| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 29/3/2026
ان مجرمي المستوطنات في نظر الحكومة والكثير من الإسرائيليين هم ابطال
بقلم: جدعون ليفي
يشعر وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، بالقلق من اعمال عنف المستوطنين. وبحسبه هو يعرف ان الحكومة الإسرائيلية تقلق أيضا. اذا كان هذا هو مستوى معلوماتك، يا سيادة الوزير، فأنا اقلق أيضا، اقلق جدا. يبدو انك تجهل إسرائيل تماما، أو انك غبي، وليس واضحا ايهما أسوأ. الحكومة الإسرائيلية لا تقلق من عنف المستوطنين، بل هي تدعمه. هي ترغب في هذا العنف لانه يخدم مصالحها ويغذي جيشها. يجب ان تعرف، يا سيادة الوزير، بان مجرمي المستوطنات في نظر حكومة إسرائيل وعدد كبير من الإسرائيليين، هم ابطال هذا العصر. وبالتالي، هم لا يفعلون أي شيء لوقفهم.
أنت أيضا، يا سيد روبيو، لو كنت تقلق حقا لكنت وجدت طريقة لوضع حد لهذا العنف. عقوبة واحدة مؤلمة ولن يكون هناك عنف. ولكنك أنت وكل اسلافك اكتفيتم بالقلق، سنوات من القلق الاجوف من انتاج الولايات المتحدة. بسبب ذلك أنتم أيضا من وراء هذا العنف، تمولونه وتسلحونه.
بدلا من تلقي التقارير من سفيركم الغريب، الذي لا يعرف كيف يعمل في خدمتكم وهو على قناعة بان إسرائيل يجب أن تمتد من النيل الى الفرات – ربما أيضا انت تصدق وهمه؟. شاهدوا تقرير جيرمي دايموند الممتاز الذي تم بثه في الـ “سي.ان.ان” في نهاية الأسبوع الماضي، سترون هناك حجم قلق الحكومة الإسرائيلية. سترون هناك جنود إسرائيليين يتصرفون بوحشية، حتى مع المراسلين الأجانب. جنود جهاد يهودي يرتدون إشارة المسيح على زيهم العسكري، ويقول احدهم بسرور: “كل يهودا والسامرة هي لليهود”، في الوقت الذي يهدد فيه اصدقاءه بالسلاح ويعتقلون الفريق. يعترفون بان ما يفعلونه بالفلسطينيين هم انتقام شخصي على قتل مستوطن من البؤر الاستيطانية العنيفة، يهودا شيرمان، في ظروف غامضة.
هؤلاء الجنود يوجد لهم قادة، وهؤلاء قادة لهم حكومة، وجميعهم يقفون من وراء هذه المذابح. قائدهم اللواء آفي بلوط يتصرف مثل شخص مهمته حماية المشاغبين. وحتى الآن لم يقم بتقديم أي جندي للعدالة. هو من نفس القرية، نفس الطول ونفس الشعر ونفس القبعة الصغيرة التي تبشر بالارتهايد، ومعه الكثير من الضباط. هذا ليس صدفيا. فقد حصرت الحكومة القلقة على زيادة عدد من يرتدون القبعات في قيادة المنطقة الوسطى والإدارة المدنية. عندما يسرق جنوده الأغنام من المزارعين المساكين فان هذا اللواء يتثاءب. وعندما يخلي جنوده الساحات من اجل السماح للمستوطنين بقتل المزارعين بدون تقديمهم للمحاكمة، فانه يشعر بالملل. هل تعرف، يا معالي الوزير، بان جنود حرس الحدود الذين قتلوا عائلة في سيارتها لن يتم التحقيق معهم. هل هكذا تبدو الحكومة القلقة؟. من الذي يقلق؟ هل ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، رؤساء عائلة الجريمة التي تسمى المستوطنين؟ نحن نتحدث عن جماعة كوكلاس كلان الإسرائيلية، يا سيد روبيو، المدعومة من قبل الحكومة والجيش، وفي ظل لامبالاة شعبية مقيتة. كل ما يهم الإسرائيليين هو صورة بلادهم التي تضررت بسبب هذا العنف، وكأن هذا هو الأهم. انظروا الى وجه عبد الله ضراغمة المهشم، الشخص الذي عمه 75 سنة، وهو يئن تحت الألم في المستشفى بسبب الضرب المبرح من قبل المستوطنين، مثلما جاء في مقال دايموند. وحدهم أعضاء جماعة كوكلاس كلان يمكنهم ضرب شخص عجوز عاجز بهذه الطريقة، حتى كاد أن يموت.
يوجد لهذا العنف هدف واحد وهو طرد الفلسطينيين من أراضيهم. هذا كل شيء. ان تقاعس الولايات المتحدة هو تواطؤ في الجريمة. هل سمعتم عن الاحتلال؟ اخبروا رئيسكم عنه بلغته. اسالوه اذا كان يعرف من هؤلاء؟ واشرحوا له ان المستوطنين هم اشخاص سيئون، وان الاحتلال هو مشكلة كبيرة لا يمكن حلها الا من قبل الولايات المتحدة. اذا شرحتم له الامر بهذه الطريقة فربما يفهم. يمكنه حل هذه المشكلة بسهولة. بدون قوات برية وبدون صواريخ “بي2″، يكفي الضغط والعقوبات، مثلما تجيد فعل ذلك الولايات المتحدة. عندها ستتفاجأ أنت ورئيسك من سرعة انهيار هذا المصنع الفاسد. وعندها فقط سنرى شرق أوسط جديد، وربما حتى نصر مطلق.
——————————————
إسرائيل اليوم 29/3/2026
حين ننهي في ايران هل ننهي في لبنان ايضا
بقلم: ايال زيسر
الشارة الضوئية لترامب تلمع منذ الان. لم يتبقَ سوى الانتظار لنرى اذا كان سيظهر الضوء الأخضر وفي اعقابه تسارع الولايات المتحدة في حربها ضد ايران، تفتح بالقوة مضيق هرمز للملاحة وتحتل جزيرة “خرج” التي تصدر ايران نفطها من خلالها؛ أو ربما يظهر الضوء الأحمر الذي يجلب نهاية الحرب باتفاق يضمن استمرار حكم نظام آيات الله في طهران.
الواضح هو انه مع نهاية الحرب سيسارع ترامب والايرانيون للإعلان عن النصر. النظام في طهران سيتباهى في أنه نجا من محاولة الولايات المتحدة وإسرائيل لاسقاطه ويتعهد بمواصلة طريقه لتحقيق أهدافه وعلى رأسها إبادة إسرائيل.
اما الرئيس ترامب فسيبرز الإنجازات العسكرية وعلى رأسها الضربة القاسية لقدرات ايران العسكرية وتعزيز مكانته كزعيم متصدر في العالم لا يرغب احد في التورط معه. كل ما يتبقى لنا هو ان نتأكد من أن الاتفاق مع ايران اذا ما تحقق سيضمن أيضا المصالح الإسرائيلية التي من أجلها خرجنا الى الحرب.
لكن لمن نسي، نذكر بان إسرائيل توجد في حرب أيضا في الحدود الشمالية، ضد حزب الله. هذه الحرب، حتى لو كانت متنوعة، بدأت مع بدء المعركة في ايران وترتبط بها ارتباطا وثيقا.
ليس مفاجئا ان ضمت ايران ضمن مطالبها التي رفعتها الى ترامب لانهاء القتال، مطلب وقف القتال في لبنان أيضا، ولا يستبعد على الاطلاق ان يستجيب ترامب لهذا الطلب.
مشكوك ان أحدا ما عندنا يعطي الرأي في مثل هذه الامكانية، التي من شأنها أن تمنع حزب الله إنجازا دراماتيكيا سيسارع الى استغلاله كي يعزز مكانته في لبنان ويرمم قدراته حيالنا.
