المسار : لم يعد نقص زيوت المحركات مشكلة مرتبطة بقطاع النقل وحده، بل امتد تأثيره إلى مرافق حيوية، بينها المستشفيات، في ظل اعتماد قطاعات أساسية على المولدات والمركبات لتأمين الخدمات اليومية في قطاع غزة.
ومع شح مواد التشغيل وقطع الغيار، تتعطل محركات ضرورية للعمل، فيما يجد أصحاب المركبات أنفسهم أمام خيار صعب بين التوقف أو المخاطرة بتلف محركاتهم.
المستشفيات الضحية
توقف المولد الكهربائي الرئيسي في المستشفى الأهلي العربي “المعمداني” بمدينة غزة عن العمل بالكامل في 9 سبتمبر/أيلول 2026، بعد تشغيله لنحو 1200 ساعة بالزيت نفسه، وفق منسق الشؤون الإدارية في المستشفى موسى عياد.
وقال عياد في تصريح له إن المولدات الضخمة تحتاج عادة إلى تغيير الزيت بعد 250 إلى 300 ساعة، لكن النقص الحاد في الزيوت ومواد التشغيل أجبر المستشفى على مواصلة تشغيل المولد بالزيت نفسه.
وأوضح أن التشغيل المطول تسبب بأعطال في مضخات الزيت والوقود وأضرار ميكانيكية في أجزاء من المحرك، مشيرًا إلى أن المولد يحتاج إلى صيانة، فيما يواجه المستشفى نقصًا في قطع الغيار اللازمة لإعادته إلى الخدمة.
وانعكس توقف المولد على الخدمات الطبية، إذ توقفت خدمات التصوير المقطعي “CT” والأشعة ومعظم الخدمات الأخرى، بينما لا يستطيع المولد البديل الصغير تشغيل جميع مرافق المستشفى وأقسامه، وفق عياد.
وقال إن معظم الإجراءات الطبية تحتاج إلى إمدادات كهربائية كبيرة ومستقرة، ما يجعل تعطل المولدات تهديدًا لقدرة المستشفى على تقديم خدماته.
وأضاف أن المعمداني من المنشآت الطبية الرئيسية في شرقي مدينة غزة، وهو مستشفى جراحي تخصصي تُجرى فيه عشرات العمليات، ويستفيد من خدماته نحو ألف شخص يوميًا.
الكهرباء ومعاناة المرضى
ولا تقتصر تداعيات تعطل المولدات ونقص مستلزمات التشغيل على الخدمات الطبية، بل تمتد إلى المرضى الذين يحتاجون إلى أجهزة وأدوية وخدمات مرتبطة باستمرار التيار الكهربائي.
ويتذكر مصطفى أبو نحل (45 عامًا)، النازح في مواصي خان يونس جنوبي القطاع، كيف انعكس تراجع الخدمات وانقطاع الكهرباء على رحلة علاج طفلته المصابة بالسرطان.
وقال أبو نحل في تصريح صحفي إن طفلته كانت مصدر الفرح في البيت رغم مرضها، وكانت تنتظر جلسات العلاج على أمل أن تعود إلى اللعب والذهاب إلى المدرسة.
وأوضح أن انقطاع الكهرباء وتراجع الخدمات الطبية ألقيا بظلالهما على حالتها، قائلاً إن “المستشفى أصبح بالنسبة لعائلته كابوسًا بسبب افتقاره إلى أبسط المقومات”.
وأضاف أن انقطاع الكهرباء لم يكن مجرد غياب للإنارة، بل أدى إلى توقف الأجهزة وتعطل ضخ الأدوية، لافتًا إلى أن العائلة أُبلغت بأن أجهزة المستشفى لم تعد قادرة على العمل بسبب عدم توفر الإمكانيات اللازمة.
وبيّن أنه حاول الحصول على تحويلة سريعة إلى الخارج لتلقي العلاج الذي يفتقر إليه المستشفى، إلا أن الإجراءات والانتظار الطويل جعلا الأمر بالغ الصعوبة، فيما تتدهور حالة طفلته يومًا بعد يوم، مؤكدًا أن انقطاع الكهرباء ونقص الأدوية وتأخر التحويلات قد يعني فقدان أرواح كان من الممكن إنقاذها.
تعطّل وسائل الرزق
ولا تقتصر تداعيات نقص الزيوت على المنشآت الصحية، إذ يواجه أصحاب المركبات الصغيرة صعوبة في الحفاظ على وسائل النقل التي يعتمدون عليها لكسب قوت عائلاتهم.
ومن بينهم محمد أبو هربيد (35 عامًا)، الذي توقفت مركبته التي يعتمد عليها في إعالة أسرته بسبب شح زيوت المحركات ومواد التشغيل.
وقال أبو هربيد في لقاء إعلامي إن المركبة كانت مصدر دخله الوحيد، وكان يخرج بها من الفجر حتى المساء لنقل المواطنين وقضاء حوائجهم، ثم يستخدم عائدها لتوفير الطعام لعائلته.
وأوضح أن الأزمة دفعته إلى استخدام زيوت مستهلكة ومكررة لمواصلة العمل، لكن ذلك أدى إلى تلف محرك المركبة وتوقفها.
وأضاف “الزيت هو عصب المحرك، وزيوت المحركات إما غير متوفرة أو تباع بأسعار تفوق قدرتي على شرائها من دخل النقل اليومي”
ووفق أبو هربيد، فإن توقف مركبته لا يعني فقدانه وسيلة رزقه فحسب، بل يزيد صعوبة تنقل المواطنين، في وقت تعاني فيه وسائل النقل الأكبر، ومنها الحافلات، من التوقف أو محدودية التشغيل.
وأشار إلى أن توقف المزيد من المركبات يجبر المواطنين على قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، حتى في حالات المرض أو الإصابة.
وقال أبو هربيد إنه يقف يوميًا بجانب مركبته على أمل العثور على لتر من الزيت بسعر يستطيع تحمله، قبل أن يعود إلى منزله من دون دخل يكفي لتوفير الطعام أو مستلزمات أطفاله.
ولفت إلى أنه يعيش حاليًا على مساعدات محدودة، قائلاً إن “مطلبه لا يتجاوز توفير مقومات العمل والحياة الأساسية”.
ويواصل الاحتلال الإسرائيلي حصاره على القطاع، مع استمرار منع أو تقييد إدخال المواد الأساسية، خلافًا لاتفاق وقف إطلاق النار الذي نص على إدخال جميع الاحتياجات الإنسانية.
وينعكس الحصار الإسرائيلي على مختلف مناحي الحياة، من الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي إلى الإيواء والاقتصاد، في ظل حاجة متزايدة إلى الإمدادات والمساعدات بعد نحو ثلاث سنوات من حرب الإبادة الجماعية.

