| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معاريف 16/5/2026
تقديرات إسرائيلية: استنفاد الاتصالات بين أمريكا وإسرائيل.. واستئناف وشيك للحرب ودخول أصفهان براً
بقلم: إيلي ليو
أفاد تقرير في صحيفة نيويورك تايمز أن مسؤولين في الشرق الأوسط قالوا إن الولايات المتحدة وإسرائيل تجريان استعدادات مكثفة وحثيثة للعودة إلى القتال مع إيران، وربما يحدث ذلك بالفعل خلال الأسبوع المقبل. كما أشار التقرير إلى وجود احتمال لتنفيذ عملية برية داخل إيران.
عاد رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، الجمعة من زيارته إلى الصين وهو يواجه قرارًا مصيريًا: هل يستأنف الهجمات العسكرية ضد إيران. وذلك بعد أن أعد كبار مستشاري إدارته بالفعل خططًا عملياتية للعودة إلى مسار القصف، بهدف كسر حالة الجمود في “مجالس السلام” التي فشلت هذا الشهر.
وأوضح ترامب للصحافيين على متن طائرة “إير فورس 1” أن عرض السلام الأخير الذي قدمته طهران ليس مقبولاً له إطلاقًا، وقال بسخرية: “نظرت إليه، وإذا لم يعجبني السطر الأول فسأرميه، ببساطة، في سلة القمامة”. وقبل سفره، كان قد صرح بثقة: “إما أن يتوصلوا إلى اتفاق، أو سيتم تدميرهم”.
بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، كشف مسؤولون في الشرق الأوسط أن الولايات المتحدة وإسرائيل تجريان حاليًا استعدادات مكثفة وحثيثة -هي الأوسع منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 7 أبريل- تحسبًا لاحتمال حقيقي لاستئناف الهجمات ضد إيران بالفعل خلال الأسبوع المقبل.
الولايات المتحدة وإسرائيل تجريان استعدادات مكثفة وحثيثة للعودة إلى القتال مع إيران، وربما يحدث ذلك بالفعل خلال الأسبوع المقبل. وهناك احتمال لتنفيذ عملية برية داخل إيران
كما أكد وزير الدفاع الأمريكي خلال جلسة استماع في الكونغرس هذا الأسبوع، أن الجيش يمتلك “خطة للتصعيد عند الحاجة”، وأن عملية “الغضب الجارف” التي جُمّدت الشهر الماضي قد تُستأنف خلال الأيام القريبة المقبلة.
أشارت مصادر عسكرية إلى أنه إذا قرر دونالد ترامب استئناف الهجمات، فإن الخيارات المطروحة تشمل تنفيذ غارات قصف أكثر شراسة ضد أهداف عسكرية وبنى تحتية تابعة لـلجمهورية الإسلامية.
ومن بين الخيارات الأخرى المطروحة، التي وُصفت بالجريئة، تنفيذ عمليات لقوات خاصة على الأرض بهدف السيطرة على مواد نووية مخبأة عميقًا تحت الأرض، وخصوصًا في الموقع النووي بمدينة أصفهان. وتُعد هذه المهمة عالية الخطورة، إذ قد تؤدي إلى وقوع خسائر بشرية، كما ستتطلب نشر آلاف الجنود لتوفير الدعم المحيط والحماية الأمنية.
في المقابل، تؤكد إيران أنها مستعدة لعودة الأعمال القتالية. فقد صرّح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عبر مواقع التواصل الاجتماعي بأن قواتهم جاهزة لتوجيه “رد مناسب”، مضيفًا: “العالم بأسره فهم ذلك بالفعل، وسوف يُفاجَؤون”.
ورغم أن البنتاغون استغل فترة وقف إطلاق النار التي استمرت شهرًا لإعادة تسليح القطع البحرية والطائرات في المنطقة، فإن مصادر استخبارات أمريكية أقرت بأن طهران تمكنت بالفعل من إعادة تأهيل القدرة التشغيلية لـ 30 موقعًا من أصل 33 موقعًا صاروخيًا على امتداد مضيق هرمز، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للسفن الحربية وناقلات النفط في الممر البحري الضيق.
يتوافق تقرير صحيفة نيويورك مع تقديرات تتصاعد في إسرائيل خلال الأيام الأخيرة. فقد نشرت مراسلتنا السياسية، آنا براسكي، أمس، أن تقديرات إسرائيل تشير إلى أن الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران باتت على شفا الانهيار، وأن خيارًا عسكريًا ضد بنى تحتية استراتيجية في إيران يتبلور تدريجيًا، وعلى رأسها منشآت الطاقة، والبنى الصناعية، والمواقع المرتبطة بالبرنامج النووي ومنظومة الصواريخ.
بحسب مصادر مطلعة على التفاصيل، فإن إدارة دونالد ترامب ترسل في الأيام الأخيرة إشارات تدل على استعدادها لمنح “ضوء أخضر” لخطوة عسكرية، إذا فشلت الجهود السياسية بشكل نهائي.
ووفقًا للمصادر ذاتها، لم يُتخذ بعد قرار نهائي بشأن تنفيذ العملية، إلا أنهم أكدوا أن “النافذة السياسية تُغلق بسرعة”، وأن الأيام القريبة المقبلة قد تكون حاسمة.
وكما هو معروف، فإن خيار تنفيذ عملية برية داخل إيران لاستخراج المواد النووية المخبأة تحت الأرض طُرح للنقاش مرارًا خلال الأشهر الأخيرة.
وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أن السيطرة على مخزون اليورانيوم المخصب المتبقي لدى الجمهورية الإسلامية، والمدفون عميقًا تحت الأرض، ستتطلب قوة برية أمريكية أكبر بكثير من مجرد فرق محدودة من القوات الخاصة.
تشير التقديرات إلى أن معظم المواد المشعة موجودة في المنشأة النووية بمدينة أصفهان. وبعد الهجمات الأمريكية التي وقعت العام الماضي، عمل الإيرانيون أشهراً على إزالة الأنقاض للوصول إلى الأنفاق تحت الأرض التي يُخفى فيها اليورانيوم.
وأشار رئيس الوكالة الدولية للطاقة مؤخرًا، إلى أن نحو 200 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب ما زالت في أصفهان، بينما جزء آخر في منشأة نطنز. كما أن رفع مستوى تخصيب المادة الحالية من نحو 60% إلى 90% سيمكن إيران من إنتاج قنبلة نووية.
ويعود السبب الرئيسي للحاجة إلى عملية برية إلى عدم قدرة الضربات الجوية على اختراق الأنفاق الموجودة في أصفهان، والتي لا تحتوي على فتحات تهوية تُعدّ نقاط ضعف يمكن استهدافها وتدميرها من الجو.
——————————————
هآرتس 17/5/2026
صفقة التبادل الكبرى بين بلوط والمستوطنين لضم الضفة الغربية: أفسحوا المجال للدولة
بقلم: يغيل ليفي
الخطاب العسكري الجديد حول ضرورة كبح “الإرهاب اليهودي” يثير شكوكاً لدى اليسار. هل يعقل أن داعمي الإرهاب لسنوات سيكبحونه الآن؟ ولكن التحديد الواضح لحدود هذه الظاهرة وإدانتها بلغة غير مسبوقة، وتوسيع نطاق عمل شرطة حرس الحدود ضد المستوطنين، وتقليص الدفاع القُطري، وإقامة مقر للشرطة لمكافحة الإرهاب اليهودي وما شابه… كلها أمور تشير إلى أن الجيش يحاول تغيير نهجه.
تتعدد أسباب هذه الخطوات الجديدة: الخوف من فقدان السيطرة، وتصوير العنف كجريمة تهدد المستوطنين أيضاً، والخوف من ظهور تنظيم فلسطيني مضاد يؤجج الوضع، والضرر الذي يلحقه المستوطنون العنيفون بالمؤسسات الاستيطانية التي يثق بها الجيش، فضلاً عن الحاجة إلى الشرعية الدولية، لا سيما في ضوء إدانات من الولايات المتحدة.
يبدو أن الجيش جاد في مكافحة الإرهاب اليهودي، لكنه بحد ذاته نبأ سيئ. يجب التذكير بأن عنف المستوطنين لم ينشأ من فراغ، بل هو جزء من منطق الجيش الذي يعمل في المناطق الرمادية، لا سيما بعد أن تولى بنفسه مهمة تعزيز الضم التدريجي لمناطق “ج”. لقد مكن عنف المستوطنين من إقامة بؤر استيطانية في الوقت الذي حظرت فيه إسرائيل رسمياً إقامة مستوطنات جديدة، ومكن أيضاً من طرد التجمعات الفلسطينية للاستيلاء على الأراضي، لذلك، تبنى الجيش هذا العنف ورعاه.
النبأ السيئ، أن الدولة لم تعد بحاجة إلى عنف المستوطنين، وهذا العنف يزعجها الآن. إذا كان المستوطنون في السابق حلوا محل الدولة، فهي الآن تريد أن تحل محلهم، وسياسة الإنكار تفسح المجال لسياسة واضحة ومؤسسية أكثر. لقد أصبح الرمادي أكثر ميلاً إلى السواد.