الحرب في لبنان تتواصل منذ ثلاثة أسابيع وليس لسكان الشمال نهار او ليل. حياتهم في ظل صافرات لا تتوقف ورشقات صواريخ ومُسيرات أصبحت لا تطاق. الحكومة قررت الا تخليهم من بيوتهم لكنها لم تتكبد أيضا عناء تزويدهم بوسائل تحصين، واخطر -لا تعمل بتصميم كي تزيل عنهم تهديد حزب الله.
المعركة التي تجري اليوم في الشمال هي دليل على خطأنا الاستراتيجي حين وافقنا على وقف النار في تشرين الثاني 2024، وبذلك منحنا حزب الله حبل نجاة تمكن التنظيم من استغلاله منذئذ. كما أن هذا الخطأ هو دليل على فشل عمل جيشنا المتردد والمحدود ضد التنظيم على مدىى الـ 15 شهرا الأخيرة والذي “لم يخدش طرف” حزب الله، الذي يواصل اطلاق عشرات الصواريخ نحو بلدات الشمال حتى حيفا والكريوت.
ليس المهم هي أخطاء الماضي، بل قراراتنا العملية اليوم. لكن الشكل الذي تدير فيه إسرائيل المعركة في لبنان عجيبة ومقلقة، وكأننا لم نستخلص الدروس من جولات مواجهة سابق وكأننا لم نستعد مرة أخرى لجولة المواجهة الحالية. الجيش الإسرائيلي لم يسراع الوتيرة حتى الان الحرب ضد حزب ا لله ولا يزال يتصرف بتردد ويواصل طريقه ببطء الى الليطاني. وكأننا لم نقرر بعد الى اين وجهتنا وكأنه يوجد لنا كل الوقت الذي في العالم قبل ان يأمرنا ترامب بالتوقف.
إسرائيل ملزمة بان تسارع في صراعها ضد حزب الله. علينا ان نهجر الوهم الذي اصبح مفهوما مغلوطا وبموجبه حكومة لبنان وجيشه هم من سيقومون نيابة عنا بالعمل وسينزعون سلاح حزب الله (في حينه آمنا أيضا بان السلطة الفلسطينية ستعمل ضد حماس وستنزع سلاحها).
بدلا من ذلك علينا أن نضرب بقوة التنظيم وغلافه السياسي والاقتصادي، الامر الذي لا نفعله بعد، كما نضرب الغلاف اللبناني حول التنظميم والذي يسمح له بالعمل ضدنا بلا عوائق.
لماذا كان ينبغي الانتظار ثلاثة أسابيع الى ان ضربنا (بشكل طفيف) قسما من الجسور التي يمرر عبرها حزب الله التموين لرجاله في جنوب لبنان؟ لماذا احتجنا ثلاثة أسابيع لان نكتشف بان لحزب الله جسم مسؤول عن توريد الوقود لرجاله والبدء بمهاجمة منشآته؟ ومثل هذا يوجد لحزب الله عشرات الاجسام الأخرى التي لم نضربها بعد. وقائمة العجب طويلة.
يجدر بنا ان نستيقظ قبل ان تنتهي جولة المواجهة هذه كسابقتها دون أن نضمن الهدوء والامن اللذين يستحقهما سكان الشمال.
——————————————
هآرتس 29/3/2026
ليس مهما عدد المستوطنين المقاتلين، وانما عدد الذين ينضمون بالفعل للجيش
بقلم: شاؤول ارئيلي
خلال سنوات ترسخ في الخطاب الإسرائيلي تصور مريح وهو ان المستوطنات الموجودة خلف الخط الأخضر هي فضاء له التزام امني مرتفع، ويتسم بكل خصائص الخدمة العسكرية. الصورة النمطية للمستوطنين هي صورة جمهور مؤيد، مساهم، مقاتل ويسيطر على مركز قيادة الجيش الإسرائيلي. لكن البيانات تظهر صورة معقدة اكثر. فالامر لا يقتصر على فئة واحدة، بل على ثلاث فئات مختلفة كل واحدة منها لها نمط خدمة مختلف.
الخلل الرئيسي لا يكمن في طبيعة الخدمة العسكرية، بل في هوية المجندين أصلا. هنا يظهر الخلل بوضوح. ففي مدن علمانية مثل اريئيل ومعاليه ادوميم يتجاوز معدل تجنيد الرجال والنساء المعدل الوطني، 69 في المئة و56 في المئة على التوالي. ولكن في موديعين عيليت وبيتار عيليت، حيث يعيش 32 في المئة من الإسرائيليين في الضفة الغربية، ينعدم معدل التجنيد. هذا ليس مجرد اختلاف كمي، بل واقعين مختلفين للمشاركة في النظام نفسه. في المجتمع المتدين القومي ينخفض معدل تجنيد النساء بشكل واضح أيضا، نتيجة الانتقال الى مسار الخدمة الوطنية.
هذا يقود الى الاستنتاج الأول: الخطاب العام يركز على السؤال الخطأ. ليس على كم هو عدد المقاتلين في يهودا والسامرة، بل على كم هو عدد المجندين؟. البيانات تظهر ان عدد المجندين في يهودا والسامرة هو اقل من عدد المجندين في تجمع مشابه في إسرائيل.
عندما يدرس المجندين تتغير الصورة. تتراوح نسبة المقاتلين من بين المجندين في مدن يهودا والسامرة حول المتوسط الوطني، 50 في المئة. في المجالس المحلية (22 في المئة من اجمالي الإسرائيليين) والمجالس الإقليمية (35 في المئة من اجمالي الإسرائيليين) تتشابه الأرقام، بل تتجاوزها أحيانا، حيث تصل نسبة المقاتلين من بين المجندين في المجالس الدينية القومية الى 77 في المئة. بكلمات أخرى، بمجرد التجنيد يصبح أداء الخدمة متشابه بين المجموعات ويتجاوز المعدل الوطني.
ويؤكد الرقم الأكثر اثارة للدهشة هذا الامر. فبين النساء المجندات في المدن الحريدية (التي يعتبر عددها ضئيل جدا) تتجاوز نسبة المقاتلات المعدل الوطني (7 في المئة)، بل وتتجاوز نسبة المقاتلات في المدن العلمانية. لا يغير هذا الرقم الصورة العامة، لكنه يبين الى حد ما ان المشكلة لا تكمن في قدرة الفرد او رغبته، بل في نطاق المشاركة.
اما الاستنتاج الثاني فهو واضح: عندما يجند الحريديون فانهم لا يقلون قتالية أو أهمية. تكمن الفجوة قبل التجنيد ليس بين المجندين انفسهم، وتظهر صورة مشابهة في مؤشرات الضباط، رغم ان معدل الضباط في المدن الأربعة في الضفة الغربية اقل من المتوسط الوطني (8.5 في المئة)، الا ان الفجوة بين المجموعات تتقلص مقارنة مع معدل التجنيد. بل ان معدل الضباط اعلى في المجالس المحلية الـ 13 والمجالس الإقليمية الـ 6. وفي مجالس الحريديين يقترب معدل الضباط (من بين المجندين) من المتوسط الوطني. هذا يعني انه حتى في مسارات القيادة لا يوجد استبعاد تام لمجموعات معينة، بل مشاركة محدودة.
اما الاستنتاج الثالث فيتعلق بوضع المتدينين القوميين. فهم بارزون بشكل خاص في الخدمة القتالية والقيادية. ففي المجالس الإقليمية يتجاوز معدل المقاتلين والضباط المتوسط الوطني، الامر الذي يمثل مساهمة كبيرة في العمود الفقري القتالي والقيادي في الجيش الإسرائيلي. بكلمات أخرى، اذا كانت هناك مجموعة ما زالت تجسد الصورة القديمة لـ “الالتزام الأمني العالي”، فهي المجتمع الديني القومي. مع ذلك، هي لا تمثل كل المستوطنين، بل فقط ما يزيد قليلا عن الثلث.
