويلة، مارس ترامب ضغوطا على الدول الأخرى في كل شيء، من التجارة إلى أساليب الحكم. وفي الأيام القليلة الماضية فقط، تحدت حفنة من القوى العالمية ترامب، كاشفة له عن حدود ما يمكنه عمله.

فقد تخلى قادة إيران عن محادثات السلام مع الولايات المتحدة، مفضلين مواصلة الحرب، فيما أطاح الناخبون في المجر بأحد أقرب حلفاء ترامب الأوروبيين، رئيس الوزراء فيكتور أوربان. ثم هناك البابا ليو، الذي يفترض أنه يعتمد على قوة عليا، وقال إنه “لا يخاف” ترامب بعد أن سخر منه الرئيس. ويبدو أن ترامب ومساعديه يتصرفون وكأن معظم سكان الأرض مجرد “شخصيات غير لاعبة” في لعبة فيديو. فهم يعتقدون، باستثناءات قليلة، أن أمريكا قادرة على استخدام التهديدات والقوة الاقتصادية والعمل العسكري لإخضاع العواصم الأخرى لإرادتها.

أطاح الناخبون في المجر بأحد أقرب حلفاء ترامب الأوروبيين، رئيس الوزراء فيكتور أوربان

ومع ذلك، تقول توسي إن السياسة الخارجية لها قوانينها الأساسية، تماما مثل قوانين نيوتن في الفيزياء، أحدها وهو أن لكل فعل رد فعل، قد لا يكون مساويا في المقدار أو معاكسا له في الاتجاه، وقد لا يكون أيضا ما يريده فريق ترامب.

إلا أن الإدارة الأمريكية لم تظهر أية علامات على قبولها أو تكيفها مع حقيقة أن هناك الكثير من القوى الدولية مستعدة لمعارضة القوة العظمى الأمريكية.

ونقلت المجلة عن ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية قوله: “لو كان هناك إدراك بأن الترهيب لم يعد تكتيكا ناجحا، لرأينا تحولا عن هذا الأسلوب”، لكن لا توجد أي مؤشرات حقيقية على أن ترامب يفعل ذلك.

وتقول الصحافية إنها تسمع، أكثر من أي وقت مضى، مخاوف من مسؤولين أجانب من أن المعلومات المهمة حول الديناميكيات الجيوسياسية لا تصل إلى الرئيس، ببساطة لأن مساعديه لا يخبرونه بالحقائق الصعبة. وقد زاد تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” حول قراره شن الحرب على إيران من حدة هذا القلق.

ونقلت عن دبلوماسي أوروبي بارز عبر عن رأيه بغضب، وقال: “إنه محاط بأشخاص يوافقونه الرأي دائما”.

وقد تجلى أسلوب إدارة ترامب المتهور في تصريحات نائب الرئيس جيه دي فانس بعد أن أجرى محادثات سلام استمرت 21 ساعة مع مسؤولين إيرانيين خلال عطلة نهاية الأسبوع. وقال فانس إن إيران “اختارت عدم قبول شروطنا”.

وقد كرر فانس هذا التصريح مرتين، وإن بصيغة أخرى، وأعطى انطباعا بأن الولايات المتحدة تملي شروطها ولا تتفاوض، رغم إضافة فانس أن الولايات المتحدة “متساهلة للغاية”.

ولم يلق هذا التصريح استحسان مؤيدي النظام الإيراني، بينما رأى كثيرون في دول أخرى أن هذه الأزمة برمتها فرصة ضائعة لتهدئة التوترات.

ونقلت الصحافية عن دبلوماسي غربي مقيم في الشرق الأوسط قوله: “إذا أردت شيئا من أحد، فعليك أن تعطيه شيئا، إلا إذا استسلم استسلاما تاما كما حدث في الحرب العالمية الثانية، لا يمكن أن يكون الأمر مجرد تهديد بالهزيمة”.

وتعلق توسي أن إدارة ترامب رفضت، كالعادة، ما اقترحته بأن النهج المتشدد يأتي بنتائج عكسية. ورد تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، قائلا: “وقفت الإدارات السابقة، لعقود، مكتوفة الأيدي بينما كان الشعب الأمريكي يُستغل، عبر الخلل في التوازن التجاري والإنفاق الدفاعي غير العادل وتقاسم الأعباء بشكل غير عادل والهجرة الجماعية غير الشرعية واللامنضبطة والتحيز المعادي لأمريكا في المنظمات الدولية، والقائمة تطول، وقال الرئيس ترامب: لن يستمر هذا الوضع”.

لا يوجد دليل حتى الآن على أن ترامب أو مساعديه يدركون ردود الفعل المتسلسلة التي يثيرونها عند إصدار أوامرهم، أو أنهم استخلصوا العبر من ردود الفعل السلبية السابقة، أو أنهم يبالون

وتعلق توسي أنه لا يوجد دليل حتى الآن على أن ترامب أو مساعديه يدركون ردود الفعل المتسلسلة التي يثيرونها عند إصدار أوامرهم، أو أنهم استخلصوا العبر من ردود الفعل السلبية السابقة، أو أنهم يبالون. وبالتأكيد، قد يتراجع ترامب هنا وهناك عن بعض القضايا (كما في ظاهرة “تاكو” أي ترامب يتراجع أولا)، لكنه سرعان ما يعود إلى أسلوب الضغط لاحقا وفي القضية نفسها.