يكفي أن نتذكر ما قاله المقدم، الذي لم يكشف عن وجهه، أمام كاميرا برنامج “الوقت الحقيقي” في “كان 11”. حتى تعيين آفي بلوط كقائد للمنطقة الوسطى في صيف 2024 كانت المزارع تقام سراً ودون تنسيق مع الجيش، ثم تُفرض عليه. في فترة بلوط، أقيمت 150 مزرعة تقريباً بتنسيق كامل مع الجيش، ولم يعد الأمر يتم بغض النظر. وحتى إن رجال دين صهاينة أشادوا علناً بالتعاون مع بلوط. ليس صدفة أن تنشئ الشرطة الآن آلية لتنسيق إقامة المزارع. لقد انتقل الإنشاء من هامش النظام إلى قلب بيروقراطية الدولة.
إذا لم نكن مقتنعين بتغيير السياسة، فها هو بلوط تبنى منطق عمل يذكر بأسلوب “تدفيع الثمن”، لكبح جماح “شبيبة التلال”، عندما أمر في آب الماضي باقتلاع 3 آلاف شجرة في القرية التي هرب إليها فلسطيني حاول المس بمستوطنين. الآن، مطلوب من قائد المنطقة الموازنة بين إبعاد قتل وإصابة الفلسطينيين، وكبح عنف المستوطنين لمنع اشتعال الوضع في الضفة الغربية.
إن الذين يشككون في جدية بلوط في مكافحة إرهاب المستوطنين يغفلون تشكيل صفقة التبادل الكبرى، التي يلتزم الجيش في إطارها بتوفير الأمن والمضي بالسيطرة على المناطق “ج” مقابل كبح جماح المستوطنين الذين يعرقلون تنفيذ الصفقة. لا يجب علينا تجاهل العملية الأوسع التي يكبح فيها الجيش مبادرات الانتقام والعنف من الأسفل بإضفاء الطابع المؤسسي عليها. وقد اتسمت المراحل الأخيرة من حرب غزة بهذا الأمر أيضاً؛ فالانتقام لا يتم كبحه، بل يحول إلى ممارسة مؤسسية. وهذا قد يؤدي إلى خلق جيش منضبط أكثر، لكن ليس جيش أكثر ضبطاً للنفس، وبالتأكيد جيش أقل أخلاقية.
——————————————
يديعوت أحرونوت 17/5/2026
دعوى قضائية بملايين الدولارات بسبب انهيار مشروع عقاري.. والمستوطنون: سنلغي “أوسلو”
بقلم: عوديد شالوم
وثّقت الكاميرا المُثبّتة على الحافة الشمالية الغربية لسور المنزل مداهمة الملثمين الذين نزلوا من البؤرة الاستيطانية المُقامة على التل المقابل. هناك عشرات، بل ربما مئات، من هذه الوثائق، وكل مقطع فيديو منها يُثير فيك من جديد فكرةً مُرعبةً: ماذا لو كان هذا منزلك؟ ماذا لو كان الأطفال، الذين كانوا في المنزل مع أمهم بينما أحاط بهم الملثمون كالأوتاد الخشبية، أطفالك؟
“لا قانون في الأراضي الفلسطينية”: الهدف تطويق الفلسطينيين في المنطقة (ب).
هذا منزل مُعتنى به جيدًا على أطراف قرية خربة أبو فلاح الفلسطينية، الواقعة في عمق المنطقة (ب)، على بُعد حوالي أربعة كيلومترات جنوبًا من مستوطنتي “شيلو” و”شفوت راحيل”. منذ عامين، وربما أكثر بقليل، يعاني سكان هذا المنزل وجميع سكان القرية من عنف “مسلحي التلال” [المستوطنون] الذين حاصروا القرية ببؤر استيطانية ومزارع داخل الأراضي الفلسطينية. يُظهر هذا المقطع المصور مداهمةً نُفذت في التاسع عشر من آذار من هذا العام، في تمام الساعة 15:27، في وضح النهار، وهو أمر ليس غريبًا، إذ سمعنا على مدار ساعتين تقريبًا المزيد من التقارير عن مداهماتٍ نُفذت في مناطق أخرى من القرية، استهدفت منازل وشققًا، وقد رُصدت جميعها بواسطة كاميرات المراقبة، وسُجل بعضها أيضاً على هواتف السكان.
لكن ما يُميز تجربة مليحة العمري – عباسي، أنها كانت في منزلها وحدها مع أطفالها الأربعة، ثلاث بنات وطفل له عشر سنوات. يُظهر الفيديو في البداية ستة رجال ملثمين يركضون نحو المنزل، بعضهم يحمل عصيًا خشبية طويلة، أحدهم يلتقط حجرًا ويرميه فوق السياج، ثم يظهر ملثم آخر، ومن مسافة بعيدة يُمكن رؤية المزيد من الرجال الملثمين ينزلون من التلال ويتجهون بسرعة نحو المنزل، اقترب أحدهم من الكاميرا، وعندها توقف التصوير. وثّقت كاميرا أخرى، داخل فناء المنزل، محاولات مثيري الشغب لكسر بوابة المدخل.
العمري عباسي: “كان الأطفال يبكون ويصرخون ويرتعدون خوفًا. اختبأنا في غرفة خلفية وأغلقنا بابها. لم نكن نعرف ما سيحدث. كنت أخشى أن يتسلقوا السياج ويدخلوا، وبالطبع اتصلت بزوجي وبكل من أستطيع لنجدتنا. في النهاية، وصل أهل القرية، ووصل الجيش أيضاً”
تقول العمري عباسي: “كان الأطفال يبكون ويصرخون ويرتعدون خوفًا. اختبأنا في غرفة خلفية وأغلقنا بابها. لم نكن نعرف ما سيحدث. كنت أخشى أن يتسلقوا السياج ويدخلوا، وبالطبع اتصلت بزوجي وبكل من أستطيع لنجدتنا. في النهاية، وصل أهل القرية، ووصل الجيش أيضاً. فرّ المستوطنون، وأطلق الجيش قنابل الغاز المسيل للدموع على من جاؤوا لمساعدتنا. هكذا ساعدنا الجيش، بإطلاق الغاز في فناء المنزل”.
ثم تُري العمري عبوات قنابل الغاز التي جمعها الأطفال من فناء المنزل. وكدرسٍ من تلك الحادثة، وُضع سياج حديدي عالٍ على الجدار الحجري، وعُلّق سياجٌ متعرجٌ مُسنّنٌ فوق السياج الحديدي. بوابة حديدية ثقيلة على سكة حديدية تُغلق مدخل موقف السيارات، ولزيادة الأمان، يُثبّتها أصحاب المنزل على الحائط بقفلٍ متين. وتختتم العمري حديثها قائلةً: “المنزل مُغلقٌ على مدار الساعة كالسجن”.
واحد باللسان وأخرى في الميدان
السبت الماضي، وُزِّع كتيب بعنوان: “أمر الساعة: إلغاء اتفاقيات أوسلو، والاستيطان في المنطقتين “أ” و “ب”، في مئات المعابد اليهودية في أنحاء البلاد. أُنتج هذا الكتيب ووزعته “إدارة التلال الأمامية”، وهي مجموعة من النشطاء على قمم التلال، أبرزهم إليشع يارد، الذي يُدير إنشاء البؤر الاستيطانية غير القانونية في التلال، ويختار مواقع استراتيجية ويؤمِّن الموارد من خلال حملات التمويل الجماعي والتبرعات من مصادر مختلفة.
هذا فرع منفصل عن “اتحاد المزارع”، وهي عشرات مزارع الأغنام، حوالي 150 مزرعة وفقًا للواء آفي بلوط من القيادة المركزية، والتي أُنشئت في جميع أنحاء “يهودا والسامرة” بالتنسيق مع المؤسسة الأمنية والجيش الإسرائيلي، وبتمويل حكومي لبناء البنية التحتية. ركّزت المزارع على المناطق المفتوحة في “ج”، وأدّت إلى طرد عنيف لعشرات من مجتمعات الرعاة البدو من ديارهم. بينما تركز “إدارة التلال الأمامية” على السيطرة على المنطقة “ب”، الخاضعة للسيطرة المدنية الفلسطينية، فإن معظم الإسرائيليين لا يعرفون شيئًا تقريبًا عن هذه المساحة الشاسعة، التي تشكل حوالي 22 في المئة من أراضي الضفة الغربية، وتضم 440 تجمعًا ريفيًا ومنطقة زراعية. ويُعدّ إرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين القاطنين في المنطقة “ب” قضية يومية، وتحظى باهتمام كبير في دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ومؤخرًا، قرر اللواء بلوط كسر صمته ووصف هذه الهجمات بأنها “أعمال إرهابية يهودية”.
لقد تم تحديد تقسيم الضفة الغربية إلى المناطق “أ” و”ب” و”ج” في إطار اتفاقية أوسلو الثانية – “الاتفاقية الإسرائيلية الفلسطينية المؤقتة بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة” – التي وُقّعت في أيلول 1995، وهي اتفاقية كفلها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا ومصر والأردن والنرويج. ولعل هذا هو سبب تصريح نتنياهو، في اجتماع مجلس الوزراء الذي عُقد الأربعاء الماضي، بمعارضته للبؤر الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية. وقال: “نتعرض لعقوبات من الأوروبيين بسبب هذه الأمور”. في إشارة إلى البؤر الاستيطانية في المنطقة “ب”، تساءل: “لماذا توسيع الاستيطان في المنطقتين “أ” و”ب”؟” ربما كان يعلم ما يخطط له الأوروبيون. الإثنين من هذا الأسبوع، أعلن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على منظمات المستوطنين “أمانا” و”نحلا” و”ريغافيم” و”هشومير يهودا والسامرة”.