وتتعلق النتيجة الرابعة بالفجوة بين النساء، وهي اعمق من الفجوة بين الرجال. ففي حين تشهد مشاركة الرجال انتشار واسع نسبيا، اذا لم يكن متساويا، يوجد انقسام حاد بين النساء: معدل التجنيد مرتفع جدا في المجتمع العلماني ومنخفض جدا في المجتمع الديني القومي، ويكاد يكون معدوم في المجتمع الحريدي. مع ذلك ترتفع نسبة الضابطات بين المجندين المتدينين القوميين، وهذا يعني من جديد النمط نفسه: انتقائية عالية تنتج جودة خدمة عالية ضمن فئة صغيرة.
اما النتيجة الخامسة فتتعلي بالاختلاف بين أنواع السطات، لكن هنا أيضا يتبين أن هذا يعكس التركيبة الاجتماعية: المجالس الإقليمية ذات الكثافة السكانية العالية من المتدينين القوميين تظهر اعلى معدلات الخدمة، لا سيما في أوساط الرجال. وتتصدر المجالس المحلية العلمانية معدل التجنيد، في حين تظهر المجالس الحريدي معدل تجنيد منخفض، لكنها لا تختلف بشكل جذري في معدل المقاتلين والضباط بين المجندين.
امام النتيجة السادسة والاوسع فهي تتعلق بالتغير الديمغرافي. فلم يعد الاستيطان في الضفة الغربية حكر على الجمهور المتدين القومي، لان نسبة الحريديين في المنطقة اعلى بثلاثة اضعاف من المعدل الوطني، حيث تبلغ 38 في المئة من اجمالي الإسرائيليين في الضفة الغربية. وفي نفس الوقت تتراجع نسبة العلمانيين، والنتيجة هي انخفاض معدل المشاركة العامة للسكان الإسرائيليين في الضفة الغربية.
هذا ينعكس في الاتجاهات الممتدة لسنوات في الضفة الغربية: انخفاض معدل التجنيد، القتال، الرتب العسكرية بين الرجال. اما بين النساء فلا يوجد انخفاض في التجنيد، بل هناك زيادة في القتال. بكلمات أخرى، الصورة هنا أيضا معقدة لكن الاتجاه واضح: تراجع ملحوظ في مؤشرات الخدمة.
الاستنتاج السابق، وربما الأهم، الصورة العامة للمستوطنة كمساحة للالتزام الأمني لا تصمد امام اختبار البيانات. فهناك جماعات تقود وجماعات تشارك جزئيا وجماعات تكاد لا تشارك على الاطلاق. انها فسيفساء اجتماعية وليست كتلة متجانسة. وتتجاوز أهمية هذه الفجوة المجال العسكري. تعتبر الخدمة العسكرية احد آليات التماسك الرئيسية في المجتمع الإسرائيلي. وعندما تشارك فيها مجموعات كبيرة بدرجات مختلفة، ينشأ توزيع غير متكافيء للعب، وتظهر فجوة بمفهوم الشراكة المدنية، ومن هنا جاء الخلاف الحاد في داخل الائتلاف الحكومي حول قانون التجنيد الاجباري.
في نهاية المطاف البيانات لا تقدم صورة عن “من يساهم اكثر”، بل تشير الى تغيير جذري في التركيبة الاجتماعية للمستوطنة في الضفة الغربية وتداعياتها. لم تعد المستوطنة مثلما كانت، ومحاولة الاستمرار في وصفها بصور قديمة تخفي الحقيقة. وربما ان من يصممون على تجاهل هذه الاختلافات يفضلون رواية بسيطة على واقع معقد. تكمن المشكلة في ان الواقع، مثل البيانات، لا يتوافق مع الرواية المريحة.
——————————————
معاريف 29/3/2026
تدخل إسرائيل الى جنوب لبنان مع الكثير من القوة والقليل من التفكير السياسي
بقلم: افي اشكنازي
شهر على الحرب. سجل الجيشان الإسرائيلي والامريكي الكثير جدا من الإنجازات في المستوى التكتيكي. اما بالنسبة للمستوى الاستراتيجي فستكون حاجة للانتظار ومراجعة ذلك في الاختبار التاريخي.
اجتازت ساحة ايران في نهاية الأسبوع تغييرا لاهداف الهجوم. فالجيش الإسرائيلي يعمل في هذه اللحظة كي يضرب في عدة مراكز. أولا، منظومات الدفاع الجوي التي لا تزال تعمل. والهدف هو تدميرها والسماح بعمق دخول آخر لانشطة سلاحي الجو الإسرائيلي والامريكي بالعمل في كل ارجاء ايران. هكذا أيضا سيتمكنون في سلاح الجو من ضرب منصات صواريخ أخرى وصواريخ ارض ارض تبقت للايرانيين ينفذون بها النار الى إسرائيل والى الدول المجاورة في الخليج.
الخطوة الأخرى هي ضرب كل عناصر الصناعات الأمنية الإيرانية، بما في ذلك مصانع مركزية، مراكز تطوير وكذا موردين فرعيين، وحتى مستوى معامل صغيرة، محادد ومختبرات خاصة. الخطوة الثالثة هي مركز ثقل صناعة النووي والسلاح غير التقليدي الإيراني. ضمن أمور أخرى هاجم سلاح الجو مصانع فولاذ، المنشأة النووية في اراك واهدافا أخرى.
تحاول إسرائيل والولايات المتحدة الان خلق “ارض محروقة” للحكم الإيراني في اليوم التالي للحرب، بحيث لا يتمكنون من معرفة كيف ومن اين عليهم أن يبدأوا ترميم الجيش الإيراني، الحرس الثوري وأجهزة الامن. بمعنى ان الخطوة التكتيكية التي تجري الان يفترض أن تصمم صورة استراتيجية معقدة للحكم الإيراني في المدى الزمني القريب والمتوسط. خطوة استكمالية كفيلة بان تقع الان بالذات عندما يكون النظام ضعيفا، وهنا كفيل بان يدخل الانقلاب إياه الذي يتمناه المواطنون، ضد النظام.
في هذه الاثناء توجد عدة أمور عاجلة تتطلب العناية. أولا، حرية الملاحة في مضيق هرمز. من صباح أمس، بعاد إطلاق الصاروخ الحوثي الى إسرائيل، هناك تخوف من ان يرفع الوكيل اليمني أيضا الراس ويحاول تشويش الحركة في البحر الأحمر. وبالتالي فان على الجيشين الأمريكي والإسرائيلي أن يعملا او يبلورا تحالفا حربيا لاجل فتح مسارات الملاحة.
على الاتصالات لانهاء المعركة مع ايران ان تتم بعد استنفاد بضعة شروط تكتيكية: تسليم اليورانيوم المخصب، فتح المضيق وحريكة الملاحة والرقابة المستقبلية على صناعة الصواريخ الباليستية. المشكلة هي ان ايران هي قوة عظمى تكنولوجية غنية بالمناجم وعضو في محور الشر الذي يضم الصين، روسيا وكوريا الشمالية. وعليه فبوسعها أن تتلقى او تشتري تقريبا كل منتج دمرته الولايات المتحدة وإسرائيل حتى الان. هنا يطرح السؤال الكبير: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتوصل الى اتفاق لوقف الحرب بشكل لا يسمح لايراني بإعادة بناء نفسها عسكريا في السنوات القادمة – لا في قدرات انتاج محلية ولا في مشتريات من الخارج.
من ايران، الى ساحة لبنان المقلقة جدا. روى أمس مزارع في الجليل الغربي، يقع بيته يوجد على مسافة امتار قليلة عن الحدود مع لبنان، كيف يعمل الجيش الإسرائيلي في الشمال. من شهادة المزارع وشهادات عديدة أخرى تتضح الصورة التالية: حجب الجيش الإسرائيلي عشرات الاف المقاتلين في لبنان. في معظم المناطق التي دخل اليها الجيش استولى على نقاط ما في المنطقة وتوقف. يدور الحديث عن مئات الأمتار حتى بضعة كيلو مترات عن الحدود. يوجد الجيش الإسرائيلي في دفاع متقدم. معركة الدفاع عن المعركة الأصعب. مهمة المقاتلين هي ببساطة الا يتعرضوا للضرب. هذا يفهمه جيدا حزب الله الذي يطلق النار بلا توقف على القوات – نار مضادات الدروع ونار صاروخية.
