وشارك هؤلاء في فعاليات “أسبوع الأبارتهايد الإسرائيلي” في جنوب أفريقيا، التي انطلقت في نهاية شهر آذار / مارس، وهي مناسبة سنوية لم يتخلف عنها الجنوب أفريقيون طوال 15 عامًا، إذ شهدت البلاد تنظيم برامج توعوية واسعة في الجامعات والمدارس وقاعات المجتمع المحلي، إضافة إلى المؤسسات الخاصة، في إطار جهود مستمرة لرفع الوعي بالقضية الفلسطينية.
ومن ضمن أنشطتها هذا العام، عرضت مجموعة “العاملون في القطاع الصحي من أجل فلسطين” فيلمًا وثائقيًا بعنوان “أطباء غزة تحت الهجوم”، تلاه نقاش شارك فيه أطباء من المملكة المتحدة عملوا في قطاع غزة.
ويتناول الفيلم، الذي أعدته وأخرجته ماريتا رافالي، حياة العاملين في القطاع الصحي في غزة، والتهديدات التي تعرضوا لها عقب الهجوم الإسرائيلي على القطاع في 9 تشرين الأول / أكتوبر 2023.
ويُظهر الفيلم الاستهداف المنهجي للمؤسسات الصحية والطواقم الطبية وعائلاتهم، مسلطًا الضوء على استهداف “مستشفى الشفاء” بوصفه أولى محطات هذه الحملة.
كما يفنّد الرواية الإسرائيلية، بدءًا من إنكار المسؤولية، مرورًا بتبرير الهجوم بادعاء وجود عناصر من “حماس” داخل المستشفى أو تحته، وهي مزاعم لم تُقدّم بشأنها أدلة حتى الآن، في ظل منع المحققين المستقلين من الوصول إلى الموقع.
وعقب تهجير السكان من شمال غزة إلى جنوبها، بمن فيهم المرضى وكبار السن، جرى اعتقال الطبيب البشّار بشبهة مساعدة “حماس”، من دون تقديم أدلة. كما تناول الفيلم حادثة الطبيب خالد حمودي، العامل في “مستشفى العودة”، الذي جرى اعتقاله وتجريده من ملابسه وتعصيب عينيه، قبل عرضه في شوارع مدينة غزة خلال الأسابيع الأولى من الحرب، في مشاهد وثقتها وسائل الإعلام.
وقال حمودي إنه اعتُقل من المستشفى بتهمة مساعدة “حماس”، وتعرض للتعذيب وسوء المعاملة، ونُقل لاحقًا إلى مستشفى وهو مصاب، لكنه بقي قيد الاحتجاز. وأكد أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية.
وأضاف أن بعض الأطباء الإسرائيليين رفضوا تقديم العلاج لمرضى فلسطينيين، وفي حالات أخرى كانوا يقدمون العلاج مع ممارسة اعتداءات بحق المرضى. وأشار إلى أن بعض المرضى خضعوا لإجراءات طبية من دون تخدير.
وعند عودته، علم حمودي بمقتل 12 فردًا من عائلته جراء قصف استهدف منزلهم، بينهم ثلاثة من أشقائه الأطباء، إضافة إلى ابنته.
164 طبيبا شهيدًا
ويشير الفيلم إلى أن 164 طبيبًا قُتلوا في غزة حتى نيسان / أبريل 2024، أكثر من 80 منهم داخل منازلهم.
كما نقل الفيلم شهادات عن نقل عدد من الأطباء المعتقلين إلى مراكز احتجاز، من بينها مركز “سدي تيمان”، الذي كان في السابق موقعًا لتجميع المركبات قبل تحويله إلى مركز احتجاز بعد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023. وقد شهد هذا المركز احتجاجات داخل إسرائيل، عقب تقارير عن انتهاكات جسيمة بحق المعتقلين الفلسطينيين.
وتناول الفيلم أيضًا حصار “مستشفى ناصر”، حيث مُنع الدخول والخروج من المستشفى، في مشهد شبّهه بعض المشاركين بما شهدته سراييفو خلال تسعينيات القرن الماضي، من استهداف مباشر للمدنيين.
وشارك في النقاش كل من الدكتورة أميرة نيمراوي، المديرة التنفيذية لـ “العاملون في القطاع الصحي من أجل فلسطين” في المملكة المتحدة، والدكتور خالد دواّس، مؤسس “مؤسسة حنون” وأحد الأطباء العاملين في “مستشفى ناصر”، إضافة إلى الدكتور عمر عبد المنان، رئيس المنظمة وأخصائي طب الأعصاب للأطفال.
وقال دواّس، الذي كان في غزة مع بداية الحصار في 7 تشرين الأول / أكتوبر، إن الحالات التي عايشها كانت قاسية للغاية. وأضاف: “وصل إلينا ثلاثة أطفال مصابين بشظايا، وكانت إحداهن فتاة لم يتوقف نزيفها رغم إجراء عمليتين جراحيتين، وتوفيت بعد 24 ساعة، بينما نجا شقيقاها”.
من جهته، أكد عبد المنان أنه عمل على تدريب الكوادر الطبية الفلسطينية في غزة والضفة الغربية لأكثر من عشر سنوات، مشيرًا إلى أن “النظام الصحي في غزة كان ينهار بالفعل قبل 7 تشرين الأول / أكتوبر”، وأضاف أن المستشفيات كانت تعاني من انقطاع الكهرباء لأيام، ما يجعل العمل الطبي شبه مستحيل.