يحاول نتنياهو التوفيق بين استرضاء المتطرفين في حكومته والاتفاقيات التي وقّعتها إسرائيل، وهو يمارس لعبة مزدوجة. فمن جهة، يدين الأفكار المسيحانية الوهمية ويرفضها، ومن جهة أخرى يسمح بحدوث أمور.
لقد كان من المقرر أن تناقش اللجنة الوزارية للشؤون التشريعية، الأحد من هذا الأسبوع، مشروع القانون الذي قدمته عضو الكنيست ليمور سون هار-ميلخ (من “عظمة يهودية”) لإلغاء اتفاقيات أوسلو، ولكن بناءً على طلب رئيس الوزراء، تم تأجيل المناقشة. وتزور سون هار-ميلخ البؤر الاستيطانية غير القانونية في المنطقة “ب” باستمرار، بما في ذلك التي تُخلى كل بضعة أيام من قبل الشرطة والجيش. ووفقًا للاتفاقيات التي تسعى لإلغائها، فإن السيطرة المدنية والإدارة في المنطقة “ب” تقع على عاتق الفلسطينيين، ولا توجد فيها مستوطنات إسرائيلية. ورغم أن المسؤولية الأمنية في هذه المناطق تقع على عاتق الجيش الإسرائيلي، لكن المؤسسة الأمنية توصي الإسرائيليين بعدم دخولها.
هذه التوصية لا تمنع نشطاء التلال [المستوطنون] من إنشاء بؤر استيطانية في المنطقة “ب”. ووفقًا لإحصاءات حركة “السلام الآن”، في هذه المناطق حوالي 15 بؤرة استيطانية. يقول يوناتان مزراحي، من فريق مراقبة المستوطنات التابع للحركة، إن نتنياهو يمارس لعبة مزدوجة. ويوضح: “يتم إخلاء بعض البؤر الاستيطانية في المنطقة “ب” مرارًا وتكرارًا، وبعد الإخلاء تعود البؤرة إلى التل، وأحيانًا بعد ساعات قليلة من مغادرة الجيش والشرطة. وهناك بؤر استيطانية في المنطقة “ب” لا يكترث بها الجيش والشرطة على الإطلاق. لو أراد نتنياهو حقًا، لأُخليت البؤر الاستيطانية، ولمنع الجيش المستوطنين من إعادة إنشائها. هذا ممكن، لأن دولة إسرائيل قررت التوسع تدريجيًا في المنطقة “ب”، وهذا ما يحدث على أرض الواقع. لقد كان هذا يحدث لسنوات دون ضجة كبيرة. الفرق الآن هو أن هذه الحملة أصبحت علنية تمامًا”.
يشير مزراحي إلى مشروع بناء تابع لشركة العقارات الفلسطينية “يو سي آي”، كان من المقرر تنفيذه على أراضي قرية ترمسعيا في المنطقة “ب”، والذي أُلغي بعد سلسلة طويلة من أعمال التخريب التي استهدفت المعدات الهندسية، وهجمات عنيفة شنّها مستوطنون ضد العمال والمشترين المحتملين. ويُعدّ انهيار هذا المشروع محور دعوى قضائية بملايين الدولارات رفعتها الشركة الفلسطينية أمام محكمة القدس المركزية ضد الجيش الإسرائيلي، والشرطة الإسرائيلية، وعدد من المستوطنين الذين كانوا في طليعة الجهود المبذولة لوقف العمل.
وتفصّل الدعوى، التي رفعها مكتب المحاماة مايخائيل سفارد ومكتب المحاماة حسين أبو حسين، 74 مداهمة وهجومًا عنيفًا شنّها مستوطنون بين صيف 2019 وصيف 2022، جميعها في المنطقة “ب”، وهي منطقة تقع فيها سلطة التخطيط وإصدار تراخيص البناء على عاتق السلطة الفلسطينية، التي وافقت على تنفيذ المشروع. اشترت الشركة 120 دونمًا للمشروع، وكان من المقرر بناء 94 منزلًا عليها بنظام البناء الذاتي، على سفح جبل يُطل على حقول وبساتين زيتون غربًا. كانت هناك مشكلة واحدة لم يتوقعها أحد: قرب المشروع من مستوطنة “عمي حاي”، التي تبعد حوالي 950 مترًا في خط مستقيم.
استرد أموالك
يقول المحامي سفارد: “هذا مشروع مُصمم للطبقة المتوسطة التي ترغب في الخروج من المدينة واستنشاق بعض الهواء النقي. وهذا أيضاً سبب نجاح الشركة الكبير في التسويق. بيع معظم المشروع في غضون عشرة أيام. بدأت المشاكل عندما وصل المساحون إلى الموقع لتحديد حدود قطع الأراضي والطرق المؤدية إليها”.
في 26 من أصل 74 هجومًا وردت تفاصيلها في الدعوى القضائية، لحقت أضرارٌ بالأعمال في الموقع (بما في ذلك إضرام النار في أدوات هندسية، وتخريب معدات العمل، وإتلاف البنية التحتية)، وفي 19 حالة، تعرّض عمال الموقع أو العملاء الذين جاؤوا للاستفسار عن المشروع، أو أولئك الذين اشتروا قطع أراض بالفعل، للهجوم. وفي بعض الحالات، أُصيب المهاجمون بجروحٍ استدعت علاجًا طبيًا.
أحد هؤلاء، عرفات الطحان، من سكان البلدة القديمة في القدس، وصل برفقة أطفاله صباح يوم 26 حزيران 2022، للاطلاع على سير العمل في قطعة الأرض التي اشتراها. وصف في إفادة خطية مرفقة بالدعوى: “حوالي الساعة التاسعة صباحًا، رُشقنا بالحجارة من قبل مجموعة من المستوطنين الملثمين وهم يهتفون: الموت للعرب. طالبونا بمغادرة المكان. ركبت سيارتي مع أطفالي وبدأنا بالانسحاب. أثناء القيادة، رشقني المستوطنون بالحجارة، مما أدى إلى تحطيم الزجاج الأمامي للسيارة وإصابة وجهي”.
تمكن الطحان من الوصول بسيارته إلى مفترق طرق ترمسعيا، حيث نقلته سيارة إسعاف لتلقي العلاج في مستشفى شعاري تسيدك بالقدس. شُخِّصت إصابته بكسور في الوجه والأنف ومحجر العين، ودخل المستشفى لإجراء عملية جراحية. وذكر في إفادته أنه عند وصوله إلى المستشفى، اتصل بالشرطة الإسرائيلية، وأخبرهم بالاعتداء الذي تعرض له، وطلب منهم الحضور إلى المستشفى لأخذ شهادته حول الحادث. وأضاف: “رفضوا الحضور، وقالوا إنه يجب عليّ الذهاب إلى مركز شرطة بنيامين وتقديم بلاغ. لكنني كنت في حالة بدنية ونفسية صعبة، وكنت أخشى العودة إلى تلك المنطقة”.
بعد تعافيه وعودته إلى منزله، قرر التخلي عن القصة قائلاً: “أدركتُ أن هذه منطقة خطرة وأن هجمات المستوطنين تعيق تقدم المشروع. وبناءً على ذلك، تواصلتُ مع الشركة وطلبتُ إلغاء عقد الشراء واسترداد أموالي، وقد تم ذلك”.
تُعدّ هذه القضية مُذهلة لأنها تُبيّن بوضوح كيف يُسيطر المستوطنون على المنطقة، وليس الجيش الإسرائيلي، ولا الشرطة، وبالتأكيد ليس الإدارة المدنية. بعد وقت قصير من بدء الهجمات، لجأت الشركة الفلسطينية إلى المحكمة العليا مطالبةً بإصدار أمر للجيش والشرطة بفرض النظام في منطقة المشروع بما يسمح باستئناف العمل. تعهّد الجيش الإسرائيلي بالعمل على ضمان استمرار العمل، وقبلت المحكمة هذا التعهد ورفضت الدعوى. لكن في الواقع، استمر العنف في المنطقة بل واشتدّ. أنشأ المستوطنون بؤرة استيطانية مُجاورة لمنطقة المشروع وشنّوا منها هجمات، وأمر الجيش الشركة بوقف العمل حتى يُسيطر على الوضع. لم يحدث ذلك، فقررت الشركة الانسحاب من المشروع وإعادة الأموال إلى عملائها.
رُفعت الدعوى القضائية قبل نحو شهر، وتبلغ قيمتها حوالي 18 مليون شيكل. إلى جانب الجيش والشرطة، تُرفع الدعوى ضد عدد من المستوطنين، من بينهم إليشع يارد، الذي أصبح شخصية بارزة في التلال، وعميشاف ميلات، التي كانت ناشطة رئيسية في كل ما يتعلق بمعارضة الأعمال، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو ميدانيًا. وقد أبلغت الدولة المستوطنين أنها ستطالبهم بتكاليف التقاضي إذا أمرتها المحكمة بدفع التعويضات. يُذكر أن يارد استُدعي للاستجواب بناءً على شكاوى قدمتها ضده شركة المقاولات، لكنه لم يمتثل، فتركت الشرطة الأمر.