يوجد الجيش الإسرائيلي الان في الشمال في وضع جد حساس وهش. في نهاية الأسبوع ارتفع عدد المصابين. معظمهم بنار مضادة – صاروخية ومضادة للدروع. خطة الجيش هي الوصول الى الليطاني وخلق خط مجرد من النهر وحتى الخط الأزرق. بمعنى ان إسرائيل كما يبدو تتجه لاعادة إقامة الحزام الأمني في لبنان. هذه المرة ستسمي هذا ربما باسم آخر – خط اصفر شمالي او دفاع متقدم، أو مهما اسمته سيكون المعنى واضحا: إسرائيل تخطط لان تقيم في جنوب لبنان “مرمى الاوز” في صيغة جديدة. لقد سبق أن كنا في هذا الفيلم كما يقال، وهذا فيلم رعب. مرة أخرى تدخل إسرائيل الى جنوب لبنان مع الكثير من القوة والقليل من التفكير السياسي. عمليا، بدون خطط سياسية لليوم التالي.
مقدمة هذا كان يمكن ان نراها في نهاية الأسبوع مع الإصابات العديدة لقواتنا. بعد نحو شهر من الحرب يجدر ان يعرض على الجمهور الاتجاه العام – كيف والى أين نسير في ختام العمل العسكري.
——————————————
يديعوت احرونوت 29/3/2026
بعد شهر من الحرب: ملخص أولي
بقلم: تساحي هنغبي
في السادس من نيسان، ينتهي الإنذار الذي وجهه الرئيس ترامب إلى إيران: “اقبلوا شروط الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، وإلا ستلتهمكم نار جهنم”. لطالما فضل النظام الإيراني التهديدات المبهمة بالجحيم الافتراضي، بدلاً من الخضوع التام لإملاءات ملموسة. لذا، يمكن افتراض أن التصعيد قادم لا محالة. في غضون ذلك، وبعد أربعة أسابيع من الصراع، يُظهر تحليل ميزان النجاحات والإخفاقات صورة مختلطة.
هذه هي أبرز خمسة إنجازات للضربات الأمريكية والإسرائيلية:
إلحاق أضرار جسيمة ومتعددة الأبعاد بالبنية التحتية الأمنية التقليدية الإيرانية (أنظمة الدفاع الجوي، الصناعات الدفاعية، القوات البحرية والجوية، مصانع إنتاج الصواريخ الباليستية، مرافق الاستخبارات والاتصالات والفضاء الإلكتروني- السايبر والفضائي).
إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الأمنية الداخلية (الحرس الثوري، قوات الباسيج، الشرطة).
إلحاق أضرار جسيمة بالقيادة السياسية والعسكرية والاستخباراتية الإيرانية.
بلغ التحالف السياسي والأمني بين إسرائيل والولايات المتحدة مستوىً من التقارب غير مسبوق. لا توجد دولة أخرى معروفة بامتلاكها علاقة مماثلة في القوة مع أقوى دولة في العالم. منذ حزبران الماضي، اطلعنا على الحوار السياسي الفريد الذي أجرته إسرائيل مع كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية، بدءًا من الرئيس ترامب ونائب الرئيس فانس والوزيرين روبيو وهغسيث. كما كانت تربط رئيسي الموساد ووكالة المخابرات المركزية علاقات وثيقة لسنوات. ما أُضيف في الأشهر الأخيرة هو تعاون عسكري غير مسبوق، في أكثر المجالات حساسية وسرية، أثبت أنه عامل مضاعف للقوة لكلا البلدين، وقد يُشكل نموذجًا مثاليًا للمساهمة الاستراتيجية المتبادلة في المستقبل.
تُحقق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية نجاحًا باهرًا يُحطم الأرقام القياسية. فالمزيج الناجح بين معدلات الاعتراض العالية – ليس فقط للأنظمة الإسرائيلية، بل أيضًا للشريك الأمريكي – والانضباط الذاتي المذهل لغالبية السكان، قلّل من عدد الضحايا، سواء في عملية “الأسد الصاعد” أو في السيناريوهات التي واجهها صانعو القرار أثناء التحضير للحملة الحالية.
وهذه هي “أهم” 5 إنجازات للعدو:
الضربة الافتتاحية الناجحة، بطريقة غير متوقعة، ساهمت فعليًا في انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى لإيران. في السنوات الأخيرة، ونظرًا لتقدم علي خامنئي في السن، ساد اعتقاد واسع بأن الحرس الثوري سيسعى يومًا ما إلى تتويج ابنه مجتبى، الأكثر تطرفًا بين المرشحين، مرشدًا أعلى لإيران. وقد أسفر اغتيال الأب وانتخاب الابن الناجي من الهجوم عن أسوأ نتيجة ممكنة. ورغم أنه لا يمكن حتى الآن تقييم مدى تأثيره العملي على القرارات التي يتخذها في الغالب كبار مسؤولي الحرس الثوري، إلا أن بقاء النظام سيُعزى إلى مجتبى، مما سيعزز مكانته.
لقد تمكنت إيران من استغلال سيطرتها على مضيق هرمز لتعزيز صورتها كقوة جريئة لا تتورع عن اتخاذ خطوات غير مقيدة. وقد فشل خصومها في فرض ثمن باهظ على أعمالها المتحدية، مما عزز موقفها في المفاوضات بشأن شروط إنهاء الحملة.
أظهر حزب الله قدرةً مذهلة على التعافي رغم الضربات القوية التي تلقاها خلال عملية سهام الشمال وبعدها. وتؤكد قدرته على الحفاظ على استمرارية نسبية في تشغيل أنظمة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة التقييم القائل بأن مساهمة اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان في تشرين الثاني 2024 في أمن المجتمعات الشمالية كانت ضئيلة.
نجحت آليات القمع الإيرانية، رغم اضطرارها للعمل تحت وطأة هجمات مميتة ومنهجية ودقيقة، في منع إعادة تنظيم الاحتجاجات. ولم تُكلل المحاولة الفاشلة لاستغلال احتفالات النيروز لحثّ الشعب الإيراني على النزول إلى الشوارع مجدداً بالنجاح. في الوقت نفسه، نجح النظام في إطلاق مظاهرات حاشدة تضامنًا مع سياسته خلال الحرب، مستغلًا جنازات كبار “شهدائه” ببراعة.
نجحت إيران في إرساء “توازن إرهاب” تجاه جيرانها في الخليج والدول الأوروبية. قد تتمنى السعودية والإمارات سقوطها سرًا، لكنهما مترددتان في الرد بالمثل على وابل الصواريخ والطائرات الإيرانية المسيرة التي تُطلق عليهما. كما أن الدول الأوروبية حذرة من أي بادرة تعاون مع الجيش الأمريكي. فشل ترامب حتى الآن في تشكيل تحالف عربي ودولي داعم، على عكس الحملات الضخمة التي قادها الرؤساء بوش الأب (1991) وبوش الابن (2003) وأوباما (2014). وقد يتفاقم عزلة الولايات المتحدة مع اتساع نطاق الضرر الذي يلحق باحتياجات الطاقة العالمية.
في الختام: إذا ظلت إيران ملتزمة بنهجها التقليدي الذي يرفض أي حل وسط جوهري، وإذا لم تتراجع الولايات المتحدة عن نيتها المعلنة في التوصل إلى الحسم “بالطرية السهلة او الصعبة”، فسيكون من الممكن تغيير التوازن المختلط الموضح أعلاه بريقة من شأنها تعزيز الإنجازات طويلة المدى للحملة وإضعاف الاتجاهات السلبية التي تم الكشف عنها خلالها.
