المسار: في الحروب لا تُروى القصة كاملة من خلال الجبهات فقط بل من خلال ما يجري خلفها حيث تتحرك فرق الإسعاف والدفاع المدني في سباق مفتوح مع الوقت.. وخلال الحرب التي يشهدها لبنان وجدت الطواقم الفلسطينية نفسها في قلب هذا السباق تعمل تحت القصف وتتعامل مع واقع ميداني شديد التعقيد.
خلال أقل من ثلاثة أسابيع وتحديدًا من 2 حتى 22 آذار 2026، استقبلت غرفة عمليات جمعية الشفاء للخدمات الطبية والإنسانية 245 بلاغًا طارئًا تحولت إلى أكثر من 400 حالة فعلية استدعت التدخل.. هذا الرقم وحده يكشف حجم الضغط الذي واجهته الطواقم خصوصًا مع تنوع الإصابات بين حالات خفيفة ومتوسطة وأخرى حرجة.
لم تكن هذه الأرقام مجرد بيانات بل انعكاسًا ليوميات ثقيلة عاشتها الفرق التي نفذت 123 مهمة إسعاف ميداني إلى جانب 573 عملية إخلاء من مناطق القصف والإنذارات المتواصلة ومهام إخماد الحرائق الناتجة عن الغارات في بيئة شديدة الخطورة.
مواجهة يومية مع النزوح
ومع تصاعد وتيرة الغارات اتسعت رقعة النزوح ووجدت فرق الإغاثة نفسها أمام تحدٍ إضافي يتجاوز الإسعاف المباشر ليصل إلى تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة داخل مراكز الإيواء.
في هذا السياق، عملت جمعية الشفاء على توفير المياه والغذاء والمستلزمات الأساسية للنازحين، وامتدت الجهود لتشمل دعم البنية الأساسية لمراكز الإيواء من خلال تعبئة المياه لـ27 مركزًا وتركيب خزاني مياه إضافيين إضافة إلى تقديم مساعدات مالية محدودة للأسر الأكثر تضررًا.
وفي خضم هذه الظروف، لم تغب المبادرات الإنسانية التي تستهدف الجانب النفسي حيث تم توزيع هدايا للأطفال خلال العيد، في محاولة لانتزاع لحظات فرح قصيرة من واقع ثقيل.
تنسيق ميداني: استجابة تتجاوز الحدود
لكن الصورة في الميدان لم تكن لتكتمل لولا التنسيق الواسع الذي جمع بين الجهات الفلسطينية واللبنانية، فقد عمل الدفاع المدني الفلسطيني في بيروت ضمن شبكة تعاون ضمّت مؤسسات فلسطينية أبرزها جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وجمعية الشفاء إلى جانب جهات لبنانية رسمية وميدانية من الدفاع المدني اللبناني إلى أفواج الإطفاء والهيئات الصحية في الضاحية الجنوبية ومدينة بيروت.
هذا التنسيق لم يبقَ في إطار العناوين، بل انعكس مباشرة على الأرض من خلال توحيد الجهود وتسريع الاستجابة وتوزيع الأدوار بشكل واضح لتتحول هذه الجهات إلى ما يشبه فريقًا واحدًا يعمل وفق خطة موحّدة في لحظات لا تحتمل أي تأخير.
خطط جاهزة: استجابة منظمة في بيئة فوضوية
هذا المستوى من التنسيق لم يكن وليد اللحظة بل استند إلى خطط عمل واضحة وضعها الدفاع المدني الفلسطيني مسبقًا لضمان الجهوزية في مختلف السيناريوهات فقد تم اعتماد نموذج استجابة يقوم على العمل المشترك مع الشركاء الفلسطينيين وفق توزيع مهام محدد إلى جانب القدرة على التدخل بشكل مستقل عند الضرورة، خصوصًا في حالات الكوارث أو تعذر التنسيق.
كما جرى توزيع نقاط انتشار داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية وهو ما ساهم في تقليص زمن الوصول إلى الحالات الطارئة ورفع كفاءة التدخل، في عامل حاسم خلال الحروب حيث تُقاس الاستجابة بالدقائق.
ما قبل الحرب..تحضير يصنع الفارق
وإذا كان هذا الأداء قد بدا متماسكًا في ذروة الأزمة، فلأنه لم يبدأ مع اندلاع الحرب. فالتنسيق بين هذه الجهات انطلق قبل سنوات، وتحديدًا قبل حرب 2024، واستمر بشكل متواصل تحسبًا لأي تصعيد محتمل قد يطال بيروت أو المخيمات الفلسطينية.
هذا التحضير المسبق هو ما منح الفرق القدرة على التحرك بسرعة وفعالية، رغم الضغط الكبير ومحدودية الإمكانيات، وجعل الاستجابة أكثر تنظيمًا في واحدة من أكثر المراحل حساسية.
تلاحم تحت النار: صورة من الميدان
في المحصلة لا يمكن قراءة هذا الجهد بمعزل عن سياقه الإنساني الأوسع، ففي الميدان لم تكن هناك مسافات بين الفرق الفلسطينية واللبنانية بل عمل مشترك فرضته الحاجة وترسّخ بفعل التجربة.. عمليات الإخلاء وإسعاف المصابين وإخماد الحرائق كلها جرت ضمن هذا الإطار التشاركي الذي عكس وحدة حقيقية في مواجهة الخطر حيث تحوّل التعاون من خيار إلى ضرورة يومية.