قد تُشكل هذه الإجراءات سابقة قانونية، وتفتح الباب أمام دعاوى تعويض من الفلسطينيين ضد الجيش الإسرائيلي والشرطة، بمن فيهم مثيرو الشغب الذين يحرضون على العنف أو يشاركون فيه. وسيُقاضى كل من يُضرم النار في سيارته أو منزله أو يُخرب معداته الزراعية. ستتمكن المجتمعات التي أُجبرت على إخلاء منازلها على يد مثيري الشغب من مقاضاة الجيش الإسرائيلي والشرطة لعجزهما عن التدخل.
لم ترد السفارة
مرت أربع سنوات منذ أن قررت منظمة UCI وقف العمل. عندما وصلنا إلى ترمسعيا، الثلاثاء من هذا الأسبوع، طلبنا من ياسر علقم، أحد أعضاء المجلس المحلي، أن يصطحبنا لرؤية الموقع الذي كان من المفترض أن يُقام فيه المشروع. قال مذعورًا: “حاشا لله، حاشا لله أن نذهب إلى هناك. أخشى على حياتكم كما أخشى على حياتي. سيرانا المستوطنون عند اقترابنا وسيهاجموننا على الفور”.
علقم نفسه استُخدمت سيارته لتوثيق الهجوم الوحشي الذي شنه مستوطنون ملثمون مسلحون بالهراوات في أكتوبر الماضي، والذي وقع أثناء قيام القرويين بجني أشجار الزيتون في أرض زراعية تابعة لترمسعيا. ولا تزال صورة المستوطن الملثم وهو يضرب عفاف أبو عليا، وهي من سكان القرية وتبلغ من العمر 53 عامًا، على رأسها بعصا خشبية عالقة في الأذهان من هذا التسجيل. بعد الاعتداء، نُقلت إلى المستشفى إثر إصابتها بنزيف دماغي. وفي هذه القضية، تمكنت الشرطة من الوصول إلى المشتبه به، أرييل دهاري (24 عامًا)، وهو من سكان إحدى البؤر الاستيطانية في المنطقة، ووجهت إليه تهمة الاعتداء العنيف بدافع قومي.
ويقول علقم إن القرية كانت محاطة ببؤر استيطانية كان سكانها يرهبون السكان المحليين، الذين كانوا يخشون الخروج إلى الأراضي الزراعية والعمل فيها. “انظروا إلى أشجار الزيتون هناك،” وأشار إلى منطقة ليست ببعيدة عنا، “إنها جافة تمامًا. اقتلعها المستوطنون من جذورها بالجرافات. أترى المبنى الأبيض؟” وأشار بإصبعه إلى مكان أبعد قليلًا، “هذه مستوطنة لرجل واحد، يُدعى عميشاف ميلات. جاء مع زوجته وأطفاله إلى منطقتنا، المنطقة “ب” وفقًا لجميع الخرائط، بما فيها خريطتكم أيها الإسرائيليون، كانت هناك خيمة. بعد أن رفض الجيش إخلاء الخيمة، أقام مبنى، وبعد أن رفضنا إخلاء المبنى، أقام مبنى آخر، ثم أحضر حافلة أيضاً، وانظر بنفسك، الآن لديه مجمع كامل هناك. لديه بندقية إم 16 وهو يُرهب القرية بأكملها مع جميع المستوطنين الآخرين الذين حاصروا منطقتنا بمستوطنات جديدة. نحن قرية يحمل 80 في المئة من سكانها الجنسية الأمريكية. لقد تواصلنا مع السفارة الأمريكية في القدس عدة مرات، بما في ذلك مع المساعد الشخصي للسفير مايك هاكابي. ووُعدنا بالتواصل معنا، لكننا لم نتلقَّ أي رد من السفارة حتى الآن. عندما صوّرتُ فيديو الهجوم أثناء موسم الحصاد، كان معي في السيارة صحفي أمريكي مستقل صور الحادثة. لقد شعر بالرعب مما رآه وعايشه. أثار هذا الفيديو ضجة كبيرة، لكنه لم يُحدث أي تغيير في وضعنا”.
بصرف النظر عن العنف، كيف تؤثر البؤر الاستيطانية في المنطقة (ب) على حياتك؟
“إنها ضمٌّ فعلي، هذا ما هو عليه. ضمٌّ تدريجي. شيئًا فشيئًا، حتى يُسيطر المستوطنون على الضفة الغربية بأكملها. على العالم أن يتدخل فيما يحدث لنا هنا”.
هؤلاء عصابات، مافيا
في شباط الماضي، عرض وزير المالية ووزير الدفاع، رئيس الصهيونية الدينية، سموتريتش، رؤيته على نشطاء حزبه. وبافتراض أن الحزب سيكون جزءًا من الحكومة التي ستُشكّل بعد الانتخابات، لم يُخفِ هدفه: “إلغاء اتفاقيات أوسلو الملعونة، والشروع في طريق السيادة مع تشجيع الهجرة من غزة، وكذلك من الضفة الغربية”. وكيف يُمكن تشجيع الهجرة دون إجبار الناس على ركوب الشاحنات؟ بفرض الإرهاب وارتكاب أعمال إرهابية تجعل الحياة هنا بائسة.
تقول يولي نوفاك، المديرة العامة لمنظمة بتسيلم: “من السهل على الكثيرين إلقاء اللوم على المستوطنين فقط، لكن العنف الوحشي الذي يهدف إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم هو نتيجة سياسة إسرائيلية سافرة وتورط الجيش بشكل كامل. يعيش الناس في خوف دائم من أن تصل في أي لحظة ميليشيات من المدنيين المسلحين، وتهاجمهم، وتستولي على أراضيهم ومنازلهم”.
أردنا الاقتراب أكثر لنرى البؤرة الاستيطانية التي أُقيمت مقابل خربة أبو فلاح. قال الباحث في منظمة بتسيلم، محمد رومانة، كان هذا أخطر ما يمكننا فعله. قُتل 14 فلسطينيًا على يد المستوطنين منذ بداية العام، وكان آخر حادث وقع الأربعاء من هذا الأسبوع في قرية سنجل، الواقعة على الجانب الآخر من الطريق السريع 60، مقابل ترمسعيا. في خربة أبو فلاح، أخبرنا السكان عن ليلة من المذبحة شنّها المستوطنون في أوائل آذار، قُتل خلالها اثنان من سكان القرية رميًا بالرصاص، وتوفي ثالث اختناقًا بعد استنشاق الغاز المسيل للدموع. بعد شهر ونصف، وعلى بُعد كيلومترين من أبو فلاح، في مدرسة قرية المغيّر المجاورة، قُتل اثنان من السكان، صبي يبلغ من العمر 14 عامًا ورجل بعمر 32 عامًا، رميًا بالرصاص على يد مستوطن.
وقفنا على تلة مع سعد شومان، أحد سكان أبو فلاح، وكان يتفقد البؤر الاستيطانية التي أُقيمت على أرض القرية، وكلها تقع في المنطقة “ب”. وقال: “هؤلاء جميعًا أناس يرتدون الكيباه الكبيرة، متدينون. قولوا أنتم، من هؤلاء؟ قبل يومين، وصل مستوطنان يستقلان سيارة “سوبارو” إلى المدرسة في قريتنا، وأطلقا خمس رصاصات على سيارات كانت متوقفة في الشارع، ثم انطلقا هاربين. هؤلاء مجرمون، مافيا. إنهم قادمون لإيذاء أرواحنا والاستيلاء على أرضنا. يسرقون أغنامنا وماعزنا، ويكسرون الأشجار، ويحرقون المنازل”.
هل سمعت قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية يقول إن هؤلاء إرهابيون يهود، وأنه يجب علينا التحرك ضدهم؟
“التصريح شيء، والفعل شيء آخر. الواقع هنا يُظهر أن الجيش يتعاون مع المستوطنين ولا يحمينا. هذه المنطقة (ب)، وهي منطقة من المفترض أن تكون هادئة، خالية من المستوطنات. لم نتوقع أو نتخيل أن يحدث شيء كهذا. هناك اتفاقيات وقعتها إسرائيل، ووعود قطعتها على نفسها لدول حول العالم. اقتصادنا هنا مُدمر تمامًا.” كان الدونم الواحد في القرية يساوي 80 ألف دينار، أي ما يعادل 110 آلاف دولار تقريبًا. منذ وصول المستوطنين، فقد قيمته تمامًا. لقد مُحيت قيمته. أخبرني، من سيشتري أرضاً هنا في ظل هذا الخطر؟” وأشار إلى الموقع الحدودي على التل المقابل. لاحظ صديقه شخصين يراقباننا، فحثنا على مغادرة المكان “قبل أن يأتوا ويهاجموننا”.
——————————————
هآرتس 17/5/2026
نتنياهو وهو يسوّق اغتيال الحداد كنجاح استراتيجي: وجه الحكومة الراهن
بقلم: عاموس هرئيل
قُتل عز الدين الحداد، آخر قادة حماس الذين خططوا لمذبحة 7 أكتوبر، مساء أول أمس الجمعة، في عملية اغتيال نفذها سلاح الجو الإسرائيلي في غزة. هذه المرة لن ينقذه درع بشري يتمثل بالمراقبات الإسرائيليات اللواتي قام رجاله باختطافهن من قاعدة “ناحل عوز” في صباح الهجوم.
