المسار : حوار مع د. حسن جبارين يستعرض تفاصيل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، مبينًا طابعه التمييزي وتداعياته القانونية والسياسية، والفئات التي يشملها وآليات تطبيقه. كما يناقش ثلاثة سيناريوهات متوقعة لمصير القانون أمام المحكمة العليا، وسط انتقادات حقوقية وتحذيرات من انعكاساته محليًا ودوليًا.
أثار قانون إعدام أسرى فلسطينيين مدانين بتنفيذ عمليات قُتل فيها إسرائيليون موجة غضب واسعة في الأوساط العربية والفلسطينية، ترافقت مع استنكار أوروبي ودولي عقب المصادقة عليه في الكنيست، وسط تحذيرات من تداعياته القانونية والسياسية.
واعتبرت الأوساط الحقوقية القانون تشريعًا ذا طابع تمييزي خطير، من شأنه أن يفاقم التوتر ويقوّض المعايير القانونية الدولية، في حين سادت حالة من اللغط والارتباك بشأن تفاصيل القانون وآليات تطبيقه، خاصة فيما يتعلق بالفئات التي يشملها، وإمكانية سريانه، وتعريفاته القانونية.
وقدمت جمعيات ومراكز حقوقية التماسات عاجلة إلى المحكمة الإسرائيلية العليا، في محاولة لوقف القانون احترازيًا والدفع بمسار قانوني لإبطاله نهائيًا، وسط توقعات بمسار قضائي معقّد قد يستمر لفترة طويلة، في ظل تعدد السيناريوهات المطروحة بشأن مصير القانون.
حسن جبارين
في هذا الصدد، قال مدير مركز عدالة الحقوقي، المحامي د. حسن جبارين، حول تفاصيل القانون والفئة التي يشملها من الأسرى الفلسطينيين، وتداعياته المحلية والدولية، والسيناريوهات الحقوقية المتوقعة.
سؤال : هل يمكن توضيح قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وعلى أي فئة من الأسرى يسري هذا القانون، وهل يمكن تطبيقه بأثر رجعي على أسرى محكومين أو موقوفين حاليًا؟
جبارين: هذا القانون يقوم على وجهين أساسيين، لكل منهما تبعات قانونية وسياسية خطيرة؛ الوجه الأول يتعلق بإلزام الحاكم العسكري في الضفة الغربية بفرض عقوبة الإعدام كعقوبة إلزامية في المحاكم العسكرية على أي فلسطيني من الضفة الغربية يُدان بقتل إسرائيلي عمدًا، حتى في الحالات التي لا تطلب فيها النيابة العسكرية هذه العقوبة. ويمكن أن يُتخذ الحكم بأغلبية قاضيين مقابل قاضٍ واحد، دون اشتراط الإجماع، كما هو معمول به في قضايا مماثلة، فيما لا تتوفر صلاحية لمنح الاسترحام في هذه المحاكم، ما يعني غياب أي هامش لتخفيف الحكم.
تعريف سكان الضفة الغربية في هذا القانون يشمل غير المواطنين وغير المقيمين في دولة إسرائيل والمسجلين لدى السلطة الوطنية الفلسطينية، ما يعني أن القانون يسري بشكل حصري على الفلسطينيين في الضفة الغربية، دون أن يشمل المستوطنين، وهو ما يعد تمييزًا واضحًا وصريحًا، إذ لا يطبق القانون على المستوطنين حتى في حال ارتكابهم جرائم قتل بحق فلسطينيين.
الوجه الثاني يتعلق بتعديل داخل القانون الإسرائيلي يتيح فرض عقوبة الإعدام داخل إسرائيل، ويسري هذا الجانب من القانون إذا كانت حالة القتل بدافع العمل ضد دولة إسرائيل أو وجودها كدولة يهودية، وهذا الاستثناء يجعل القانون عمليًا قابلاً للتطبيق فقط على الفلسطينيين داخل إسرائيل، دون أن يشمل المواطنين اليهود، حتى في حال ارتكابهم أعمال قتل.
