المسار: يحمل يوم 12 آب/أغسطس في الذاكرة الفلسطينية والدولية مجموعة من المحطات السياسية والقانونية والإنسانية التي ارتبطت بفلسطين وشعبها وقضيتها، من مرحلة الانتداب البريطاني، مرورًا بتطور القانون الدولي المتصل بحماية المدنيين، وصولًا إلى مجزرة مخيم تل الزعتر، وحصار بيروت وقرارات مجلس الأمن، ثم محطات العدوان على قطاع غزة، وصولًا إلى الحرب المتواصلة وتداعياتها الإنسانية والسياسية في عام 2026.
وفيما يلي أبرز المحطات المرتبطة بهذا التاريخ، مع الالتزام بالتمييز بين الأحداث التي وقعت فعلًا في 12 آب/أغسطس والأحداث التي ارتبطت بالمرحلة التاريخية نفسها.
1921.. بداية المرحلة التي سبقت تثبيت نظام الانتداب
لا تُظهر السجلات الدولية المتاحة حدثًا فلسطينيًا مركزيًا موثقًا وقع تحديدًا في 12 آب/أغسطس 1921، ولذلك لا يصح نسب حدث إلى هذا اليوم دون سند تاريخي.
لكن عام 1921 كان جزءًا من المرحلة التي تبلور خلالها نظام الانتداب البريطاني على فلسطين، عقب انهيار الدولة العثمانية، وفي ظل تصاعد المشروع الصهيوني والهجرة اليهودية إلى فلسطين وتنامي الحركة الوطنية الفلسطينية المعارضة للانتداب والمشروع الاستيطاني.
ويأتي هذا التنبيه مهمًا لأن 12 آب/أغسطس 1922 يحمل بالفعل وثيقة دولية أساسية في تاريخ فلسطين.
1922.. عصبة الأمم تعتمد صك الانتداب على فلسطين
في 12 آب/أغسطس 1922 صدر صك الانتداب على فلسطين عن عصبة الأمم، ليصبح الإطار القانوني الدولي لإدارة فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني.
وتوضح وثائق محكمة العدل الدولية أن وثيقة “Mandate for Palestine” مؤرخة في 12 آب/أغسطس 1922.
وشكّل الصك إحدى الوثائق المؤسسة للمرحلة التي شهدت تطبيق السياسات البريطانية في فلسطين، في وقت كانت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية تواجه الانتداب وتعارض تحويل فلسطين إلى قاعدة للمشروع الصهيوني.
1949.. اتفاقية جنيف الرابعة وحماية المدنيين
في 12 آب/أغسطس 1949 وُقعت اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب، خلال المؤتمر الدبلوماسي الذي انعقد في جنيف.
وتنص الاتفاقية على حماية الأشخاص المدنيين في حالات الحرب والاحتلال، وأصبحت لاحقًا إحدى أهم المرجعيات القانونية في التعامل مع الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة بالنسبة للفلسطينيين، بعدما أكدت الأمم المتحدة في قرارات لاحقة انطباقها على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وعلى الأراضي العربية التي احتلت عام 1967.
وبذلك أصبح 12 آب/أغسطس نفسه تاريخًا لوثيقة دولية أساسية في منظومة القانون الدولي الإنساني التي يستند إليها الفلسطينيون في المطالبة بحماية المدنيين ووقف الانتهاكات أثناء الاحتلال والحروب.
1950.. اللاجئون الفلسطينيون والقدس في صدارة القضية
بعد نكبة عام 1948 وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين، أصبحت قضية اللاجئين وحق العودة والقدس في صلب التحركات السياسية الدولية.
وفي مرحلة ما بعد النكبة، كان ملف اللاجئين الفلسطينيين من أكثر الملفات إلحاحًا أمام الأمم المتحدة، إلى جانب قضية القدس وترتيبات التسوية السياسية التي لم تنجح في إنهاء الصراع.
ويظل هذا البعد حاضرًا في ذاكرة 12 آب باعتباره جزءًا من مرحلة تكريس قضية اللاجئين الفلسطينيين كقضية دولية مستمرة.
1976.. تل الزعتر: يوم سقوط المخيم والمجزرة
يُعد 12 آب/أغسطس 1976 واحدًا من أكثر الأيام إيلامًا في الذاكرة الفلسطينية.
