المسار: في منشور فايسبوكي حظي بانتشار واسع، كتب البروفيسور حاييم فايس مانيفستو دفاعًا عن اليسار الصهيوني — وعن نفسه أيضًا — في مواجهة انتقادات اليسار المناهض للصهيونية، ما أثار نقاشًا محدودًا داخل الفقاعة اليسارية-الليبرالية-الإسرائيلية على شبكات التواصل. يعرّف فايس نفسه من خلال هوية متناقضة تجمع بين الصهيونية واليسار واليهودية. تناقضات لا يسعى إلى حلّها، بل إلى التعايش معها، بل وحتى إلى منحها شرعية بوصفها “توترًا صحيًا”. ذروة هذا البوست كانت في حديثه عن الجيش، حيث يرسم علاقة ملتبسة تجمع بين النفور والحنين، بين النقد والشعور بالواجب، ويصرّ على أنه لا تناقض بين الصهيونية ومعارضة الاحتلال — بل يرى في ذلك انسجامًا بحد ذاته وقيم الصهيونية الأولى، صهيونية الأباء المؤسسين.
كفلسطينية، وجدت نفسي أتساءل: ما الفارق الفعلي بين اليمين واليسار الصهيوني؟ ماذا يغيّر بالنسبة لي إن كان “يوناتان” اليساري الصهيوني يشارك في الاحتلال والتطهير العرقي والإبادة بتردّد أو ازدواجية المشاعر، بينما “أليشع” المستوطن اليميني الصهيوني يشارك فيها بحماسة واندفاع؟ في زمن الإبادة والمعجزة (في الخطاب اليميني-المسياني في إسرائيل، عبارة “فترة معجزة” تعني أن ما يحدث يُفهم ليس كأحداث سياسية أو عسكرية عادية، بل كـتحقق لإرادة إلهية أو نبوءة تاريخية)، فقدت كلمات مثل “مشاعري” و”هذا مركب” معناها. فما يُفعل باسم الصهيونية لم يعد يترك ل”معارضي الاحتلال” من اليسار الصهيوني مساحة للاختباء خلف هذه الضبابية.
في الواقع، تندفع الصهيونية، نحو مشروع استعماري ممتد ومترامي الأطراف ذو طابع خلاصاني-مسياني يمتد من البحر إلى النهر. وهذا ليس انحرافًا طارئًا عن الصهيونية، بل امتداد طبيعي لبنيتها الأولى: التهجير والإقتلاع، الاستيلاء، والاحتلال والإستيطان. أي يسار يستحق اسمه لا يمرّ على عام 1948 مرورًا عابرًا، ولا يكتفي بالاعتراف بالنكبة ومجرياتها. ما حدث لم يُطوَ، بل ما زال حيًا، يصوغ الحاضر بكل تفاصيله. هذا الاعتراف لا يكفي أن يبقى وعيًا أو أسفًا، بل يجب أن يتحوّل إلى موقف سياسي مناهض للصهيونية: ما الذي ينبغي فعله لتصحيح هذا المسار التاريخي؟ وأي امتيازات في نظام التفوق العنصري اليهودي على اليهود كجماعة التخلّي عنها — نعم، التخلّي عنها. عندها فقط يمكن الحديث عن يسار.
وحقًا، من المؤسف أن الفلسطينيين لا “يقدّرون” الفارق بين أن يُقتلوا برصاص جندي يساري صهيوني، أو برصاص جندي يميني صهيوني. فالفارق، كما يُقال، جوهري: حين تعرف أن من أطلق النار عليك يسار-صهيوني “مرهف”، واعٍ للتناقض، يعيش معه، وربما تردّد لوهلة — يفترض بك أن تستقبل الرصاصة بهدوء، بشيء من الطمأنينة. أما أن تموت برصاص يميني-صهيوني لا يكلّف نفسه حتى عناء تبرير هذا الواقع المعقّد؟ “شو هالموتة إللي ع الفاضي”.