الإسرائيلي يستطيع أن يقتل عربيًا فلسطينيًا داخل إسرائيل دون إمكانية معاقبته بموجب هذا القانون لأنه يقوم بذلك بدافع الدفاع عن إسرائيل، أما الفلسطيني المواطن داخل إسرائيل فإن قانون الإعدام يسري عليه.
القانون لا يُطبق بأثر رجعي، بل يسري فقط على الأفعال التي ترتكب بعد إقراره، وتحديدًا بعد تاريخ 31 آذار/ مارس 2026، ويتطلب تطبيقه سلسلة إجراءات تشمل الاعتقال، التحقيق، تقديم لائحة اتهام، المحاكمة، الاستئناف، ثم انتظار فترة تصل إلى 90 يومًا قبل تنفيذ الحكم، ما يعني أن أول حالة تنفيذ محتملة قد تستغرق ما بين عامين إلى ثلاثة أعوام على الأقل.
سؤال : على إثر الالتماسات التي تقدمت بها جمعيات حقوقية للمحكمة العليا ضد القانون، كيف تنظر المحكمة العليا لهذا القانون، وما السيناريوهات المتوقعة؟
جبارين: قام مركز عدالة الحقوقي بتقديم التماس للمحكمة العليا ضد القانون باسم مؤسسات حقوقية، منها أطباء لحقوق الإنسان، وموكيد للدفاع عن حقوق الفرد، ومؤسسات إضافية ونواب عرب، وتبع ذلك التماس آخر من جمعية حقوق المواطن، ومن المتوقع تقديم التماسات إضافية.
المحكمة العليا أصدرت قرارًا أوليًا طالبت فيه الدولة بتقديم ردها خلال شهر أيار/ مايو المقبل، لكنها لم تصدر أمرًا احترازيًا بوقف تنفيذ القانون في هذه المرحلة، وخلافًا لما يُشاع فإن أمرًا كهذا لا يثير القلق، نظرًا لأن تنفيذ القانون يتطلب وقتًا طويلًا، كما أن المحكمة فضّلت انتظار رد الدولة قبل اتخاذ قرار بشأن إصدار أمر مؤقت. ومن جهة أخرى، لا يمكن تنفيذ أي حكم إعدام طالما أن القضية ما زالت قيد المداولات أمام المحكمة، لأن هذه القضايا لا تحتمل الخطأ، إذ لا يمكن التراجع عن تنفيذ حكم الإعدام إذا تبين لاحقًا وجود خطأ قضائي.
إجراءات المحكمة بخصوص القانون ستستغرق فترة طويلة، تبدأ بعقد جلسة أمام هيئة من ثلاثة قضاة، يليها إصدار أمر احترازي، ثم إحالة القضية إلى هيئة موسعة، قبل إصدار القرار النهائي بعد عدة أشهر، ومن المرجح أن يصدر القرار بعد الانتخابات؛ وبدون شك فإن المحكمة العليا أمام اختبار جدي في كيفية التعامل مع هذا القانون، ومع ذلك أرجّح إبطاله في نهاية المطاف.
ما يُعرف بـ’الدولة العميقة’، والتي تشمل الأجهزة الأمنية مثل الجيش وجهاز الأمن العام (الشاباك)، إلى جانب المستشار القضائي للحكومة ووزارة القضاء، تعارض هذا القانون، ليس بدافع حقوقي أو أخلاقي، وإنما لأسباب أمنية وتداعياته على مكانة إسرائيل.
السبب الأول يتمثل في المخاوف الأمنية، إذ يُعتقد أن تنفيذ أحكام الإعدام قد يؤدي إلى عمليات خطف وردود فعل فلسطينية، ما قد يخلق وضعًا أمنيًا معقدًا ويهدد حياة الإسرائيليين داخل البلاد وخارجها. أما السبب الثاني فيتعلق بمكانة إسرائيل الدولية، حيث أشار إلى وجود معارضة من دول أوروبية صديقة لإسرائيل وصلت حد التهديد بإعادة النظر في العلاقات في حال إقرار القانون.