وتشير في هذا السياق إلى إصرار ترامب على الاستيلاء على جزيرة غرينلاند من الدنمارك، فقد كان ذلك خطا أحمر بالنسبة لمعظم دول أوروبا، التي تقرب قادتها إلى ترامب بشكل كبير خلال عامه الأول بعد عودته إلى منصبه. وفي كانون الثاني/يناير، ومع تصعيد ترامب لمطالبه بشأن غرينلاند، أوضح له القادة الأوروبيون رفضهم القاطع لها، ثم استخدموا حلف الناتو لمنح الولايات المتحدة مزيدا من الصلاحيات العسكرية في الجزيرة.

وقد تراجع ترامب، لكن الضرر كان قد وقع. فقد زادت مناوراته بشأن غرينلاند وتهديداته المستمرة بالانسحاب من الناتو من حاجة الدول الأوروبية وتركيز جهودها لتقليل الاعتماد على الدعم الأمني والعسكري الأمريكي. ومع تراجع اعتماد هذه الدول على الولايات المتحدة، يزداد احتمال تمردها على ترامب. وبدلا من مواجهة هذا الخطر، أشار ترامب في الأيام الأخيرة إلى أن قصته لم تنته مع قضية غرينلاند. ففي 8 نيسان/أبريل، حيث كان غاضبا جدا من الأوروبيين الرافضين للتعاون معه في إيران، كتب على منصة “تروث سوشيال”: “تذكروا غرينلاند، تلك القطعة الجليدية الكبيرة سيئة الإدارة!”.

وتضيف توسي أن أحدا لا يعرف أحيانا، أو يمكنه التكهن فيما إذا كان ترامب يدرك الآثار غير المباشرة لتحركاته التهديدية.

فالتعرفات الجمركية التي يفرضها ترامب، مثلا، تدفع دولا أخرى إلى البحث عن شركاء تجاريين جدد خارج الولايات المتحدة، مما يقلل اعتمادها الاقتصادي عليها. ومثلما تقلل الدول اعتمادها العسكري، فإن الدول الأقل اعتمادا اقتصاديا على أمريكا تبدو أقل ميلا للاستماع إليها في المستقبل.

ولعل مشكلة ترامب وفريقه، كما يشعر الكثيرون في أوساط السياسة الخارجية، نابعة من أنهم يتعاملون مع العالم وكأنه عبارة عن عقد صفقات عقارية، كما كان يفعل الرئيس في نيويورك.

ومن هنا، فالتعامل مع الحرب الروسية في أوكرانيا أو مطالب الفلسطينيين في غزة وكأنها مجرد صراع على الأرض، يتجاهل حقيقة أن الهوية والسياسة والرغبة في البقاء كشعب هي ما يغذي العديد من الصراعات.

لطالما أولى ترامب اهتماما أكبر للقوى العالمية الكبرى مثل بكين وموسكو مقارنة بالقوى التي يعتبرها أضعف

ونقلت عن مسؤول سابق في أمريكا اللاتينية، طلب عدم الكشف عن هويته، قوله: “غالبا ما يفشل ترامب وفريقه في إدراك أن الناس يميلون إلى القتال من أجل ما يمنح حياتهم معنى يتجاوز التحليل العقلاني أو المادي البحت للربح والخسارة”. وفي بعض الأحيان، يغير ترامب مواقفه بعد رؤيته الأثر السلبي لسياساته العدوانية.

فعندما وقفت الصين في وجهه بشأن التجارة، وردت بفرض تعرفات جمركية انتقامية باهظة، وقيدت صادرات المعادن النادرة، دعا إلى هدنة فعلية.

ومع ذلك، لطالما أولى ترامب اهتماما أكبر للقوى العالمية الكبرى مثل بكين وموسكو مقارنة بالقوى التي يعتبرها أضعف، إضافة إلى ذلك، من الصعب تجاهل ردود الفعل السلبية من الصين عندما تؤثر على أسواق الأسهم.

وقد دافع مسؤول في البيت الأبيض عن تحركات ترامب التجارية، مشيرا إلى أن الاتحاد الأوروبي واليابان والهند وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة قد خفضت الحواجز التجارية أمام الصادرات الأمريكية، وما زالت تدفع الرسوم الجمركية، وهذا “دليل على أن الرئيس نجح في استغلال الهيمنة الاقتصادية الأمريكية مع شركائنا التجاريين”.

ويرى المدير السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، هاس، أن ترامب وسياساته قد تسهم في دفع الولايات المتحدة نحو عالم لم تعد مركز الثقل فيه، أو “عالم ما بعد أمريكا”، وهذا ما تريده بالتأكيد الصين.

وربما يكون هذا العالم مضطربا ومتقلبا، تضطر فيه الولايات المتحدة لطلب المساعدة الدائمة، بدلا من معرفتها أن لديها أصدقاء دائمين تستطيع الاعتماد عليهم ويثقون بها ويدعمونها بالفطرة.

ونقلت ما قاله دان شابيرو، الذي تعامل مع شؤون الشرق الأوسط كمسؤول في إدارة بايدن: “انظروا، الولايات المتحدة قوية ولدينا نفوذ كبير، لكن نفوذنا ليس مطلقا”، و”حتى أفضل الدول تحتاج إلى حلفاء وأصدقاء وشركاء”.

Share This Article