ففي هذا اليوم سقط مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين في لبنان بعد حصار طويل خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وترافقت نهاية الحصار مع عمليات قتل واسعة بحق سكان المخيم.
وأصبح تل الزعتر رمزًا لمعاناة اللاجئين الفلسطينيين خارج وطنهم، وللمجازر التي تعرض لها الفلسطينيون في مخيمات اللجوء خلال الحرب اللبنانية.
ولم يكن المخيم مجرد تجمع سكاني، بل كان مجتمعًا فلسطينيًا للاجئين الذين حملوا معهم آثار النكبة وذاكرة القرى والمدن التي هُجّروا منها.
وهكذا ارتبط 12 آب/أغسطس في الذاكرة الفلسطينية باسم تل الزعتر، باعتباره أحد أكثر أيام تاريخ اللجوء الفلسطيني دموية.
1982.. قرار مجلس الأمن 518 خلال حصار بيروت
في 12 آب/أغسطس 1982، وفي خضم الحرب على لبنان وحصار بيروت، اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 518.
وطالب القرار الاحتلال وجميع أطراف النزاع بالالتزام الصارم بقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالوقف الفوري للعمليات العسكرية في لبنان، ولا سيما في بيروت، كما طالب برفع القيود المفروضة على المدينة بما يسمح بإدخال الإمدادات الضرورية للسكان المدنيين.
كما طلب القرار من مراقبي الأمم المتحدة الموجودين في بيروت وحولها تقديم تقارير عن الوضع، ودعا إلى التعاون الكامل لضمان انتشارهم وسلامتهم. وقد أُقر القرار بالإجماع في الجلسة رقم 2392 لمجلس الأمن يوم 12 آب/أغسطس 1982.
ويكتسب القرار أهمية فلسطينية مباشرة لأنه صدر في ذروة حصار بيروت، عندما كانت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وقواتها موجودة في العاصمة اللبنانية، قبل خروج قوات المنظمة من لبنان ضمن ترتيبات دولية.
2000 وما بعده.. قوات الشهيد عمر القاسم في مسار المقاومة
وفي سياق استحضار المقاومة الفلسطينية في هذه الذاكرة، تبرز كتائب المقاومة الوطنية – قوات الشهيد عمر القاسم، الجناح العسكري للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.
وسُمّيت القوات باسم المناضل الفلسطيني عمر القاسم، أحد أبرز قادة الجبهة الديمقراطية، والذي اعتُقل عام 1968 وقضى أكثر من عقدين في سجون الاحتلال، قبل استشهاده في حزيران/يونيو 1989.
أن اسم عمر القاسم أُطلق على الجناح العسكري للجبهة الديمقراطية، الذي عُرف باسم كتائب المقاومة الوطنية – قوات الشهيد عمر القاسم، وشارك في جولات القتال والمواجهة خلال حروب غزة، بما فيها حروب 2008 و2014 و2021، ثم في الحرب التي اندلعت بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وتأتي الإشارة إلى قوات الشهيد عمر القاسم في هذا السياق باعتبارها جزءًا من تاريخ المقاومة الفلسطينية المعاصرة، وليس باعتبار أن هناك بالضرورة عملية عسكرية محددة موثقة للقوات في 12 آب/أغسطس من كل عام.
وفي السنوات الأخيرة، واصلت القوات إصدار بياناتها العسكرية خلال الحرب على قطاع غزة، ضمن نشاط الجناح العسكري للجبهة الديمقراطية، وأعلنت مشاركتها في المواجهات إلى جانب فصائل فلسطينية أخرى.
2006.. حرب لبنان ووقف إطلاق النار
في آب/أغسطس 2006 كانت المنطقة تعيش تداعيات حرب لبنان، التي ارتبطت بصورة مباشرة بالمشهد الفلسطيني الأوسع، في ظل استمرار الاحتلال والحصار والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
وجاءت ترتيبات وقف إطلاق النار في لبنان في سياق قرار مجلس الأمن 1701، بينما ظلت القضية الفلسطينية جزءًا من المشهد الإقليمي الذي شكلته الحروب والاحتلال والتهجير.
وتكتسب هذه المرحلة أهميتها في ذاكرة 12 آب بسبب استمرار حضور قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وخصوصًا بعد عقود من مأساة تل الزعتر.
2014.. غزة تحت العدوان وهدنة الـ72 ساعة
في 12 آب/أغسطس 2014 كانت غزة تعيش اليوم الثاني من هدنة مؤقتة مدتها 72 ساعة خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع.