——————————————
هآرتس 29/3/2026
إسرائيل تقترب من استنفاد الأهداف الرئيسية في ايران بدون ترجمة ذلك الى انتصار استراتيجي
بقلم: عاموس هرئيلِ
لقد اجل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نهاية الأسبوع مهلة الإنذار للنظام في ايران عشرة أيام، حتى 6 نيسان. ويهدد ترامب بقصف محطات توليد الطاقة ومواقع البنى التحتية للطاقة اذا لم يتم التوصل الى حل وسط ينهي الحرب حتى ذلك الموعد. وفي غضون ذلك من المقرر ان تستمر الحملة كالعادة: تشن الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات يومية على عشرات الأهداف العسكرية والصناعية واهداف للنظام في ايران، ويتم اطلاق عشرات الصواريخ البالستية والمسيرات على إسرائيل ودول الخليج. في الخليج يستهدف الإيرانيون حقول النفط والقواعد الامريكية، أما في إسرائيل فيستهدفون عادة المراكز السكانية التي تصنف أحيانا، باثر رجعي، كاهداف عسكرية قريبة.
لا يبدو ان القيادة في طهران متحمسة لمواصلة الحرب، لكنها غير مستعجلة في التوصل الى حل وسط. فقد نجت جزئيا من الضربات القوية التي وجهت لإيران في الحرب، ويبدو ان قادتها الجدد يعتقدون انه بقيت لديهم أوراق ضغط قوية. صحيح ان الاقتصاد الإيراني يعاني من وضع صعب، لكن يبدو انه في الوقت الحالي هذا الوضع لا يكفي لاجبار الإيرانيين على الموافقة على الطلبات الصعبة التي يفرضها ترامب، الذي يحرص أيضا على توجيه الإهانة لهم باستمرار. ترى إسرائيل أهمية كبيرة في تجديد الهجمات على البنى التحتية الوطنية في ايران كوسيلة ضغط، وتعارض الإدارة الامريكية، في الوقت الحالي، هذا التوجه أيضا خشية اندلاع حرب طاقة شاملة مدمرة في الخليج. وقد كان الهجوم الإسرائيلي على حقل الغاز في جنوب ايران قبل عشرة أيام هو الهجوم الأخير من هذا النوع حتى الان.
بعد شهر تقريبا على الحرب في الخليج عاد الحوثيون من اليمن للقتال. واطلقوا امس صاروخ بالستي ومسيرة وصاروخ كروز على جنوب إسرائيل. لم ينتج عن هذه الهجمات أي اضرار، لكن الخطر الرئيسي لها يكمن في الصورة الاوسع لاضطراب اقتصاد الطاقة العالمي: احتمالية الحاق اضرار بميناء سعودي واغلاق مضيق باب المندب، الامر الذي سيفاقم الاضرار الناتجة عن قرار ايران اغلاق مضيق هرمز.
رغم ان ترامب لا يخفي رغبته في التوصل الى اتفاق، الا انه يواصل الاستعداد لتحرك عسكري جديد في حالة فشل المفاوضات. ويعتبر وصول 2500 جندي من مشاة البحرية الامريكية جزء من هذه التحركات، وفي نفس الوقت يستمر تدفق عدد كبير من القوات الامريكية جوا الى إسرائيل ودول أخرى في المنطقة. وقد أعلنت وزارة الدفاع في الأسبوع الماضي بان اكثر من 200 طائرة هبطت في إسرائيل حتى الان في هذا الاطار. الى جانب تسليح الجيش الإسرائيلي يحدث تعزيز منهجي للامدادات والسلاح والوقود للقوات الامريكية.
يكاد ترامب لا يتحدث عن تغيير النظام الإيراني في هذه الأيام. فهذه قضية يميل الرئيس الى تاجيلها الى مرحلة لاحقة كما يبدو، حتى بعد ان ادرك (بشكل متأخر) صعوبة تنفيذ هذه الخطوة في ظل القصف الكثيف الذي تشنه القوات الجوية الامريكية والإسرائيلية. ولكنه ما زال بحاجة الى انجاز مبهر بما فيه الكفاية كي يتوج بانتصار. وتكمن الصعوبة في فتح مضيق هرمز في انه لن يكون سوى تصحيح لخطوة إيرانية متوقعة مسبقا، ردا على الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي.
تتحدث الإدارة الامريكية عن حرب ستستمر، في ظل غياب الاتفاقات، لشهر أو ربما أكثر. من ناحية إسرائيل هذه حرب استنزاف، مع استنزاف كبير للجبهة الداخلية، عدد الضحايا غير مرتفع، وما زال اقل من حرب الـ 12 يوم في حزيران، لكن اثار ذلك على اقتصاد البلاد واسعة، وأيضا الضرر الذي لحق بالمعنويات العامة.
مع ان إسرائيل كانت هي التي وجهت الضربة الأولى في الحرب، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، الا ان سيطرتها الان اقل. القرارات الاستراتيجية في يد ترامب، ولا يملك رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سوى محاولة التاثير على الرئيس، مثلما يحاول قادة السعودية والامارات وتركيا فعل ذلك أيضا.
ان استمرار الحملة يعرض الجبهة الداخلية لهجمات متواصلة يوميا، ولا يمكن تجاهل تراكم الخسائر البشرية أو التقارير في وسائل الاعلام الأجنبية حول التناقص التدريجي في عدد صواريخ الاعتراض بكل أنواعها. وعلى الصعيد الهجومي تشن إسرائيل هجمات على مواقع صناعية ومصانع للصلب واهداف توجد على اطراف المشروع النووي الإيراني. وبعد شهر يبدو انها لم تعد بعيدة عن استنفاد الأهداف الرئيسية التي تم تحديدها في بداية الحملة. لكن الصعوبة كما يجب التأكيد ما زالت قائمة. فتفكيك القدرات العسكرية الإيرانية، مهما كان مثير للاعجاب، لم يترجم بعد الى انتصار استراتيجي. ويصعب تجاهل الادعاء بان الحرب تتعقد اكثر، وان استمرارها يضعف دعم الشعب الأمريكي لإسرائيل.
لقد قال براك ربيد في القناة 12 في نهاية الأسبوع بان نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الذي من المرجح انه يقود المحادثات التي تجري مع الإيرانيين، اتهم نتنياهو بالمبالغة في تقدير فرصة الحرب في الإطاحة السريعة للنظام. في واشنطن وفي القدس على حد سواء يجري البحث عن كبش فداء تحسبا لفشل هذه المغامرة. في إسرائيل تنشغل حاشية نتنياهو بتوجيه اصبع الاتهام الى رؤساء المؤسسة الأمنية، بمن فيهم رئيس الموساد (بسبب التفاؤل المفرط بشان اسقاط النظام)، ورئيس الأركان (بعد تحذيره مجلس الوزراء في يوم الأربعاء من ان الجيش “سينهار على نفسه” بسبب العبء الملقى عليه). بل ان اليمين هاجم رئيس الأركان واتهمه بمساعدة العدو لانه تجرأ على تسليط الضوء على حقيقة يعرفها الجميع، بما في ذلك الفلسطينيين والإيرانيين.
عندما تم تسريب تصريحات ايال زمير لأول مرة حرص شخص ما على تجاهل السياق الكامل وهو ان توسيع الجيش لمهماته بما يتجاوز قدراته كان يرتبط أيضا برخص البناء الواسعة في المزارع والبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية. ومنذ ذلك الحين حدثت حوادث أخرى: اغتال مستوطنون فلسطيني آخر في الضفة، وهو التاسع خلال ستة أسابيع؛ المستوطنون اقاموا خمس بؤر استيطانية جديدة ثلاثة منها في المناطق أ التي تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية؛ اعتقل جنود الاحتياط فريق لشبكة “سي.ان.ان” واعتدوا عليهم اثناء قيامهم بتوثيق اعمال عنف المستوطنين في جنوب الضفة الغربية. في كل هذه الحوادث لم يثر الا الحادث الأخير اهتمام عام وسارع الجيش الإسرائيلي الى التنصل من سلوك جنوده.