كان الحداد ورجاله يحتجزون عشرات الرهائن الإسرائيليين منذ بداية الحرب. ومثل كثير من قادة الحركة، كان يحرص على التنقل برفقة الرهائن لفترات طويلة خوفاً على حياته. ومقارنة مع سلوك وحشي يتبناه معظم قادة حماس، يزعم أنه كان يعامل بعض الرهائن أحياناً بإنسانية أكبر. هذا لا يقلل من حجم مسؤوليته عن المذبحة التي جبت حياة 1200 مدني وجندي، وتم خلالها اختطاف 251 إسرائيلياً آخر في قطاع غزة. وأعلنت إسرائيل عند بداية الحرب بأنها ستحاسب كل من شارك في المذبحة، وعلى مستوى قيادة حماس العليا، أصبحت إسرائيل على وشك استكمال مهمتها.
لكن خلافاً للرسائل التي وجهت لوسائل الإعلام المتحمسة مساء أمس، لا يبدو اغتيال الحداد خطوة حاسمة. وثمة شك بأن تؤدي التغييرات في قيادة غزة إلى تخفيف موقف حماس في مسألة نزع سلاحها.
والتصريحات العاطفية التي أصدرها نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، مساء أمس، حتى قبل تأكيد قتل الحداد، تعكس الوضع الراهن للحكومة. تحاول إسرائيل بكل جهد إقناع الرأي العام بأن الإنجازات العسكرية التكتيكية على كل الجبهات تشير إلى اقترابها من النصر الحاسم الذي وعدت به دائماً، دون أن تتمكن من تحقيقه. عملياً، يعتمد التغيير في غزة ولبنان على التقدم السياسي بدرجة كبيرة، الأمر الذي يرفض نتنياهو المخاطرة به. أما في إيران فقد خرج مصير الحملة عن سيطرة إسرائيل منذ زمن. وما بقي هو احتفال صبياني بالانتقام، وكأن الحداد لن يستبدل في القريب بإرهابي لا يقل عنه تطرفاً، وكأن نقطة الانكسار التي تتخيلها حماس تعتمد على اختفاء أحد قادتها.
خلافاً للرسائل التي وجهت لوسائل الإعلام المتحمسة مساء أمس، لا يبدو اغتيال الحداد خطوة حاسمة. وثمة شك بأن تؤدي التغييرات في قيادة غزة إلى تخفيف موقف حماس في مسألة نزع سلاحها
يأتي الاغتيال في غزة في وقت تتصاعد فيه التوترات بين الطرفين من جديد. حماس ترفض تنفيذ نصيبها من خطة ترامب التي تتكون من 20 بنداً، برفضها تسليم سلاحها، فردت إسرائيل بالسيطرة على المزيد من الأراضي غرب الخط الأصفر، الذي جعلها في الأصل تسيطر على نصف قطاع غزة. تمهد الحكومة والجيش الإسرائيلي الطريق لاستئناف الحرب في قطاع غزة على نطاق واسع، هذه المرة دون أن تمتلك حماس أوراق ضغط على شاكلة مخطوفين. هذا هو السياق الذي تصاغ فيه خطط تتحدث مجدداً عن إجلاء قسري لعدد كبير من الفلسطينيين من جزء من القطاع، وتعد مرة أخرى بحسم يصعب تحقيقه.
لكن ما سيحدث في قطاع غزة يعتمد بالدرجة الأولى على أولويات ترامب وتشتت اهتماماته، الذي لم يعط نتنياهو حتى الآن الضوء الأخضر لشن هجوم جديد. يركز ترامب على ما يحدث في إيران، وحسب تقارير في وسائل الإعلام الأمريكية وانطباعات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، هو على وشك اتخاذ قرار استئناف القتال. لقد حاول ترامب تأجيل الحرب قدر الإمكان، لكنه ربما وصل إلى استنتاج أن كل البدائل الأخرى استنفدت، وأن الضربة العسكرية وحدها الكفيلة بدفع القيادة الإيرانية إلى إعادة النظر في موقفها. عملياً، مثلما هي الحال في غزة، يصعب التصديق بأن ما تم تجربته بأشكال مختلفة لفترة طويلة سيؤدي إلى نتيجة مختلفة هذه المرة.
تجري الولايات المتحدة وإسرائيل باستمرار عمليات تنسيق عسكري معقدة، استعداداً لاحتمالية استئناف الغارات الجوية. وإذا سعى ترامب إلى السيطرة على حجم التصعيد فقد يصدر تعليماته لنتنياهو بعدم الانضمام للهجوم في المرحلة الأولى، تاركاً للولايات المتحدة مهمة إعطاء إشارات، على أمل أن يتراجع الإيرانيون في مرحلة معينة. العمل المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد يزيد من حجم الضرر الذي ستتكبده إيران، لكن ترامب قد رأى بالفعل في المرحلة الأولى من الحرب الحالية أنه لا يملك دائماً السيطرة الكاملة على تحركات نتنياهو، وأن الهجمات الإسرائيلية على مواقع الطاقة في إيران أدت أحياناً إلى تصعيد أكبر مما كان مخططاً له.
على الرئيس أيضاً أن يحسن إدارة تحركاته في الساحة الدولية. فالحرب التي اختار إشعالها، بمساعدة نتنياهو وإقناعه، لا تحظى بشعبية كبيرة في الداخل والخارج، ويسعى إلى طريقة لإنهائها. بعض المقربين من ترامب يحاولون إقناعه بأن استخدام المزيد من القوة العسكرية سيتحقق الغاية، ولو لفترة محدودة. قرار ترامب بشأن إيران سيؤثر أيضاً على مسار الأحداث في لبنان، حيث يستمر تبادل إطلاق النار بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله كل يوم.
أعلنت الحكومة اللبنانية عن تحقيق تقدم إيجابي في اللقاء الثالث بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن في الخميس الماضي. ولكن حزب الله ما زال يعارض نزع سلاحه، ويشترط وقف إطلاق النار القادم بتغيير الوضع الراهن الذي تحدد بعد وقف إطلاق النار السابق في تشرين الثاني 2024. وهذا الوضع سمح للجيش الإسرائيلي بالاحتفاظ بخمسة مواقع عسكرية في الأراضي اللبنانية ومهاجمة مواقع الحزب وعناصره متى يشاء. وسيصعب إنهاء الأزمة اللبنانية باتفاق من دون حل الأزمة الإيرانية أولاً.
——————————————
إسرائيل اليوم 17/5/2026
إسرائيل تتوجس أسوأ الخيارات الثلاثة: هل سئم ترامب؟
بقلم: البروفيسور إيال زيسر
لسنوات عديدة لم نشهد –إسرائيل والشرق الأوسط، وعملياً في العالم كله– وضعاً يكون فيه الكثير منوطاً بإرادة وقرارات رجل واحد: ترامب. القوة التي جمعها ترامب في يديه، وبالتأكيد في غياهب الساحة الأمريكية – تلك الحزبية، السياسية وبالطبع العسكرية – غير مسبوقة وتسمح له باتخاذ قرارات بعيدة الأثر قلة من الرؤساء قبله تجرأوا على اتخاذها دون أن يتجرأ أحد داخل الإدارة على تحديها أو التشكيك في اعتباراتها. قرار ترامب الخروج إلى حرب ضد إيران، وقبل ذلك للهجوم على فنزويلا، دليل على ذلك.
لكن صعوبة توقع خطواته تقدر بحجم الحمل الملقى على كتفيه. ونحن في إسرائيل لا يتبقى إلا أن ننتظر كل يوم ساعات ما بعد الظهيرة المبكرة عندنا، ساعات الصباح في واشنطن، حين يستيقظ الرئيس ترامب من نومه وينطلق في حملة تغريدات تدل على مزاجه ونواياه، صحيح حتى ساعة التغريدة.
في قرار تاريخي فاجأ الكثيرين، انطلق ترامب إلى حرب ضد إيران، لكن بالتصميم والحزم ذاتهما اللذين بدأ بهما الحرب قرر بعد شهر إنهاءها قبل الأوان وحاول أن يحقق بطرق سياسية ما لم يفلح في تحقيقه في أثناء المعارك
في قرار تاريخي فاجأ الكثيرين، انطلق ترامب إلى حرب ضد إيران، لكن بالتصميم والحزم ذاتهما اللذين بدأ بهما الحرب قرر بعد شهر إنهاءها قبل الأوان وحاول أن يحقق بطرق سياسية ما لم يفلح في تحقيقه في أثناء المعارك.
