بقلم “سوما حسن”حين تصبح العدالة قرارا سياسيا: قراءة في قانون إعدام الأسرى

المسار :في خطوة قد تغير قواعد العدالة الجنائية، تستعد إسرائيل لتوسيع استخدام عقوبة الإعدام، في قرار أثار قلق دول أوروبية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، التي حذرت من تداعياته على المبادئ الديمقراطية.

لكن هذا القانون لا يمكن قراءته كنص قانوني عادي. إقراره لا يمثل مجرد إجراء تشريعي، بل تحولا عميقا في العلاقة بين القانون والسياسة، وبين العدالة والقوة.

من حيث الشكل، يبدو المشهد واضحا: قانون صوت عليه داخل مؤسسة تشريعية، وأُقر بأغلبية، وأصبح جزءا من المنظومة القانونية. لكن السؤال الحقيقي لا يبدأ من هنا، بل مما بعد ذلك: كيف يمكن لقانون بهذه الخطورة أن يطبق في بيئة يغيب عنها التوازن بين الطرفين؟

القضية لا تتعلق فقط بعقوبة الإعدام، رغم أنها من أكثر العقوبات إثارة للجدل عالميا، بل بالسياق الذي ستمارس فيه. فالأسرى الفلسطينيون يحاكم كثير منهم أمام محاكم عسكرية، وهي محاكم تابعة للسلطة التي تعتقلهم. وفي مثل هذا الواقع، يصبح الحديث عن (محاكمة عادلة) أقرب إلى الافتراض النظري منه إلى الضمان الحقيقي.

ومن الناحية النظرية، تفترض وجود ضمانات قانونية، مثل تعدد درجات التقاضي وحق الدفاع ومبدأ الشك لصالح المتهم. لكن هذه الضمانات، مهما بدت متماسكة على الورق، تصطدم بواقع مختلف في التطبيق، خاصة في سياق سياسي وأمني معقد.

في سياق طويل من الانتقادات المرتبطة بحقوق الإنسان، لا تبدو المخاوف هنا افتراضية، بل تستند إلى واقع موثق يتحدث عن تحديات حقيقية، من حيث الوصول إلى محامين، وظروف الاحتجاز، وطبيعة الإجراءات القضائية، خاصة في القضايا ذات الطابع الأمني.

قد يقال إن هناك رقابة قضائية أو متابعة من منظمات دولية، لكن هذه الرقابة تظل محدودة التأثير أمام قرار سيادي مدعوم بإرادة سياسية واضحة.

المشكلة الأعمق أن هذا القانون لا يقرأ فقط كنص قانوني، بل كجزء من واقع سياسي قائم، حيث لا تطبق القوانين دائما في بيئة متكافئة. وفي مثل هذا السياق، يبرز احتمال أن يستخدم بشكل غير متوازن، في ظل اختلال واضح في موازين القوة.

الأخطر من ذلك كله هو طبيعة عقوبة الإعدام نفسها: إنها عقوبة نهائية. أي خطأ، مهما كان صغيرا، لا يمكن تصحيحه. وفي ظل نظام يواجه أصلا انتقادات تتعلق بالإجراءات والعدالة، يصبح هذا الخطر مضاعفا.

من يضمن إذا أن يكون المتهم قد حصل على دفاع كاف؟

من يضمن أن الأدلة لم تنتزع تحت ضغط؟

ومن يضمن أن القرار القضائي لم يتأثر بالمناخ السياسي أو الأمني؟

هذه الأسئلة ليست ترفا قانونيا، بل جوهر العدالة نفسها.

إن العدالة لا تقاس بوجود محكمة، بل بمدى استقلالها، ولا تقاس بوجود قانون، بل بمدى حياده. وفي الحالة التي نحن بصددها، لا يبدو أن شروط العدالة مكتملة، بل محل نزاع مستمر.

في النهاية، يبقى الخطر الأكبر ليس فقط في صدور الحكم، بل في السياق الذي يصدر فيه. أن يحاكم إنسان في بيئة يطعن كثيرون في عدالتها، ثم يحكم عليه بالإعدام، يجعل من العدالة نفسها موضع تساؤل.

وفي واقع صراع طويل ومعقد، لا ينظر إلى بعض المتهمين فقط كأفراد، بل كأطراف في نزاع يرون أنفسهم يدافعون عن أرضهم. وهنا تصبح العقوبة أكثر من مجرد إجراء قانوني، لتتحول إلى مسألة سياسية وأخلاقية في آن واحد.

هل هو قانون لتحقيق العدالة، أم خطوة إضافية في طريق تسييسها؟

وهل يمكن لأي نظام أن يبرر إعدام إنسان، في بيئة لا تزال عدالتها محل شك؟

Share This Article