وأكد تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن وقف إطلاق النار كان صامدًا في يومه الثاني، دون تسجيل خروقات خلال الفترة التي غطاها التقرير.
لكن الهدوء المؤقت جاء بعد دمار واسع، إذ أشار التقرير إلى أن نحو 335 ألف فلسطيني ظلوا في مراكز الإيواء أو لدى عائلات مضيفة، فيما كان نحو 100 ألف شخص بحاجة إلى مساكن بديلة بسبب تدمير منازلهم أو تعرضها لأضرار بالغة.
كما أشار التقرير إلى أن عدد الأطفال الفلسطينيين الذين قُتلوا في العدوان وصل إلى 459 طفلًا، وهو رقم تجاوز مجموع الأطفال الذين قتلوا في الحربين السابقتين على غزة عامي 2008-2009 و2012، وفق البيانات التي كانت متاحة آنذاك.
وهكذا تحول 12 آب 2014 إلى يوم هدنة مؤقتة فوق ركام حرب واسعة، بينما كانت المفاوضات في القاهرة تبحث عن وقف دائم للقتال.
2021.. استمرار الاعتقالات والانتهاكات في الأراضي الفلسطينية
في 12 آب/أغسطس 2021 استمرت الاعتقالات والاقتحامات والانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في أعقاب التصعيد الكبير الذي شهدته فلسطين في أيار/مايو من العام نفسه.
وشهدت تلك المرحلة استمرار ملف الأسرى في مقدمة القضايا الفلسطينية، إلى جانب الاستيطان والاقتحامات والاعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس.
2023.. القضية الفلسطينية تدخل مرحلة حرب مفتوحة
في عام 2023 كانت فلسطين تدخل مرحلة جديدة من الصراع بعد عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر والحرب الواسعة التي أعقبتها على قطاع غزة.
وفي هذا السياق، شاركت قوات الشهيد عمر القاسم، وفق المصادر التي توثق نشاطها، في المواجهة خلال الحرب، إلى جانب فصائل فلسطينية أخرى، وأعلنت مشاركتها في عمليات عسكرية ضد القوات الإسرائيلية خلال الحرب.
وأعاد ذلك اسم القوات إلى واجهة المشهد الفلسطيني بوصفها أحد الأجنحة العسكرية المنضوية ضمن منظومة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.
2024.. استمرار الحرب والعمليات في قطاع غزة
في عام 2024 استمرت الحرب على غزة، بالتزامن مع عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة وتوغل بري وقصف جوي ومدفعي ودمار هائل في مختلف أنحاء القطاع.
وفي هذه المرحلة أعلنت قوات الشهيد عمر القاسم، إلى جانب فصائل فلسطينية أخرى، تنفيذ عمليات ضد القوات الإسرائيلية في عدة مناطق من قطاع غزة.
ويأتي ذلك ضمن المسار الذي جعل اسم القوات حاضرًا في بيانات المقاومة خلال سنوات العدوان المتعاقبة، وصولًا إلى الحرب التي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2023.
2025.. غزة بين القصف والتجويع واستهداف الصحفيين
في 12 آب/أغسطس 2025 كانت الحرب على قطاع غزة تدخل مرحلة جديدة من التصعيد، وسط أزمة إنسانية خانقة ونزوح واسع وتجويع ودمار كبير.
وفي ذلك اليوم، أفادت الأمم المتحدة بأن الأمين العام أنطونيو غوتيريش دعا إلى التحقيق في قتل صحفيين فلسطينيين في غزة، وقال المتحدث باسمه إن ستة صحفيين فلسطينيين قتلوا خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينهم خمسة يعملون مع شبكة الجزيرة، مؤكدًا ضرورة حماية الصحفيين وتمكينهم من أداء عملهم بحرية.
كما أعرب خبراء أمميون في اليوم نفسه عن صدمتهم إزاء قتل أربعة من صحفيي الجزيرة في غارة على خيمة قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة، معتبرين أن استهداف الصحفيين يهدد القدرة على توثيق ما يجري في القطاع.
وفي الوقت ذاته، كانت القوات الإسرائيلية تواصل قصف مناطق في مدينة غزة، وسط تحضيرات لتوسيع العمليات العسكرية والسيطرة على أجزاء أوسع من المدينة، بينما كانت مفاوضات وقف إطلاق النار تواجه تعثرًا.