هذا ليس مجرد فقدان للسيطرة، بل هو سلوك مليشيات متطرفة، سواء كانت تعمل بوظيفة كاملة أو جزئية (هناك أيضا حالة هجينة: ضم سكان المزارع الى النظام الدفاعي الذي يسمى الدفاع القطري). سكان هذه المزارع يفعلون ما يريدون ولا تكلف هيئة الأركان نفسها عناء فرض السيطرة عليهم. وحتى عندما يستنكر رئيس الأركان هذا السلوك فان هناك قادة فرق والوية في الخفاء، لا يكتفون بتجاهل العنف، بل يدعمون هؤلاء المتطرفين ويمدحون ما حققوه من تطهير المنطقة من التجمعات البدوية والقرى الفلسطينية.
——————————————
يديعوت 29/3/2026
احتواء الجرائم القومية في الضفة الغربية أحد أكبر تحدي يواجه إسرائيل
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين
في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة جاهدةً لمحو الخط الأخضر، وتحاول في الوقت نفسه مقارنة واقع الضفة الغربية بما كان عليه الوضع وراء حدود العام 1967 من خلال زيادة دمج البنية التحتية والتشريعات والتوسع الاستيطاني، تتحول المنطقة إلى “أرض خارج نطاق السيادة” في أعقاب أعمال العنف غير المسبوقة التي يرتكبها اليهود ضد الفلسطينيين. في هذا السياق، تُرسخ صورة الضفة الغربية كمنطقة ذات وجود ورؤية وقوانين وقيم مختلفة عن بقية إسرائيل، وفي نظر الكثيرين في البلاد، تُصوَّر أيضاً ككيان فئوي ذي طابع أيديولوجي مميز.
لإخفاء حقيقة أن الدافع الرئيسي لتعميق السيطرة على الضفة الغربية وضم المنطقة إلى إسرائيل هو دافع ديني بحت، تُقدّم لهم روايات مُصممة لتُسوّق للجمهور على أنها “مصلحة جماعية”. وهكذا، تُطرح “أسباب استراتيجية” مزعومة، مثل “لا يفهم العرب إلا عندما تُسلب منهم أراضيهم” و”حيثما توجد مستوطنات، لا وجود للإرهاب”. يُقدّم هذا المسعى على أنه تطبيق لدروس 7 أكتوبر، دون الإشارة إلى أن أبرز داعميه كانوا من بين مُسببي الفشل وصانعي الفكرة، ولم يتحملوا مسؤوليتها، ويسعون الآن إلى تصوير أنفسهم على أنهم “مُصلحون”.
ومن أبرز الحجج المطروحة اليوم أن البؤر الاستيطانية والمزارع التي تتكاثر في الضفة الغربية هي “تجسيد معاصر للريادة الصهيونية” وقوة تحمي بقية البلاد، وهو ما يحظى بإجماع شعبي واسع. من الضروري دحض هذه الحجج (فيما يتعلق بتفصيل الدعم الشعبي)، بالإضافة إلى دحض “المسلمات” الأخرى، مثل الادعاء بأن مرتكبي العنف “قلة قليلة” وأنه “لا وجود للإرهاب اليهودي”.
وكما أشار مسؤولون أمنيون رفيعو المستوى مؤخرًا، فإن نقاط الاستيطان العديدة – التي لا تستند جميعها إلى “منطق استراتيجي” – تتطلب تخصيص المزيد من القوات، كما أن جزءًا كبيرًا من سكانها يزيد من حدة التوترات على الأرض، بما في ذلك استخدام العنف ضد قوات الأمن.
يكتشف صناع القرار الإسرائيليون، بمن فيهم بعض المسؤولين الأمنيين، تدريجيًا أنه من المستحيل الجمع بين طرفي نقيض: تشجيع التوسع الاستيطاني الهائل وتخصيص موارد ضخمة لهذا الغرض، وتصنيف سكان جميع المزارع والبؤر الاستيطانية على أنهم “ذخائر وطنية”، والتأكيد على أن السلطة الفلسطينية عدو يجب القضاء عليه، بل وحتى وصف جميع الفلسطينيين بأنهم عدو لدود – ثم يُصابون بالدهشة من مظاهر العنف الشديدة. تكشف هذه الأحداث عن تناقض صارخ مع القيم اليهودية والإسرائيلية الأساسية، وتُلحق ضرراً بالغاً بصورة إسرائيل الدولية، لا سيما في نظر الإدارة الأمريكية التي بدأت تنتقد القضية بشدة، مُظهرةً في الوقت نفسه تزايداً في الشكوك وعدم الثقة تجاه إسرائيل.
إن ترسيخ صورة إسرائيل كدولة تفتقر إلى الحكمة المتزنة وفقدت السيطرة على ما يجري في الضفة الغربية قد يُفضي تدريجياً إلى فرض تدابير تهدف إلى تدويل الصراع، بما في ذلك بدعم من ترامب. وهكذا، قد تحذو الضفة الغربية حذو غزة، حيث بات واضحاً للعالم أن إسرائيل لا تملك زمام الأمور ولا خطة محكمة سوى الحرب المستمرة واحتلال الأراضي. ونتيجة لذلك، انتُزعت منها زمام الهيمنة على المنطقة، كما تجسد ذلك في إنشاء آلية مركز تنسيق مكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، وفي إرساء نظام يتناقض مع تصريحات القادة الإسرائيليين منذ بداية الحرب، لا سيما فيما يتعلق بنزع سلاح حماس.
وتكشف الأزمة الحادة في الضفة الغربية حقيقةً مُرّةً عن المجتمع الإسرائيلي. ففي ظل الحرب، يبرز تدريجياً مجتمعان ذوا افكار مختلفة وتصورات متباينة للزمان والمكان، بل ويتصادمان فيما بينهما. من جهة، هناك فئة كبيرة، ربما الأغلبية، تجهل ما يجري وراء الخط الأخضر، وتفتقر إلى فهم أهمية قيام دولة واحدة تتبلور تدريجيًا بين البحر والنهر، لا سيما فيما يتعلق بالقضية “الهامشية” التي تتعلق بمصير ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية. ومن جهة أخرى، هناك فئة تعيش في جو من الوهم، وتستبدل التفكير الاستراتيجي المعقد بمصطلحات دينية، بينما تطمح إلى توسيع حدود الدولة، مصحوبة بمغامرات أيديولوجية خطيرة تتمثل في محاولات الاستيطان في غزة، وكذلك في سوريا ولبنان.
مهما كثرت الضربات على أولئك الذين يعتقدون أن السابع من أكتوبر قد أتاح فرصة تاريخية لتغيير الواقع بين البحر والنهر، سيبقون متشبثين بشدة بإيمانهم بأن تحقيق أهدافهم بات في متناول اليد. لقد رفض ترامب رفضًا قاطعًا فكرة الضم، وذكر الدولة الفلسطينية في قرارٍ الأمم المتحدة، وألغى فكرة ترحيل سكان غزة، وأجبر إسرائيل على التسوية في القطاع – لكن هذه الإجراءات لا تُثير أي تساؤلات أو تُنذر بتغير في المفاهيم. وهكذا، تحل الضفة الغربية تدريجيًا محل قطاع غزة كعاصمة لأوهام إسرائيل، أي منطقة تعكس استبدال السياسة الرصينة بالأوهام. تنهار هذه الأوهام دائمًا، لكن مُبتكريها، الذين يحتقرون مصطلحي “التحقيق” و”الاستراتيجية”، يسارعون إلى تحقيق أوهام جديدة فاشلة.
تُلحق الحرائق في الضفة الغربية ضربة مزدوجة بالجهود الوطنية الحالية المُركزة على الحملات في إيران ولبنان: أولًا، ضرورة تحويل القوات إلى الضفة الغربية، وثانيًا، تشويه صورة إسرائيل في وقتٍ تُعد فيه الشرعية الدولية ضرورية للغاية للصراعات الهامة الدائرة.