المداولات قد تفضي إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية، وهي:
إبطال القانون بشكل كامل: ويستند هذا السيناريو، من بين عوامل أخرى، إلى موقف ‘الدولة العميقة’ التي تشمل الأجهزة الأمنية والقضائية في إسرائيل، حيث أن معارضتها للقانون لا تنطلق من اعتبارات حقوقية أو أخلاقية، وإنما من أسباب أمنية وتداعيات القانون على مكانة إسرائيل.
إبطال جزئي: أي إبطال أجزاء محددة من القانون، خاصة البنود التمييزية مثل تعريف سكان الضفة الغربية، أو شرط أن يكون الفعل بدافع “ضد دولة إسرائيل”. وقد يُستخدم هذا الإبطال لتعديل القانون وإبقائه بعد جعله أقل تمييزًا.
إعادة القانون إلى الكنيست: مع توجيه ملاحظات بضرورة إجراء تعديلات عليه، خصوصًا فيما يتعلق بالجوانب الدستورية والتمييزية.
سؤال : ما المختلف في قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين عن قوانين الإعدام الأخرى في العالم، وكيف تنظر الأوساط الحقوقية المحلية والعالمية للقانون؟
جبارين: رغم وجود قوانين إعدام في عدد من الدول مثل إيران والسعودية والولايات المتحدة، فإن ما يميز هذا القانون هو كونه القانون الوحيد في العصر الحديث الذي يُصاغ ويوجَّه بشكل مباشر ضد مجموعة قومية وإثنية محددة، وهي الشعب الفلسطيني، فيما تُطبق قوانين الإعدام في الدول الأخرى على جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو القومية.
الطابع التمييزي يسحب عن القانون صفته القانونية، بحيث تتحول عقوبة الإعدام من إجراء قانوني إلى فعل قتل، ويصبح كل من يشارك في تنفيذه معرضًا للمساءلة الجنائية الدولية. هذا ما يفسر حالة الغضب والرفض الدولي الواسع لهذا القانون، خصوصًا وأنه لا يقتصر على التمييز العرقي، بل يندرج أيضًا ضمن إطار القانون الجنائي الدولي، إذ أن تنفيذ عقوبة الإعدام بهذه الطريقة يقترب من جريمة ضد الإنسانية ويصنف كسياسة فصل عنصري (أبرتهايد) وفقًا لنظام روما.
القانون حظي باهتمام دولي واسع، وتناولته وسائل الإعلام العالمية، وأصدرت منظمات حقوق الإنسان الدولية بيانات واضحة ضده، نظرًا للطابع العنصري للقانون، إذ يبعث برسالة مفادها أن حياة الفلسطينيين أقل قيمة، في ظل تصاعد عنف وإرهاب المستوطنين اليهود في الضفة الغربية، إضافة إلى الحرب في غزة وانتشار الجريمة داخل المجتمع العربي، ما يعزز صورة إسرائيل كدولة تنتهك القانون الدولي.
سؤال : في حال المصادقة النهائية على القانون، هل يمكن التوجه إلى محاكم دولية؟
جبارين: في حال لم تستجب المحكمة العليا الإسرائيلية للالتماسات المقدمة، يبقى بالإمكان التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية، رغم أن الأخيرة قد تفضّل انتظار قرار المحكمة العليا قبل التدخل. تنفيذ أحكام الإعدام وفق القانون يتطلب حضور جهات رسمية محددة، من بينها رئيس المحكمة المركزية والقاضي الذي أصدر الحكم، إلى جانب أطراف أخرى، ما يعني أن كل من يشارك في هذه العملية قد يجد نفسه عرضة للمساءلة الدولية.
القانون في جوهره عنصري ويشرعن قتل الفلسطينيين، وقد يمتد خطره ليشمل الأبرياء أيضًا، وليس فقط المدانين، ما يجعله موضع رفض قانوني وأخلاقي واسع.
المصدر … موقع عرب 48
كتب التحقيق … مصطفى وليد زعبي