مع الإعلان عن وقف النار، بدأ ترامب يخوض مفاوضات عقيمة مع الإيرانيين لا تؤدي إلى أي مكان. فالفجوات في مواقف الطرفين غير قابلة للجسر إلا إذا رفع أحد الطرفين علماً أبيض، وأغلب الظن لن يكون هذا الطرف هو إيران. وبعامة، يد المعسكر المتطرف في طهران هي العليا، وهذا غير مستعد لأي تنازل. فبعد كل شيء، يرى الإيرانيون أن ترامب هو من تراجع أولاً حين قرر وقف النار، وبذلك أظهر ضعفاً، ولئن كان هذا هو وجه الأمور فكل ما عليهم فعله، أن يبقوا على قيد الحياة بأي ثمن، وأن يصروا على موقفهم وألا يتنازلوا. وفي نهاية الأمر، يبدو أن ترامب الخاضع لضغط داخلي وخارجي لإنهاء الحرب هو من سيستسلم.
غير أن ترامب شدد في الأسبوع الأخير نبرة تغريداته، وكذا تهديداته لإيران بنحو قد يفيد بأنه اقتنع بأن الإيرانيين يخدعونه، وأن المفاوضات التي يجريها معهم بلا جدوى. يفهم من تغريدات ترامب أنه يفقد صبره، وبعد كل شيء فإن طول النفس والصبر لم يكونا من صفاته. لكنه هو نفسه أو مبعوثوه يواصلون خوض مفاوضات حثيثة مع الإيرانيين بواسطة جملة وسطاء وعلى رأسهم باكستان. من هنا يثور السؤال الكبير: أين سيتجه ترامب مع إصرار إيران على عدم تغيير أو تبديل مواقفها.
أمامه إمكانية واحدة، وهي مواصلة الوضع الحالي المتمثل باللاسلام ولا اتفاق، ولكن أيضاً اللاحرب؛ على أن يؤدي تشديد الخناق على إيران إلى إضعاف النظام. المشكلة أن إيران تلعب على الوقت، وتبذل كل جهودها في محاولة للبقاء على قيد الحياة، إلى أن يمر الغضب وينهي ترامب ولايته. ربما تصعب إيران هجماتها على دول الخليج، الهجمات التي لا تحظى بأي رد من جانب الولايات المتحدة.
الإمكانية الأخرى هي العودة إلى حرب قوية مثلما يكرر ترامب تهديده. إن بناء القوة العسكرية في المنطقة المتواصل يدل على رغبة في اللجوء إلى الخيار العسكري وعدم التنازل عنه. وربما تكون تغريدات ترامب ليست سوى محاولة لخداع الإيرانيين إزاء نواياه الحقيقة.
وأخيراً، الإمكانية الثالثة والأسوأ من كل الإمكانيات إسرائيلياً، هي أن ترامب سئم، وقرر قطع الصلة بالحرب وبالخليج الفارسي، ويسعى تحت ظل استئناف القتال إلى توقيع اتفاق بأي ثمن مع الإيرانيين هو بمثابة رفع علم أبيض واستسلام لإيران ومطالبها.
سبق لترامب وأثبت أن بإمكانه أن يفاجئ ويفعل الأمر الصحيح، وكل ما يتبقى هو الأمل بأن يفعل ذلك مرة أخرى.
——————————————
هآرتس 17/5/2026
بين القرم وغزة.. رسالة إلى الأوروبيين: مضحكون.. كلكم فيكتور أوربان
بقلم: جدعون ليفي
أوروبا تحب إسرائيل وإسرائيل تحب أوروبا. هذا الكلام قد يبدو سخيفاً، لكن الصورة أعقد من الادعاء السائد بأن إسرائيل “مجذومة”. فالدولة المصابة بالجذام لا تُستقبل في مسابقة اليوروفيجين بهذا الشكل. معظم الحكومات في أوروبا ترغب في إظهار حبها لإسرائيل، ومعظم الإسرائيليين يحبون أوروبا. الرأي العام أيضاً متناقض تجاه إسرائيل؛ فبعضه يريد الاستمرار في حبها، لكنه لا يستطيع تحمل أفعالها الفظيعة، والنتيجة أن الكراهية “المبررة” لإسرائيل تصل إلى مستوى غير مسبوق. والتوجهات السياسية السائدة الآن تلزم الحكومات بـ “اتخاذ خطوات” ضد إسرائيل – ما هي الخطوات التي تتخذها أوروبا الكلاسيكية؟ عقوبات على 2.5 مستوطن.
الأسبوع الماضي، قرر مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على عدد من المستوطنين ومنظماتهم. لتسمع السماء والأرض: حتى الرئيس التنفيذي السابق لمنظمة “هشومير” تم تطبيق عقوبات عليه. لن تتمكن دانييلا فايس من زيارة الشانزليزيه، ولن يتمكن مئير دويتش من المشاركة في الحفلات “كولد بلاي” الموسيقية، وأصول “نحلاه” سيتم تجميدها، والسماء ستسقط على مشروع الاستيطان.
لم يكن تحقيق هذه الإجراءات “القاسية” بالأمر السهل؛ فقد بقي الاتحاد الأوروبي لأكثر من سنة يتخبط بجدية معهودة، وفشل في التوحد حولها بسبب الفيتو المجري. وقد أزالت هزيمة فيكتور أوربان في الانتخابات الأخيرة لأوروبا، ومنحتها شعوراً مزيفاً بالرضى عن النفس في صورة عقوبات مصغرة من “عليّ إكسبرس”.
لا يمكن للمرء إلا أن يضحك. ولكن لا شيء مضحكاً هنا. فبعد سنتين ونصف على حرب إبادة جماعية في غزة لم تنته حتى الآن، وبعد المذابح اليومية ضد سكان الضفة الغربية العزل، حصلنا على عقوبات شكلية. هذا هو إسهام أوروبا في الإنسانية وقيمها، وهذا هو ردها على الرأي العام: عقوبات على “ريغافيم”. وكأننا نتحدث عن بضع منظمات استيطانية متمردة، وليس عن دولة بأكملها تدعمها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وكأننا لا نتحدث عن حكومة ينفذ المستوطنون سياستها، وجيش ينفذ أوامرها.
مع هذه “العقوبات”، كان من الأفضل لو لم تحرك ساكناً. تذكري يا أوروبا، كيف تصرفتم فور غزو روسيا لشبه جزيرة القرم. لم تعاقبوا ثلاثة ضباط، بل عاقبتم قوة عظمى بأكملها في غضون أسابيع. كيف كان تصرفكم مع روسيا منذ ذلك الحين، وكيف كان تصرفكم مع جنوب إفريقيا في حينه – كما هو متوقع، من جهة دافعت عن القانون الدولي وعن قيم الأخلاق التي تشكل الملهم لها. لكن إسرائيل، يا للعجب! حالة خاصة، “حالة خاصة” إلى درجة أن مشاعر الذنب التاريخية التي تستغلها إسرائيل بسخرية حتى آخر قطرة، تشل القارة الأوروبية.
كان على ألمانيا أن تقود هذا المعسكر كعمود من نار. فهي التي نفذت أفظع الجرائم في التاريخ وتعرف علامات الجرائم الأولية أكثر من أي دولة أخرى. وهذا لا يقتصر على الفلسطينيين فقط، بل يشمل أيضاً أحفاد الضحايا اليهود. لكن ألمانيا تخشى من اتهامها باللاسامية.
يؤيد يمين أوروبا في معظمه سياسة إسرائيل الوحشية ضد المسلمين الذين كما يقولون “يلوثون” بلادهم أيضاً. أما اليسار المعتدل، مثل اليسار المعتدل في أي مكان، فهو يتردد ويخشى. إن موجة الاحتجاجات ضد إسرائيل واسعة وحقيقية، لكن يد الحكومات ما زالت تخمدها. ومثلما تخشى أوروبا من اتهامها باللاسامية، وتخشى الولايات المتحدة أيضاً. وما دامت الولايات المتحدة لم تغير موقفها من إسرائيل – التغيير وشيك – فلن تتجرأ أوروبا على التغيير، ولن يتم فرض القيود الا بإشارة من واشنطن.
لن يكون هذا بالضرورة نبأ سيئاً لإسرائيل. صحيح أن الكراهية الشعبية في أوروبا وصلت إلى مستويات جنونية، بل ومبالغ فيها أحياناً، لكن إسرائيل فعلت كل ما في استطاعتها لإثارة هذا الوضع. أخيراً، سيُفرض ثمن باهظ على الإبادة الجماعية في غزة وعلى المذابح في الضفة الغربية، سيشعر فيه كل إسرائيلي بشكل مباشر. عندها، قد تندلع الثورة.
——————————————
يديعوت احرونوت 17/5/2026
تُعدّ الاغتيالات إنجازًا هامًا، لكنها لا تُفضي إلى نتيجة حاسمة واستراتيجية
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين
لا شكّ أن تصفية عز الدين الحداد (أبو صهيب) تُشكّل ضربةً موجعةً لحماس. فقد كان الحداد أحد آخر أعضاء “خلية” السنوار الصغيرة التي خطّطت لمجزرة 7 أكتوبر وقادت العملية، وآخر قادة الألوية في الجناح العسكري للحركة الذين شغلوا هذا المنصب في بداية الحرب. كما كان أحد مهندسي مشروع تحويل الذراع إلى “جيش” ، الامر الذي تسارع مع سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007، وساهم بشكلٍ رئيسي في تطوير واستيعاب عقائد قتالية جديدة.
