المسار : في الحادي والعشرين من آذار، يتوشّح العالم بالحنين للأم، وفي الثلاثين من الشهر ذاته، تتجذّر الذاكرة في الأرض. بين يوم الأم ويوم الأرض، تقف فلسطين – وتحديدًا غزة – شاهدةً على أوضح معاني الأمومة حين تصبح الأرض أمًا، وتصبح الأم أرضًا تُنتهك وتُقاوم في آنٍ واحد.
في غزة، لم يعد يوم الأم مناسبة للورود والهدايا، بل صار يومًا مثقلاً بالغياب. آلاف الأمهات اللواتي ارتقين تحت الركام، تركن خلفهن أطفالًا يبحثون عن دفءٍ لم يعد موجودًا، وعن صوتٍ كان يطمئنهم بأن كل شيء سيكون بخير. وأمهاتٌ أخريات ما زلن على قيد الحياة، لكنهن يعشن كل يوم كأنّه وداعٌ مؤجل، يحملن الخوف في صدورهن، ويُرضعن أبناءهن القلق بدل الطمأنينة.
أيّ أمٍ هذه التي تودّع أبناءها كل صباح دون أن تعرف إن كانوا سيعودون؟ وأيّ قلبٍ ذاك الذي يُجبر على دفن فلذات كبده بيديه؟ في غزة، الأم ليست فقط من تنجب، بل من تصمد، من تُربّي على وقع القصف، من تُخفي دموعها كي لا ينهار أطفالها، من تقف بين الموت والحياة محاولةً أن تنتزع فرصة نجاة.
وحين يأتي يوم الأرض، لا يكون الحديث عن التراب فقط، بل عن الدم الذي امتزج به، وعن الأمهات اللواتي أنجبن مقاومين، وربّين أجيالًا تعلّمت أن الأرض ليست مجرد جغرافيا، بل كرامة وهوية وحق لا يسقط. الأرض في فلسطين ليست صامتة، إنها تنطق بأسماء الشهداء، وتحتضنهم كما تحتضن الأم أبناءها.
في غزة، تتجسّد العلاقة الأعمق بين الأم والأرض. فكما تُنتزع الأرض بالقوة، تُنتزع الأرواح من صدور أمهاتها. وكما تُحاصر الأرض، تُحاصر الأمهات بين الفقد والخوف. لكن، كما تقاوم الأرض كل محاولات الاقتلاع، تقاوم الأمهات أيضًا، يزرعن الحياة رغم الموت، ويصنعن الأمل من قلب الدمار.
هذا العام، لا يمكن فصل يوم الأم عن يوم الأرض. فكلاهما في غزة ينزفان. الأم التي فقدت أبناءها هي ذاتها الأرض التي سُلبت، والأرض التي تُدمّر هي أمٌ تُنتهك كرامتها كل يوم. ومع ذلك، لا تزال الأمهات في غزة ينهضن من تحت الركام، يُرمّمن الحياة، ويُعلّمن أبناءهن أن البقاء ليس خيارًا، بل فعل مقاومة.
في يوم الأم، ننحني إجلالًا لأمهات غزة، للّواتي لم يُهزمن رغم كل شيء. وفي يوم الأرض، نجدد العهد أن هذه الأرض، كما الأمهات، لا يمكن كسرها. فغزة، بأمهاتها وأرضها، تكتب اليوم فصلًا جديدًا من الصمود، عنوانه: الحياة رغم الموت، والكرامة رغم الألم.