كما كان الجوع وانهيار النظام التعليمي والخدمات الأساسية يطبعان الحياة اليومية في غزة، حيث تحولت أولوية كثير من الأطفال والطلاب من التعليم إلى البحث عن الطعام.
2026.. 12 آب/أغسطس في ظل حرب وتداعيات لم تنتهِ
يأتي 12 آب/أغسطس 2026 والقضية الفلسطينية ما تزال في قلب أزمة إقليمية ودولية متواصلة، مع استمرار تداعيات الحرب على غزة، وتصاعد الضغوط على الضفة الغربية، وتواصل الاستيطان والتهجير والاقتحامات، إلى جانب استمرار المساعي الدولية المتعلقة بوقف الحرب وإعادة الإعمار والمساعدات وحماية المدنيين.
ويعيد هذا التاريخ إلى الواجهة سؤالًا فلسطينيًا عمره أكثر من قرن: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يترجم قراراته وقواعد القانون الدولي إلى حماية فعلية للشعب الفلسطيني وحقوقه غير القابلة للتصرف؟
قرارات دولية ارتبطت مباشرة بتاريخ 12 آب
اتفاقية جنيف الرابعة – 12 آب 1949
وقّعت في 12 آب 1949، وهي اتفاقية أساسية لحماية المدنيين في زمن الحرب والاحتلال.
قرار مجلس الأمن 518 – 12 آب 1982
اعتمده مجلس الأمن بالإجماع في 12 آب 1982، وطالب بوقف العمليات العسكرية في لبنان وبيروت ورفع القيود المفروضة على المدينة للسماح بدخول الإمدادات الإنسانية، إضافة إلى دعم عمل مراقبي الأمم المتحدة.
القرارات اللاحقة بشأن اتفاقية جنيف
استندت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارات متعاقبة إلى اتفاقية جنيف الرابعة المؤرخة في 12 آب 1949، وأعادت التأكيد على انطباقها على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. ومن بين هذه القرارات 53/54، 54/77، 58/97، 59/122 و61/117.
12 آب.. من الانتداب إلى المقاومة والعدوان
على امتداد أكثر من قرن، يعكس يوم 12 آب/أغسطس مسار القضية الفلسطينية في أكثر من مستوى:
1921: مرحلة التحول التي سبقت تثبيت نظام الانتداب البريطاني، دون حدث مركزي موثق في 12 آب تحديدًا.
1922: صدور صك الانتداب على فلسطين في 12 آب.
1949: توقيع اتفاقية جنيف الرابعة في 12 آب.
1950: استمرار ملف اللاجئين والقدس في صدارة القضية الفلسطينية بعد النكبة.
1976: سقوط مخيم تل الزعتر والمجزرة التي رافقت نهاية الحصار.
1982: مجلس الأمن يصدر القرار 518 خلال حصار بيروت.
2000 وما بعده: حضور قوات المقاومة الوطنية، التي حملت اسم قوات الشهيد عمر القاسم، في مسار المقاومة الفلسطينية المعاصرة.
2006: حرب لبنان وتداعياتها على المشهد الفلسطيني والإقليمي.
2014: غزة تحت العدوان وهدنة الـ72 ساعة تدخل يومها الثاني.
2021: استمرار الاعتقالات والانتهاكات في الضفة الغربية والقدس.
2023: انطلاق مرحلة حرب جديدة على قطاع غزة، ومشاركة قوات الشهيد عمر القاسم في المواجهة وفق بياناتها ومصادر توثيق نشاطها.
2024: استمرار الحرب والعمليات العسكرية في قطاع غزة.
2025: تصاعد القصف والتجويع واستهداف الصحفيين، وتدخل الأمم المتحدة مجددًا للمطالبة بحماية الصحافة والمدنيين.
2026: استمرار تداعيات الحرب والصراع على الأرض والحقوق الفلسطينية.
ويبقى 12 آب/أغسطس تاريخًا تتقاطع فيه ذاكرة الفلسطينيين بين الانتداب والنكبة واللجوء والمجازر والقانون الدولي والحصار والمقاومة والعدوان على غزة؛ من تل الزعتر إلى بيروت، ومن اتفاقية جنيف إلى غزة، وصولًا إلى واقع فلسطيني ما زال مفتوحًا على الصراع من أجل الحرية والعودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