يُشكّل اغتياله ضربةً وظيفيةً ورمزيةً في آنٍ واحد، كونه كان قياديًا بارزًا معروفًا لدى عامة الناس. ومع اختفائه، برز عددٌ من المرشحين لقيادة الذراع، جميعهم من أعضاء “الصفوف الخلفية” الذين ارتقوا في المراتب بسرعةٍ منذ 7 أكتوبر نتيجةً للضربة الشديدة التي تلقتها المنظمة: محمد عودة، رئيس المخابرات العسكرية الذي شارك في التخطيط لهجمات 7 أكتوبر؛ مهند رجب، القائد الحالي للواء غزة؛ وعماد عقل، رئيس جهاز “الجبهة الداخلية” في الذراع العسكري.
ورغم هذا الإنجاز المهم، لا ينبغي أن نتوهم، وعلينا أن نستخلص العبر من عمليات الاغتيال المروعة التي نفذتها إسرائيل منذ 7 أكتوبر: بدءًا بنصر الله، مرورًا بهنية والعاروري والسنوار والضيف، وانتهاءً بخامنئي. في حالة منظمات “المقاومة” المتعصبة التي تقوم رؤيتها للعالم على التضحية والحملات الطويلة، تكون الضربات قاسية دائمًا، لكن لم يحدث انهيارٌ على الإطلاق في صورة تفكك تنظيمي، أو انشقاقات جماعية للناشطين، أو استنكار شعبي ضد هذه العناصر. هذا درسٌ هامٌ حول طبيعة العدو وكيفية التعامل معه، وهو درسٌ لم يُفهم في السابع من أكتوبر، ومن المشكوك فيه أن يكون قد تم استيعابه بعمق منذ ذلك الحين.
لقد تعلمت إسرائيل على مدى أكثر من نصف قرن أن الاغتيالات إنجازٌ هام، لكنها لا تُفضي في أي حال من الأحوال إلى نتيجة حاسمة، بل إنها في بعض الحالات أدت إلى صعود قادة لا يقلون كفاءةً، بل ربما يفوقون، أولئك الذين تم تصفيتهم، كما كان الحال مع نصر الله، الذي خلف عباس موسوي، الذي تم تصفيته عام 1992. وفي سياق مماثل، ثمة ارتباكٌ حاليًا بشأن نعيم قاسم، الأمين العام الحالي، الذي خلف نصر الله، الذي تم تصفيته هو الآخر. لطالما ارتبط اسم قاسم بصورة باهتة وضعيفة، لكن منذ عملية “سهام الشمال” أواخر عام 2024، تمكن من إعادة بناء التنظي، ومنذ بداية “زئير الأسد”، يقود حملة أطول وأكثر حزمًا مما كان متوقعًا في إسرائيل. ولذلك، تُعدّ عمليات التصفية بالغة الأهمية، لكن لا يمكن اعتبارها “استراتيجية”.
منذ تعيين الحداد رئيسًا للذراع العسكري في منتصف عام 2025، بعد تصفية محمد السنوار، هيأ الظروف التي كان من المفترض أن تسمح لحماس بالبقاء حتى بعد تصفيته. في الأشهر الستة التي تلت بدء وقف إطلاق النار، ركز على إعادة بناء الهيكل العسكري لحماس، بما في ذلك تعيين قادة جدد، وتجنيد أعداد كبيرة من النشطاء، وإعادة تأهيل الوحدات، فضلًا عن تعزيز آليات الحكم في حماس، وهي جهود تسمح للتنظيم بالاستمرار في لعب دور القوة المهيمنة في غزة رغم ما تلقاه من ضربات.
… في غضون ذلك، يُنصح بالتخلي عن الحجج التي سُمعت منذ أول أمس، والتي مفادها أن الاغتيال سيُسهّل التقدم في مفاوضات التسوية في غزة، نظرًا لمواقف الحداد المتشددة، لا سيما فيما يتعلق بنزع السلاح. وهذا يُردد صدى الادعاءات التي شاع سماعها خلال الحرب، والتي مفادها أن كل مسؤول رفيع المستوى يُقتل يُشكل عقبة أمام التوصل إلى اتفاق، وأن انفراجة باتت متوقعة الآن. على الأقل في الوقت الراهن، لا توجد أي مؤشرات على وجود خلاف بين قادة حماس بشأن قضية الأسلحة، ومعظم القرارات الاستراتيجية يتخذها قادة قطاع غزة الذين يُديرون عملياتهم حاليًا من قطر، وعلى رأسهم خليل الحية.
في اليوم التالي للاغتيال، تعود إسرائيل إلى معضلة غزة المعقدة. فمن جهة، يُسيطر الجيش الإسرائيلي على أكثر من نصف قطاع غزة، ويمنع حماس من تهريب الأسلحة (عبر السيطرة على محور فيلادلفيا)، ويواصل إلحاق الضرر بالحركة. مع ذلك، لا تلوح في الأفق أي بوادر لتغيير جذري في واقع قطاع غزة، وكما ذُكر، فرغم جمود المفاوضات بشأن تسوية الأزمة في المنطقة، فإن حماس لا تُبدي أي مرونة في موقفها من نزع السلاح، وهي في أحسن الأحوال مستعدة للتخلي عن بعض أسلحتها (وخاصةً ما يُصنف على أنه “أسلحة ثقيلة”).
تتخذ إسرائيل العديد من “الجولات” لكنها تعود في النهاية إلى نفس المفترق الاستراتيجي حيث لا يوجد سوى خيارات سيئة، وعليها أن تختار أهون الشرور. يمكن أن يستمر الوضع الراهن، على أمل ألا ينشأ أي ضغط خارجي (بما في ذلك من ترامب)؛ من الممكن اللجوء إلى احتلال غزة بالكامل والبقاء في المنطقة لفترة طويلة، لكن هذا مشروط بموافقة أمريكية (وهي غير مؤكدة في ظل استمرار المشاكل مع إيران ولبنان)، ويتطلب حشد الرأي العام المنهك الذي يزداد تشككاً في شعار النصر المطلق، فضلاً عن تفسير التكلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الباهظة المترتبة على مثل هذا القرار. ومن الممكن تعزيز نظام خالٍ من الأوهام قائم على حكومة تكنوقراطية في غزة، في حين أن حماس ضعيفة لكنها لم تختفِ، ومن الضروري مواصلة العمل ضدها وضمان عدم سيطرتها على فيلادلفيا، مع العمل في الوقت نفسه على خطة للقضاء عليها مستقبلاً. وتواجه إسرائيل معضلات مماثلة على الساحتين اللبنانية والإيرانية، حيث يتضح أيضاً أن الأعداء لا يُقضى عليهم، وأن المعارك الخاطفة تحولت إلى حروب استنزاف، وتبرز الحاجة إلى “فعل سياسي” ينهي الحكاية.
من المرجح أن يكون اليوم التالي للحداد مشابهاً لليوم الذي سبقه، وكذلك المعضلات الاستراتيجية والبدائل التي تواجه إسرائيل. ما يجب تغييره هو التصورات الأساسية، المشبعة بالأوهام، عن الواقع والتي تسببت بالفعل في أضرار جسيمة بعد السابع من أكتوبر، لا سيما في غزة.
——————————————
معاريف 17/5/2026
تصفيات بلا افق
بقلم: آفي أشكنازي
من يوم مذبحة 7 أكتوبر فعل عز الدين الحداد كل شيء كي ينجو. ضمن أمور أخرى أبقى الى جانبه ناجي أسر وبينهم مجندات المراقبة من ناحل عوز إميلي دماري ومختطفين كثيرين آخرين.
عندما نجح الجيش الإسرائيلي في أن يخرج من مدينة غزة نحو 800 الف مواطن، وفي واقع الامر أسقط للواء مدينة غزة الذي قاده عز الدين الحداد خط الدفاع فسارع الى قبول اتفاق استسلام، يحرر فيه كل المخطوفين – الاحياء والاموات بل وتعهد في نزع سلاح حماس. بالتوازي، بدأ يتنقل بين شقق اختباء في مدينة غزة. مر اكثر من شهر نصف منذ أن طلب الشباك والجيش من المستوى السياسي تصفية الحداد. فضلا عن الموضوع الأخلاقي والقيمي لاغلاق حساب مذبحة 7 أكتوبر والاعمال التي قام بها كبير القتلة كي يضرب قوات الجيش الإسرائيلي في اثناء حرب السيوف الحديدية، يدور الحديث عن شخصية هامة تصدر في الفترة الأخيرة خط عدم نزع سلاح حماس وتعاظم حكم المنظمة في القطاع فيما كان يستغل حقيقة ان الانتباه العالمي انتقل الى ما يجري في القتال في ايران وفي لبنان.
استغرق المستوى السياسي شهر ونصف كي يحصل من الولايات المتحدة على الاذن بالتصفية بعد أن حسم الامر في كريات جات في أن الحديث يدور عن معارض حاد لخطة السلام للرئيس دونالد ترامب.
في سياق السنتين والنصف من حرب السيوف الحديدية ضرب الجيش الإسرائيلي تقريبا كل اطر القيادة العسكرية لحماس. كل قادة ألوية المنظمة الذين شنوا الحرب لم ينجوا منها. هكذا أيضا معظم قادة الكتائب، السرايا والحظائر. في معظم وحدات حماس اضطروا لان يبدلوا العديد من القيادات في كل اطار بعد أن كان الجيش والشباك صفوا بديل بديل البديل. ووصل الوضع الى أنه في أماكن معينة رفض رجال حماس على أن يأخذوا على عاتقهم الترفيع ومناصب القيادة.
