بقلم “المحامي إبراهيم ذويب” العمال الفلسطينيون بين بؤس العمل وطول أمد التقاضي

المسار : في ظل ضعف التنظيم النقابي، وغياب الأطر الفاعلة القادرة على تمثيل العمال والدفاع عن مصالحهم، يجد العامل الفلسطيني نفسه عالقاً بين واقع عمل يفرض عليه القبول بشروط لا تتوافق مع الحد الأدنى من حقوقه باعتباره الطرف الأضعف في علاقة العمل، ولا يرتبط ذلك فقط بخضوعه للتبعية القانونية والاقتصادية لصاحب العمل، وإنما ايضاً بسبب ما يحيط بعلاقة العمل في أغلب الأحيان من ظروف عمل بائسة وأجور متدنية، وغياب لشروط الصحة والسلامة المهنية، وغياب شروط ومقومات الحماية الاجتماعية.

يقع العمال بين مطرقة سوء هذا الواقع أثناء العمل وبين سندان طول أمد التقاضي بعد انقضاء علاقة العمل؛ وعدم دفع حقوقهم الناجمة عن فترة عملهم التزاماً بالقانون حيث يضطرون للتوجه إلى القضاء من أجل تحصيلها، واحياناً عدم التوجه نتيجة الإحباط الذي تشكل لديهم أثناء فترة العمل، ومما يواجهونه اثناء التقاضي بسبب طول  الوقت وتعثر الاجراءات. رغم ان الأصل يجب أن تكون دعاوى ذات طابع خاص تقوم على تيسير إجراءات التقاضي ومجانية الدعوى العمالية بشكل فعلي لا كعنوان وشكل نظري أمام القضاء، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك، رسوم التقاضي وهي ميزة وسمة امتاز بها قانون العمل الفلسطيني في المادة الرابعة منه عندما أقر بأن يُعفى العمال من الرسوم القضائية في الدعاوى العمالية التي يرفعونها نتيجة نزاع يتعلق بالأجور، أو الإجازات، أو بمكافآت نهاية الخدمة، أو بالتعويضات عن إصابة العمل، أو بفصل العامل فصلاً تعسفياً، جيد وإيجابي هذا الإعفاء لكن هذا لم ييسر فعلياً إجراءات التقاضي بمعنى رفع الدعوى القضائية وسرعة التقاضي.

نص قانون العمل في المادة الأولى على وجود محكمة مختصة للنظر في نزاعات العمل، رغم مرور سنوات طويلة على سريان قانون العمل الفلسطيني انها لم تتشكل حتى الآن.  وغياب وجود محكمة عمالية مختصة لتيسير إجراءات التقاضي أفرغ مسألة النظر في قضايا العمل على وجه السرعة من مضمونها فعلياً؛ حيث أن غالبية التشريعات العمالية في الدول العربية نصت على ضرورة البت على وجه السرعة في القضايا العمالية، ووضعت سقفاً زمنياً لا يجوز للدعوى أن تتجاوزه في الحكم، كما أنشأت محاكم عمالية خاصة للنظر في قضايا العمال، وهذا ما أشار له قانون العمل الفلسطيني في باب التعريفات. كل ذلك بسبب الطبيعة الخاصة التي تتصف بها الدعاوى العمالية، وارتباطها بمعيشة العامل نفسه وقدرته على تأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة أيضاً. ورغم النص على هذا الموضوع في قوانين العمل القديمة التي كانت مطبقة في فلسطين على سرعة البت في الدعاوى العمالية، إلا أن قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000 قد جاء خالياً من مثل هذه النصوص، وخالياً من تحديد مدة زمنية للفصل في الدعاوى عند تقديمها للقضاء، خلافاً لما كان عليه الحال في ظل القوانين التي كانت سارية المفعول في فلسطين قبل سريان أحكام قانون العمل الفلسطيني، والذي كان يجب أن يأتي متقدماً على القوانين القديمة، إلا أنه وقع في هذه المثلبة التشريعية أو القصور التشريعي.

فقانون العمل الأردني المعدل رقم 2 لسنة 1965، والذي كان مطبقاً في الضفة الفلسطينية حدد مدة أقصاها ثلاثة أشهر للفصل في الدعاوى العمالية اعتباراً من تاريخ ورودها وتسجيلها لدى قلم المحكمة المختصة، وقرر كذلك مدة استئناف قرارات محكمة الدرجة الأولى بعشرة أيام، وأوجب على محكمة الاستئناف أيضاً أن تفصل في الدعوى خلال 15 يوماً من تاريخ ورودها؛ لذا فإن عدم وجود نص في قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000 يلزم القضاة بالفصل في القضايا العمالية على وجه السرعة ويقرر حداً زمنياً للبت فيها هو نقيصة تشريعية واضحة ينبغي تلافيها عبر نظام للمحكمة العمالية المختصة.