لأكثر من عقد، حذر مسؤولون أمنيون من تحول استراتيجي في الضفة الغربية نتيجةً لتغيرات في الجانب الفلسطيني، لكن هذا لم يحدث. وقد تزايدت احتمالية وقوع انفجار في هذه المنطقة في الأسابيع الأخيرة، ولكن هذه المرة تحديدًا بسبب زلزالٍ مصدره الجانب اليهودي، وقد حان الوقت لينظر إليه صناع القرار على أنه تهديد استراتيجي.
في الضفة الغربية، سيُحدد شكل إسرائيل، ويجب أن يكون موضوع ما يجري في هذه المنطقة ومصيرها المستقبلي محور الانتخابات. في هذا السياق، من الضروري أن يطرح الجمهور أسئلة صعبة على القادة، وأن يطالبوا بإجابات شاملة لا مجرد شعارات جوفاء عن السيادة أو تصريحات مبهمة حول إدارة الصراع.
——————————————
يديعوت احرونوت 29/3/2026
بؤر استيطانية بلا حدود
بقلم: اليشع بن كيمون
ارتفاع درجة في التطرف في الضفة الغربية يثير قلقا في أوساط جهاز الامن، سجل في جنازة يهودا شيرمن الذي قتل الأسبوع الماضي في عملية قرب مستوطنة حومش. في الحدث قال الوزير بتسلئيل سموتريتش، ضمن أمور أخرى: “سنمحو الخطوط، التعريفات والاحرف وسنستوطن بلادنا في كل ارجائها”. وكان قصد وزير المالية والوزير في وزارة الدفاع الى جانب مسؤولين كبار آخرين في مشروع الاستيطان هو طمس الحدود بين المناطق أ، ب و ج.
حتى هنا، كانت الاحاديث عن طمس الحدود والاستيطان في كل ارجاء يهودا والسامرة تسمع أساسا في الدوائر المتطرفة لفتيان التلال وليس على لسان مسؤولين كبار في قيادة الصهيونية الدينية. اما الان، بعد موت شيرمن، فان طمس الحدود يؤطر كوصية المغدور.
الاقوال تثير كما اسلفنا تخوفا شديدا في جهاز الامن حيث هم قلقون منذ الان من فقدان السيطرة في يهودا والسامرة وتضعضع الاستقرار الأمني في اعقاب سلسلة الاحداث العنيفة لمتطرفين يهود. “الجني خرج منذ الان من القمقم”، يشرح مصدر امني رفيع المستوى ويضيف: “الاحداث الأخيرة اخطر مما شهدنا. الشرطة والجيش يحاولان عمل شيء ما، لكن لاجل إعادة الجني هناك حاجة لتجند الجميع – بدء برؤساء المجالس الحاخامية وحتى كبار المسؤولين في المستوى السياسي. توجد هنا حاجة لخطوة استراتيجية”.
النتيجة لطمس الحدود كما يحذرون في الجهاز، هي فوضى لم يشهد لها مثيل. “ينبغي الفهم انه يوجد اليوم تغيير جوهري عميق في يهودا والسامرة”، يشرح مسؤول كبير آخر في جهاز الامن. “لا توجد مشكلة في أن الاستيطان اتسع، لكن هذا يحتاج أيضا الى تفكير استراتيجي آخر، أوسع. في هذه اللحظة احداث الجريمة القومية تتجاوز حدود المناطق ج وباتت تصل الى عمق أراضي ب و أ أيضا، ما من شأنه ان يحمل الجبهة الى التصعيد، وكل هذا في زمن حرب متعددة الساحات. لا يدور الحديث عن مجرد اقوال بعد بضع ساعات يقولون فيها في الجنازة انه لم تعد هناك مناطق أ، ب و ج. وسبق أن رأينا بؤرا استيطانية مقامة في عمق الأراضي. تلك البؤر اخليت بالطبع لكن الحدث بات في الجو”، يشرح المصدر إياه.
من المهم الإشارة الى أنه يوجد تعاون مثمر بين سموتريتش، وزير الدفاع إسرائيل كاتس وقائد المنطقة الوسطى آفي بلوط. وبالتالي يحاولون الان في المنظومة العسكرية أن يخلقوا أيضا جبهة موحدة لكل تلك المحافل في وجه المشاغبين المتطرفين. في هذه اللحظة لا توجد جبهة كهذه. صحيح ان في الشرطة هناك من يدعي بان الجيش لا يفعل ما يكفي وبالعكس، لكن الجهازين متحدان في الرغبة لسماح تنديدات اكثر بالعنف المعربد من جانب رؤساء المجالس والحاخامين وخوض صراع مشترك.
نذكر بان تحذير رئيس الأركان في الكابنت وبموجبه يعاني الجيش الإسرائيلي من نقص خطير في المقاتلين، انطلق بعد أن أقر الكابنت نحو 34 مستوطنة جديدة – بعضها جديدة تماما وبعضها مستوطنات قائمة اقرت باثر رجعي. كل هذا كما تشرح محافل الامن، يزيد نطاق المهام في يهودا والسامرة التي تفيض على ضفتيها على أي حال الان أيضا. “مقاتلون يضطرون لان يتصدوا لاحداث جريمة قومية حيال يهود وينجرون الى استفزازات واحتكاكات، وكل هذا فيما انهم يحتاجون لان يكونوا مع اليد على النبض بالنسبة للارهاب الفلسطيني”.
في هذه الاثناء الوزير سموتريتش هو الاخر يفهم بان سلسلة الاحداث الأخيرة تشعل أضواء حمراء في الإدارة الامريكية. رؤساء الاستيطان يحددون العام 2026 كعام ذي مغزى على نحو خاص وكعام يجري في اثنائه الاستيطان في عشرات المستوطنات الجديدة وتقام مزارع. هدف سموتريتش، الى جانب وزيرة الاستيطان اوريت ستروك وآخرين هو خلق حقائق على الأرض لكل حكومة تأتي بعد الانتخابات. “لكنهم يفهمون بان احداث الجريمة القومية ستجلب نتنياهو لوقف مبادرات بعد أن يكبحه الامريكيون”، كما يشرح مصدر سياسي.
في جهاز الامن يأملون الان في أن تخلق الدولة خطة استراتيجية للاستيطان في المنطقة للسنوات التالية، تهديء المنطقة. “نحن نفهم بان هذه سنة انتخابات، لكن على الناس أن يفهموا بان لما يقولونه معنى. اذا لم يجلسوا معا ويحاولوا تخفيض مستوى اللهيب، فهذا لن يحل. لقد فوتنا القطار منذ الان لكننا ملزمون بان نلحقه في المحطة التالية”.
——————————————
هآرتس 29/3/2026
إسرائيليون لنتنياهو: جئت تراهن على حياتنا بعد أن قتلت 70 ألفاً في غزة؟
بقلم: إيريس ليعال
يعتبر كل من ترامب ونتنياهو من القادة الذين تثور حولهم التساؤلات باستمرار: ما الذي يريدانه؟ ما الذي يهدفان إليه، وأين يتجهان؟ في زمن الحرب المشتركة، حيث يمسكون بمصير الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي في أيديهم، وتعتمد عليهم حياة الملايين، تزداد هذه الشكوك حدة. دبلوماسية ترامب المرتجلة وخطابه المتحمس تدفع وسائل الإعلام الأمريكية إلى التشكيك في قدرته على إدارة الفوضى التي أحدثها؛ أما عن لنتنياهو فالسؤال المقلق: ما حجم المعاناة والضرر الذي يمكنه إلحاقه بمواطني الدولة ما دام ذلك يخدم مصالحه الشخصية؟
جاءت الإجابة هذا الأسبوع: حسب تقرير نشره “اكسيوس” الإخباري، قال مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى ومصدر إسرائيلي، بأن نتنياهو حاول قبل أسبوع إقناع ترامب بدعوة الإيرانيين إلى الخروج إلى الشوارع بجموعهم لتسريع إسقاط النظام. وحسب هذه المصادر، رد ترامب بصدمة: “لماذا بحق الجحيم نطلب من الناس الخروج إلى الشوارع في الوقت الذي يتم قتلهم فيه؟” تحت جحيم الصواريخ البالستية والقنابل العنقودية والمباني المدمرة والموت، لم تثر هذه الأمور أي اهتمام، لكنها تقدم لنا صورة دقيقة عن شخصية نتنياهو وقيادته. إذا كان ترامب – الشخص الذي يستخف بذوي الاحتياجات الخاصة ويمدح خصومه بعبارة “عظيم، أنا مسرور من موته” – يرتجف من فكرة تعريض الإيرانيين للخطر بهذه القسوة، فمن الواضح أن نتنياهو مصنوع من مادة سيئة جداً.