غير أن الهدنة منذ شهر تشرين الثاني 2025، في نهاية حملة “عربات جدعون 2″، ووقف النار الذي اعلن منذئذ أتاحت للحداد إعادة بناء اطر القيادة في بعض من وحدات حماس في غزة. لكن هنا ينبغي ان يكون التحفظ في أن هؤلاء هم قادة شبان عديمو التجربة وقدرات القيادة والتنظيم.
التعويض الذي وجدته حماس على ذلك هو قدرتها على ان تسيطر سواء داخل المنظمة ام على السكان في قطاع غزة، بقوة أموال الضرائب التي تجبيها من شاحنات المساعدات – نحو 600 كل يوم. ما يجعل حماس ليس قوة سلطوية حصرية بل وأيضا رب عمل شبه وحيد في قطاع غزة.
منذ بضعة أسابيع وقادة فرقتي 162 و 98 الذين نزلوا من القتال في لبنان، في اعداد الخطط للمناورات في ساحتين مختلفتين: غزة ولبنان. في القطاع، الخطة هي ضرب ما تبقى من بنى تحتية لحماس في غزة، توجد مناطق لم يعمل فيها الجيش الإسرائيلي في اثناء الحرب بسبب وجود مخطوفين في هذه المناطق. اما الان فقد بات الجيش الإسرائيلي حرا من هذا القيد. هو يجلس على الخط الأصفر ويتحكم في المراقبة وبالنار على كل مناطق قطاع غزة. ومع صدور الضوء الأخضر ستعرف الفرق المناورة كيف تندفع الى المهمة.
لكن المشكلة هي في قيادتنا السياسية. الحكومة الحالية عديمة اقلاع سياسي بالنسبة لمسألة اليوم التالي. وعليه فطالما لم تطرح إسرائيل بديلا سلطويا واقعيا حول من يحكم في غزة في اليوم التالي لحماس، فان الجيش الإسرائيلي سيكون مطالبا بان يبحث عن بديل بديل الحداد لاجل تصفيته.
——————————————
هآرتس 17/5/2026
مفهوم الامن الجديد
بقلم: اوري بار يوسف
بهدوء، وبدون أي نقاش علني، وحسب علمنا بدون أي نقاش يذكر في الجيش الإسرائيلي أو هيئة الامن القومي أو الحكومة، شهدت النظرية الأمنية لدولة إسرائيل تحول جذري. فبدلا من النظرية التقليدية التي جمعت بين استخدام الوسائل العسكرية والسياسية لانهاء الصراع مع العالم العربي، انتقلنا الى نظرية تعتمد بشكل حصري على القوة العسكرية (القوة الغاشمة كما يعرفها الاستراتيجي توماس شلينغ)، وتتمحور حول رؤية “دولة اسبرطة” تعيش على حد السيف الى الأبد.
تتجلى النتائج على ارض الواقع: خطوط دفاع داخل قطاع غزة ولبنان وسوريا، الى جانب تعميق منهجي للاحتلال في الضفة الغربية؛ ازمة في القوة العاملة وعبء كبير في المهمات تدفع رئيس الأركان الى رفع “10 أعلام حمراء” في مجلس الوزراء، الذي من جانبه يستخف بهذا التحذير، وهناك احتكاكات يومية على اربع جبهات تؤدي الى سقوط ضحايا مع إمكانية كامنة تدميرية اكبر بكثير؛ وميزانية دفاع باهظة؛ وعزلة متزايدة على الصعيدين الدولي والإقليمي، حيث ينفد صبر العالم جراء سياسة قمعية وعنيفة وغير أخلاقية اكثر من أي وقت مضى؛ وشعور متزايد باليأس في اوساط الإسرائيليين يتجلى في “هجرة” الكثير من الكفاءات.
أي شخص يبحث عن أسس فكرية لهذه الرؤية الجديدة سيجد صعوبة في العثور عليها في خطاب عام أو في وثيقة مكتوبة. ولكن في تقرير “لجنة دراسة ميزانية نظام الدفاع وبناء القدرات” (لجنة فينغل)، الصادر في كانون الأول 2024، تكمن ثلاثة افتراضات أساسية لها طابع أيديولوجي واضح، يبدو أنه صاغها أعضاء في اللجنة مثل يعقوب عميدرور وآفي ايتام. من الجدير دراسة هذه الافتراضات لمعرفة كيف وصلنا الى هذه المرحلة.
وفقا للافتراض الأول، اذا “خسرت دولة إسرائيل ولو مرة واحدة، فهذا سيكون بمثابة نهاية الدولة القومية للشعب اليهودي، لذلك يجب أن تعتبر هذه النقطة حجر الزاوية في أي تصور للنظرية الأمنية”. هذا تصريح عفا عليه الزمن، ويستند الى اقوال بن غوريون التي قيلت في خمسينيات القرن الماضي عندما كانت إسرائيل في وضع عسكري غير مواتي وتفتقر الى العمق الاستراتيجي في مواجهة خطر هجوم من تحالف جيوش نظامية. أما الآن فالوضع الأمني مختلف كليا. فقد زال خطر الغزو والاحتلال، والجيش الإسرائيلي هو الأقوى في المنطقة (يجب أن يبقى هكذا). وللتصدي لاي تهديد وجودي تمتلك إسرائيل قدرة ردع نووية كبيرة (حسب مصادر اجنبية). لا شيء من هذا يتردد في تصريحات أعضاء اللجنة المتغطرسة.
أما الفرضية الأساسية الثانية فهي انه لن تنشأ ديمقراطيات أخرى في الشرق الأوسط، وستستمر المنطقة في الاستناد الى التنافس العسكري. “في ضوء ذلك يجب على إسرائيل ان تدرك بانه مقدر لها أن تستعد لـ “الحرب القادمة” وأن تعتمد على قوتها حتى… خلال فترة هدوء طويلة. يجب أن يكون السيف حاد وجاهز في كل الأوقات”. من الجيد أن يكون كتاب التقرير يعرفون نظرية “السلام الديمقراطي” من تسعينيات القرن الماضي، رغم ظهور بعض الشروخ فيها منذ ذلك الحين. كان من الأفضل لو أنهم أشاروا الى ان إسرائيل لم تعد ديمقراطية بالمعنى الحقيقي، الامر الذي يفاقم التنافس الحقيقي في المنطقة.
أما تجاهلهم لمبادرة السلام التي اطلقتها جامعة الدول العربية، والتي بقيت مطروحة على جدول الاعمال لاكثر من عشرين سنة، فهي أقل إيجابية. صحيح ان الدول الموقعة ليست ديمقراطية، لكن مصر والأردن ليست كذلك أيضا، ومع ذلك فان السلام معها مستقر. فعندما تندلع الديمقراطية، مثلما حدث في الانتخابات البرلمانية في 2011، التي أوصلت حركة الاخوان المسلمين الى الحكم في مصر، يتضعضع الاستقرار ويزداد خطر الحرب. باختصار، ربط انهاء الصراع بدمقرطة العالم العربي هو هراء يهدف الى التغطية على أيديولوجيا تدعم استمرار الاحتلال وتوسعه.
أما الفرضية الثالثة الأساسية فتنص على ان الولايات المتحدة “هي محور إسرائيل الاستراتيجي ولا غنى عنها”، وأن الدعم الأمريكي والاوروبي سيأتي في الأساس اذا “ادركوا ان إسرائيل قوية ومستقرة… دولة حازمة ومستعدة للدفاع عن نفسها وقادرة على التغلب على اعدائها لوحدها”. هذا البيان يثير المخاوف من ان يكون تصور كاتبي التقرير للواقع مبني بشكل حصري على مشاهدة القناة 14.
في الواقع لا بديل عن الدعم الاستراتيجي للولايات المتحدة، ولكن حتى وقت كتابة التقرير كان من الواضح مستوى تراجع هذا الدعم وكذلك دعم أوروبا، في ضوء الصور الفظيعة للحرب في غزة، التي كانت نتاج “دولة حازمة… قادرة على التغلب على اعدائها لوحدها”. ومنذ ذلك الحين تسارعت هذه العملية، جزئيا لانه اصبح واضحا ان إسرائيل لا يمكنها التغلب على التهديد الإيراني لوحدها، وأنها تستعين بالولايات المتحدة لتحقيق ذلك. لم يعد انهيار العلاقات مسألة “هل سيحدث؟”، بل “متى سيحدث؟”. ان السياسة التي يجسدها التصور الذي قدمه كتاب التقرير تعزز هذا الانهيار، ومن المرجح أن تكون انتخابات منتصف الولاية في الكونغرس الأمريكي في تشرين الثاني بداية هذه العملية.
تتضح الكارثة الكامنة في التصور الأمني الجديد اكثر فاكثر. هذا ما يحدث عندما يتم استبدال بن غوريون بآفي ايتام. من المناسب ان يطرح قادة المعارضة، وعلى رأسهم غادي ايزنكوت، هذه القضية على الملأ، وأن يبدأوا في التعبير عن موقفهم. نحن نأمل ان يقترحوا مفهوم بديل يعزز امن الدولة وليس اضعافه.
—————-انتهت النشرة—————–