يجب الشروع في ردم هذا التقصير لتضمين مدة محددة للتقاضي في الدعاوى العمالية سواء كانت في الدرجة الأولى أو درجات التقاضي الأخرى، مع العلم أن القضايا العمالية بالأساس يفترض أن تحل بشكل توافقي في إطار إجراءات التوفيق والتحكيم وحل النزاعات العمالية عبر مديريات العمل والاتحادات النقابية وممثلي العمال في نقاباتهم المختصة، كما أن قانون العمل الفلسطيني خلا من نص واضح لتشكيل المحكمة المختصة بالقضايا العمالية أو جهة قضائية أخرى في دعاوى الأجور المستعجلة، وترك ذلك للقواعد العامة في قانون الإجراءات، التي قررها قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية وقانون تشكيل المحاكم النظامية.

رغم ان المادة الأولى في قانون العمل عرفت المحكمة المختصة بالقضايا العمالية، إلا أنه بقي هذا في إطار الصفة النظرية للتعريف، وعدم متابعتها كإجراء ليكون اختصاص منعقد لنظر القضايا العمالية، وبقي نظرها ينعقد أمام محاكم الصلح والبداية، كون قانون تشكيل المحاكم لم يدرج في تشكيلات المحاكم إنشاء محكمة عمالية مختصة للنظر في القضايا العمالية، وبسبب تراكم القضايا العمالية فقد قرر مجلس الوزراء في عام 2011 تعيين قاضٍ في كل محكمة مختص للنظر في القضايا العمالية، إلا أن خلوّ قانون العمل من النص على سرعة الفصل في الدعاوى العمالية أو إنشاء محاكم عمالية خاصة للفصل في هذه النوع من الدعاوى وتشكيل سلطة قضائية للأجور هو بالأساس نقص تشريعي نعاني منه جميعاً، وخاصة العمال ووكلاءهم اثناء النظر في قضاياهم، فهذه ثغرة فتحت الباب واسعاً لاستغلال العمال وابتزازهم بسبب استغلال طول أمد التقاضي وباتت تظهر على جسد العمال وأسرهم، نتيجة تأخر الإنصاف والعدالة والتي تشكل ظلما بحد ذاتها.

لردم هذه الثغرة التي تستغل من أصحاب الأعمال، وحتى من بعض المحامين وكلاء اصحاب الأعمال باستغلال هذه الثغراث لإطالة أمد التقاضي في ممارسات لا تنسجم مع ما تقتضيه رسالة المحاماة، ولا تقتصر معالجة هذه الإشكالية على المشرّع أو القضاء وحدهما، وإنما تتطلب مسؤولية مشتركة من مختلف أطراف منظومة العدالة، فالمحامي، باعتباره شريكاً في تحقيق العدالة، تقع عليه مسؤولية الإلتزام بالحضور والمتابعة وأي سلوك خلاف هذا ينعكس سلباً على صورة المهنة ورسالتها السامية.

إن طول أمد التقاضي في الدعاوى العمالية تجعل القضايا التي يرفعها العمال في العديد من الدعاوى  يتوارثها الورثة؛ إما يستكملوا النظر بها لمتابعة حقوق مورثيهم، أو توكيل أمرهم لله يرجون عدالة السماء، لذلك، فإن إصلاح منظومة التقاضي في المنازعات العمالية لم يعد ترفاً، وإنما أصبح ضرورة تفرضها طبيعة الحقوق محل الحماية، فالحل يبدأ من ردم الفجوة بين النص والتطبيق، من خلال إنشاء إطار قضائي عمالي متخصص، ووضع إجراءات واضحة ومبسطة، وتحديد آجال معقولة للفصل في الدعاوى أمام مختلف درجات التقاضي، وتعزيز وسائل التوفيق والتحكيم وتسوية النزاعات، وتفعيل دور الجهات النقابية والعمالية، بما يضمن للعامل وصولاً حقيقياً وفعّالاً إلى العدالة.

فالعامل يحتاج إلى منظومة عدالة تمكنه من الحصول على حقوقه في الوقت الذي تكون فيه للحقوق قيمة فعلية، فالعدالة التي تأتي بعد فوات الحاجة إليها تكون حكماً صحيحاً من الناحية القانونية، لكنها تظل عدالة منقوصة من الناحية الإنسانية والاجتماعية.

*محام ومحاضر جامعي وخبير في قضايا العمال

Share This Article