وفي مداخلة له، قال البروفيسور مهدي، رئيس كلية الطب في جامعة ويتس، إنه عاش تجربة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وعمل طبيبًا في تلك الفترة، مضيفًا: “ما يعيشه الفلسطينيون يوميًا، وما يواجهه القطاع الطبي في فلسطين، يجعل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا يبدو أقل حدة بكثير”. وأضاف: “نحن في جنوب أفريقيا ما زلنا نستحضر صورة هيكتور بيترسون لتذكّر ماضينا، أما الفلسطينيون فيعيشون هذه المشاهد بشكل متكرر”، مؤكدًا أن صمودهم يعكس قدرًا كبيرًا من الشجاعة.
استهداف منهجي
وقال الدكتور عبد المنان، رئيس جمعية “العاملون الصحيون من أجل فلسطين” في بريطانيا، في حديث مع “القدس العربي”، إنه أمضى أكثر من عشر سنوات في الضفة الغربية وقطاع غزة في تعليم طلبة الطب وتدريب الأطباء المقيمين.
وأضاف أنه تابع ما جرى خلال الإبادة من خلال التواصل المستمر مع أصدقائه وزملائه في غزة، والاستماع إلى شهاداتهم بشأن الاستهداف المنهجي للعاملين في القطاع الصحي.
وأكد عبد المنان أن استهداف العاملين في القطاع الصحي يشكل جريمة حرب، ويأتي ضمن الإبادة الإسرائيلية في غزة.
وقال الدكتور خالد دواس، لـ”القدس العربي”، إن الفيلم الفيلم عُرض في البداية على “القناة الرابعة” الإخبارية في بريطانيا، ويتناول عمليات القتل المتعمد والاعتقال والتعذيب التي تعرض لها الأطباء والعاملون في القطاع الصحي في غزة خلال الإبادة بين عامي 2023 و2025.
وأضاف أن هذه العروض نُظمت مرات عدة، وأن الهدف الأساسي منها هو إبقاء هذه الرواية حية وحاضرة، لأنها لم تتوقف بعد.
وأوضح دواس أنهم سيتوجهون قريبًا إلى كيب تاون، مشيرًا إلى أنه خلال العامين الماضيين زار غزة أكثر من مرة، وعمل في “مستشفى الأقصى” في دير البلح، حيث ساهم في مساندة زملائه الفلسطينيين، وفي علاج المصابين الذين كانوا يصلون إلى المستشفيات جراء الانفجارات والشظايا التي أصيبوا بها خلال تلك الفترة.
وأضاف أنه زار كذلك الضفة الغربية، حيث شاهد، على نطاق أقل، حجم الأضرار التي لحقت هناك أيضًا، من قتل للمدنيين، واستهداف للمستشفيات، وتدمير للقرى، والمنازل.
وأعرب عن امتنانه لزيارته جنوب أفريقيا، مشيرًا إلى أن لديهم كثيرًا من الأصدقاء هناك، وأنهم التقوا أيضًا طلبة طب قدموا من غزة لمتابعة دراستهم واستكمال تدريبهم الطبي، وهم ممتنون جدًا لهذه الفرصة.
اهتمام محلي
أما رينا كينغ، من منظمة “يهود جنوب أفريقيا من أجل فلسطين حرة”، فقالت في حديث مع “القدس العربي”، إن هذا الفيلم ينبغي أن يشاهده الجميع في العالم، لأنه يوثق كيف تعرض الفلسطينيون، وبينهم أصحاب المهن، للإبادة في غزة. وأضافت أن إسرائيل تمضي الآن في تنفيذ هذه الإبادة في لبنان أيضًا، كما تقصف الجامعات وأصحاب المهن في إيران.
وقالت إن مشاهدة أفلام كهذا الفيلم، الذي يوثق الاستهداف الواضح للأطباء، من شأنها أن تسهم في استعادة الحس الإنساني، وأن تجعل الناس يدركون أن ما يجري في هذا العالم أمر غير مقبول.
وأضافت أن من غير المقبول أيضًا استمرار دعم الإبادة الإسرائيلية من خلال تزويد إسرائيل بالفحم، منتقدة تزويد بلادها إسرائيل بهذه المادّة، بما “يعني عمليًا المساعدة في دعم اقتصادها عبر توفير كهرباء رخيصة، كما يعني دعم المؤسسة العسكرية والاحتلال والاقتصاد الإسرائيلي”.
وأشار إلى أن اقتصاد جنوب أفريقيا يتأثر بشدة، والاقتصاد العالمي كذلك سيتأثر بصورة بالغة، مع الجوع والركود والحرمان الشديد، بسبب أفعال إسرائيل في إيران.
وختمت بقولها: “لماذا ندعم إسرائيل من خلال تزويدها بالفحم؟ علينا أن نستعيد إنسانيتنا بالكامل”.
وقال طارق لالا، عضو اللجنة التنفيذية الوطنية في “مؤتمر طلبة جنوب أفريقيا”، في حديث مع “القدس العربي”، أنه في إطار “أسبوع الأبارتهايد الإسرائيلي” جرى تنظيم عدد من الفعاليات والبرامج في جامعات مختلفة، إلى جانب المشاركة مع جهات أخرى كانت قد أعدت برامجها الخاصة، ومن بينها فعالية عرض الفيلم الوثائقي الخاص بالعاملين في القطاع الصحي.
وأشار إلى أن هناك قطاعات متعددة انخرطت في تنظيم فعاليات لا تقتصر على التضامن مع فلسطين فقط، بل تشمل أشكالًا أوسع من التضامن مع قضايا أخرى أيضًا. وقال إن من بين المبادرات التي أطلقتها الحركة الطلابية في هذا السياق “عريضة الركيزة الرابعة للنضال”، وهي عريضة وطنية تدعو إلى مقاطعة المؤسسات الإسرائيلية والصهيونية.