منذ كارثة 7 أكتوبر، التي نقشت على جبينه كوصمة عار، ما زال يحطم الأرقام القياسية في استغلال الناس وحياتهم كل يوم. في نهاية المطاف، هو الشخص الذي تلطخت يداه بدماء 70 ألف غزي، بينهم نساء وأطفال. بعد نشر هذا النبأ عقب تواصل القصف في الشمال، فقد توجه إلى رؤساء السلطات هناك وطلب منهم بذل كل ما في استطاعتهم لمنع إخلاء المستوطنات. لقد صرح رئيس بلدية “كريات شمونا”، افيحاي شتيرن، وقال إن رئيس الوزراء لم يتحدث معه حتى الآن. أما رئيس مستوطنة “مرغليوت”، ايتان دافيدي، الذي تتعرض مستوطنته لهجمات مستمرة، وقتل أحد السكان وهو نورئيل دوفين، في واحدة منها، فقد تحدث على الهواء مباشرة وهو يذرف الدموع. في مستوطنات الشمال كبار في السن اضطروا للعيش عند مداخل الملاجئ خوفاً من عدم القدرة على الوصول إليها في الوقت المناسب. هؤلاء يجلبون معهم الكراسي ويجلسون هناك في مخيم مؤقت للاجئين لأن نتنياهو يحتاجهم هناك، عند مداخل الملاجئ، لأنهم مجرد أدوات. ولأنكم أنتم أيضاً أدوات في عرضه الخاص، هذا هو مصيرهم.
نتنياهو حاول قبل أسبوع إقناع ترامب بدعوة الإيرانيين إلى الخروج إلى الشوارع بجموعهم لتسريع إسقاط النظام
كل ذلك يعود إلى التخلي عن المخطوفين وتركهم لمواجهة التعذيب والجوع، والتضحية بحياة الكثيرين منهم. هنا تكمن الإجابة على كل الأسئلة الأخرى حول قضيته: الناس كما يراهم نتنياهو ليسوا سوى وسيلة لتحقيق غاياته، وهو ينظر إليهم كأدوات؛ لأنه هو نفسه إنسان آلي.
لقد أصبح واضحاً الآن وجود قصور في المعلومات والتنبؤ بقدرة إيران الصاروخية، ومبالغة سلاح الجو في تقدير قدرته على تعطيلها. في الوقت نفسه، تنشر أخبار عن استنزاف حاد لمخزون إسرائيل من صواريخ الاعتراض، ويتعزز هذا الخبر بما نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، أن الولايات المتحدة تفحص نقل صواريخ اعتراض كانت مخصصة لأوكرانيا إلى إسرائيل. وما نشرته “وول ستريت جورنال”، أن إسرائيل تدخر صواريخ الاعتراض الجيدة، وبالتالي، يتمكن المزيد من الصواريخ من اختراق الدفاعات. لكن نتنياهو مستعد للمخاطرة بحياتكم إذا كان ذلك يخدم مصالحه السياسية.
هذا الفهم، حتى لو لم يصغ بهذه الطريقة، لكنه يتغلغل فينا جميعاً، نراه في الملاجئ والمحلات التجارية والشوارع. لقد تخلى رئيس الحكومة عنا وعن آبائنا وأولادنا، وتركنا في خطر يومي، بالضبط مثلما أراد ترك من يعارضون النظام في إيران يتعرضون لمذبحة جماعية، لأنهم، ونحن أيضاً، لا يعنون أي شيء بالنسبة له. ليس لحياتنا قيمة عنده، فهو نفسه مات من الداخل.
——————————————
هآرتس 29/3/2026
حكومة داعمة للإرهاب
بقلم: أسرة التحرير
يبدو أن إدارة ترامب بدأت تدرك وجود إرهاب يهودي مزدهر في الضفة الغربية. فقد صرح وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قبل يومين بأن الإدارة قلقة من عنف المستوطنين، مضيفا أنه يعتقد أن حكومة إسرائيل “قلقة هي الأخرى من هذا الأمر”، وأنه يتوقع أن نرى “حكومة إسرائيل تفعل شيئا حيال ذلك”.
يجب على الولايات المتحدة أن تتجاوز مجرد التصريحات، ويحظر عليها الاعتماد على وعود حكومة إسرائيل، سواء كانت تلك التي يطرحها نتنياهو على الطاولة أو ما يتعلق بالوحدة المزعومة في وزارة الدفاع لمعالجة متورطي “فتيان التلال” وسكان البؤر الاستيطانية والمزارع المسؤولين عن الاعتداءات العنيفة ضد الفلسطينيين.
على إدارة ترامب أن تفهم أن ما يجري في الضفة أكبر وأكثر تنظيما مما يحاول الخطاب الرسمي الإسرائيلي تصويره. فالأمر لا يتعلق بـ “حفنة صغيرة وعنيفة”، ولا بظاهرة هامشية أو أعشاب ضارة، ولا بأي من التوصيفات الأخرى المعدة لإخفاء حجم الظاهرة بهدف السماح باستمرار المشروع نفسه.
وفي تقرير لأموس هرئيل ويانييف كوفوفيتس (“هآرتس” قبل يومين)، اقتبست مقتطفات من رسالة أرسلها 200 من جنود الاحتياط إلى رئيس الأركان ووزير الدفاع، تصف “التجاهل” وعدم منع الأحداث من قبل القوات، وأحيانا المشاركة الفاعلة لجنود الاحتياط في هذه الأعمال.
ويوضحون كيف أن تعريف المهمة ذاته يكشف عن عمق التداخل بين الجيش والمستوطنين (“حماية الاستيطان اليهودي والمزارع في المنطقة”)، ويؤكدون أن الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين منهجي ومخطط، ويهدف إلى خلق مواجهة تفرضها جماعات أهلية. وبالفعل، تم إخلاء نحو 15 تجمعا سكنيا منذ الآن.
يتعين على الولايات المتحدة أن تدرك أن هذا المشروع مبادر إليه وواسع النطاق، ويتمتع ببيئة داعمة وميسرة، بغض النظر عن المؤسسة، ويتسم بتداخل كبير بين الجيش والمستوطنين، وبدعم ذكي من الحكومة. يجب أن يفهموا أن حكومة إسرائيل غير معنية بوقف الإرهاب لأنه يخدم خطة الضم والتهويد للمناطق، وهي خطة وضعها الرجل الذي عينه نتنياهو نفسه لمنصب وزير المناطق فعليا.
لا يجوز لهم أن يتأثروا بأقوال الوزير بتسلئيل سموتريتش الذي يحذر في الصحيفة من العنف في “الهوامش”. هذا هو النهج بالضبط: إدانة سطحية خارجية، مصحوبة بالتقليل والنفي، بهدف الاستمرار في المضي قدما بخطة سموتريتش الحاسمة للسيطرة على مناطق (ج)، وبعد ذلك على مناطق (ب)، ودحر الفلسطينيين إلى خمس كتل ضيقة داخل مناطق (أ).
يتوجب على الولايات المتحدة أن تقرر ما إذا كانت جزءا من الآلية الذكية لمشروع الاستيطان المعد لإقامة دولة فلسطينية – وأن الإدانات والتصريحات تشكل ركيزة أساسية فيه – أم أنها معنية بأن تكون جزءا من الحل.
وعندها، يجب على واشنطن أن تطلب من نتنياهو أن يعمل بحزم ضد الإرهاب اليهودي وأن يحرك مفاوضات سياسية وفقا لمخطط الدولتين.
—————-انتهت النشرة—————–

